Define your generation here. Generation What
هُنا غزة.. مصابون محاصرون بشبح الإعاقة تسعفهم مشافٍ «عاجزة»  
 
 
داخل إحدى مستشفيات قطاع غزة - المصدر: المركز الإعلامي - الخارجية الفلسطينية
 

ظهيرة أمس، الثلاثاء، ركب بهاء بعلوشة، 24 عامًا، دراجته النارية وانطلق صوب منطقة «ملكة» شرقيّ مدينة غزة، لينضم لرفاقه المتظاهرين الفلسطينيين السلميين الباحثين عن حق العودة، في اليوم الثاني من المليونية الرافضة لقرار نقل السفارة اﻷمريكية في إسرائيل إلى القدس المحتلة.

قبلها بدقائق كان «بعلوشة» يلقي النظرة اﻷخيرة على صديقه أحمد الرنتيسي، الذي ارتقى في اليوم السابق، ضمن أكثر من 60 فلسطينيًا أنهت رصاصات إسرائيلية حياتهم، في أحد أكثر اﻷيام دموية في قطاع غزة.

شهدت أعداد المشاركين في مليونية العودة تراجعًا نسبيًا في اليوم الثاني، لكن المشاهد في «ملكة» كانت تقول بوضوح إن محاولة الجنود الإسرائيليين زرع الرعب في قلوب المتظاهرين السلميين باءت بالفشل.

في مسيرة العودة - المصدر: المركز الإعلامي - الخارجية الفلسطينية

تعد منطقة «ملكة» أحد المخيمات الأساسية لسلسلة مسيرات العودة الكبرى، التي انطلقت في الذكرى الـ 42 ليوم الأرض، فيما توزعت أماكن الاعتصام الخاصة بالمسيرة شرقي قطاع غزة في: (رفح: حي النهضة «بوابة المطبق»، خانيونس: بلدة خزاعة «بوابة النجار»، الوسطى: مخيم البريج «بوابة المدرسة»، شرق غزة: حي الزيتون «بوابة ملكة»، الشمال: «بوابة أبو صفية»، ونقطة 4/4 شمالي بيت حانون).

رغم عنجهية القناصة الإسرائيليين في اليوم السابق، إلا أن مئات الشباب، من بينهم «بعلوشة»، تقدموا نحو السياج الحدودي حتى أصبحوا على بعد 250 مترًا فقط منه، ملوحين بالرايات الفلسطينية وهم يصرخون على الجنود المختبئين خلف سواتر رملية على الجانب اﻵخر من السياج.

أمام السياج الحدودي – في مسيرة العودة - المصدر: المركز الإعلامي - الخارجية الفلسطينية

تقدم «بعلوشة» مقتربًا من السياج أكثر، حتى صار على بعد قرابة 150 مترًا، وبعدما احتمى خلف أحد الكثبان الرملية، بدأ يلوح برايته وينادي على زملائه ليتقدموا، وحين أجبرت شجاعته زملائه على التقدم بالفعل أطلق قناص إسرائيلي رصاصة متفجرة أصابت ساق «بعلوشة» الذي استجمع قواه بعد سقوطه وبدأ يزحف باتجاه الجموع.

بدورها سارعت الطواقم الطبية إليه، سحبته ووضعته على النقالة البرتقالية واتجهت به إلى النقطة الطبية التي شيدتها في مخيم العودة. بعد الإسعافات اﻷولية، ونظرًا لخطورة حالته جرى تحويله إلى مجمع الشفاء الطبي.

في مسيرة العودة - المصدر: المركز الإعلامي - الخارجية الفلسطينية

الجرحى يدفعون الثمن مرتين

قبل دقائق من اختفاء قرص الشمس خلف البحر، استعاد «بعلوشة» وعيه في غرفة العمليات داخل مجمع الشفاء، كانت فخذه اليمنى محاطة بجبيرة معدنية. كانت تلك فاجعة، لكن الفاجعة اﻷكبر تمثلت في ورقة الخروج التي أعطتها إدارة المشفى لذوي «بعلوشة»، الذي أصبح مطالبًا بالخروج من المستشفى في يوم إصابته، نتيجة للنقص الحادة في أسِّرَة المرضى واﻷدوية اﻷساسية الذي تعاني منه مستشفيات القطاع، ورغم محاولة عائلة بعلوشة توفير مكانًا لمصابها، لكن كثافة الإصابات وعدم سيطرة المشفى على الحالات الكثيفة حالت دون ذلك.

«صحيح إنه في أزمة حادة في المستشفيات، لكن إني أروّح في نفس اليوم، وبعد ساعتين من العملية، شعرت أني دفعت الثمن مرتين، مرة من القناص، ومرة من هذه الأزمة»، يقولها بهاء بعلوشة بصوت متقطع، قبل أن يصمت ويلوّح بيده معلنًا أنه لن يكمل المقابلة.

بعد صمت الشاب، الذي يقطن في مخيم جباليا مع عائلة هُجرت قسرًا من مدينة عسقلان المحتلة قبل سبعين عامًا، تكمل والدته، سعاد، الحديث، تمسح دمعتها وهي تقول لـ «مدى مصر»: «طلبنا من إدارة المستشفى أن يقيم بهاء على حسابنا الشخصي، لكنها رفضت، سنحاول شراء سرير مرض له، حتى يتماثل بالشفاء». في هذه اللحظة ترتفع صرخات «بعلوشة» متألمًا، فينقطع حديثنا.

داخل أحد مستشفيات غزة - المصدر: المركز الإعلامي - الخارجية الفلسطينية

بهاء بعلوشة هو حكاية واحدة بين مئات الحكايات التي شهدتها مشافي قطاع غزة العاجزة عن توفير أدنى متطلبات العلاج، لم تمكث أي من تلك الحالات في مستشفيات القطاع المدة اللازمة لإتمام علاجهم، خاصة بعدما أعلنت وزارة الصحة بالقطاع، على لسان متحدثها الدكتور أشرف القدرة، عن نفاد 50% من اﻷدوية اللازمة والمستهلكات الطبية الأساسية في مرافقها الصحية، ما منعها من توفير اﻷدوية اللازمة للجرحى. اﻷمر الذي اضطر الكثير من المصابين لشراء المُسكنات والمضادات الحيوية على حسابهم الشخصي، إن وجِدَت، ناهيك عن خروجهم من المستشفيات بعد أقل من أسبوع من خضوعهم لعمليات جراحية، أو في اليوم ذاته مثلما حدث مع «بعلوشة».

كانت حصيلة ضحايا اليوم اﻷول من مليونية العودة قد وصلت إلى 62 قتيلًا و3188 مصابًا، فيما سقطت ضحيتان في اليوم الثاني وأصيب 417، ما بين إصابات بالرصاص أو اختناق بالغاز، كما تعرض عشرة من الطواقم الطبية للاختناق، وتضررت سيارتا إسعاف تابعتين لوزارة الصحة، بحسب «القدرة».

شبح الإعاقة

خلال اليومين الماضيين استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي المشاركين في مسيرات العودة بالرصاص الحي، والحارق، والخارق للدروع، والرصاص المتفجر «المُحرم دوليًا»، وبهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الإعاقات الحركية تعمدت استخدام النوع اﻷخير في إصابة المناطق السفلية من أجساد الفلسطينيين، والذي يحدث جروحًا غائرة، تذيب اللحم، وتهتِك العِظام، ما أدى لتفاقم الحالة الصحية للمصابين.

من بين هؤلاء كان محمد عبيد، 23 عامًا، لاعب كرة القدم في نادي الصلاح الرياضي المحلي الفلسطيني. أصيب عبيد في كلتا قدميه، وأخبره الأطباء أن فترة تماثله للشفاء تتراوح بين سبعة إلى تسعة أشهر، فضلًا عن أنه لن يكون قادرًا على العودة للمستطيل الأخضر مرة أخرى.

يقول عبيد: «لم أتوقع أن مسيرتي الكروية ستنتهي هكذا، ولكن هذه ضريبة أن تكون فلسطينيًا متمسكًا بأرضك».

انتهاء المسيرة الكروية ليس فقط أمرًا ذاتيًا أو معنويًا سيعاني عبيد تبعاته، فكرة القدم كانت مصدر الدخل الذي يعيش عليه هو وعائلته، خاصة في ظل العدوان الاقتصادي متكامل الأركان على غزة، والذي اكتمل مع استمرار الإجراءات العقابية التي فرضها رئيس السلطة الفلسطيني محمود عباس في مارس من العام الماضي.

كانت صحيفة «هآرتس» نقلت في وقت سابق عن أطباء فلسطينيين وأجانب يخدمون في قطاع غزة، قولهم إن حوالي 1700 فلسطينيًا أصيبوا في غضون شهرين بالرصاص الحي خلال مشاركتهم في مسيرات العودة الكبرى السلمية، واصفين الإصابات بـ «الأخطر منذ الحرب الأخيرة عام 2014». وأشار الأطباء إلى أن معظم المصابين سيعانون من إعاقة دائمة بسبب تعرضهم لإصابات «مدمرة».

من جانبها، قالت ماري إليزابيث إنجرس، رئيسة بعثة منظمة أطباء بلا حدود في فلسطين إن معظم المصابين يعانون من جروح تسببت في تدمير الأنسجة، بعد أن حطمت العظام، وأن هؤلاء سيخضعون لعمليات جراحية معقدة للغاية، ومعظمهم سيعانون من إعاقات تستمر مدى الحياة. مبينة أن البعض منهم عرضة لخطر البتر بسبب عدم توفر الرعاية الكافية في غزة.

في مسيرة العودة - المصدر: المركز الإعلامي - الخارجية الفلسطينية

وأشارت المنظمة إلى أنه بالإضافة إلى المعالجة الدورية للإصابات، سيحتاج المصابون إلى مزيد من الجراحة وإعادة التأهيل لفترات طويلة، وأنهم سيعانون بشدة في حال لم يتلقوا العلاج اللازم بغزة، أو إن لم يتلقوا تصاريح للعلاج بالخارج. فيما رفض أشرف القدرة إعطاء إحصائية عن عدد المصابين الذين بُترت أطرافهم، بسبب أن التقارير الطبية الخاصة بدائرة العلاقات العامة للوزارة لم تكتمل بما يخص هذا الأمر.

ليس اﻷهالي فقط مَن يستغيثون

في سياق أوسع، نشر عدد من جرحى مسيرات العودة مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي طلبًا للعون في توفير أو شراء العلاج، خاصة أهالي اﻷطفال منهم، وذلك بعد اضطرارهم لمغادرة المشافي التي لا تتوفر بها اﻷدوية من اﻷصل. وفي ظل تردّي اﻷوضاع الاقتصادية لغالبية سكان قطاع غزة، الذي يطفح بالأزمات المعيشية، لم يجد أهالي المصابين سوى الاستغاثات في محاولة لتوفير اﻷدوية لأطفالهم.

لم تكن الاستغاثات هي الحل اﻷخير للأهالي فقط، إذ أطلقت وزارة الصحة في غزة نداء استغاثة لكافة الجهات المعنية من أجل دعم المستشفيات والمراكز والنقاط الطبية، باﻷدوية والمستهلكات الطبية الخاصة بالطوارئ، بشكل فوري في ظل توافد المئات من المصابين والضحايا.

وخلال جولة لـ «مدى مصر» في مشافي القطاع، وتحديدًا مجمع الشفاء الطبي ومستشفى الإندونيسي شمالي القطاع، كان المشهد مكررًا؛ أطباء لا يخرجون من غرف العمليات، ومصابون يتلقون العلاج على الأرض وسط أسرّة ممتلئة، وصولًا إلى إقامة مجمع الشفاء الطبي خيمة في باحته لاستقبال الأعداد الكبيرة من الجرحى التي تضيق بها جنبات المشفى.

إحدى نقاط استقبال المصابين في مسيرات العودة - المصدر: المركز الإعلامي - الخارجية الفلسطينية

فيما قالت وزارة الصحة في بيان صحفي، تلقى «مدى مصر» نسخة منه عصر الثلاثاء، إن لجنة الطوارئ الصحية والجهات الدولية، حددت مبلغ 19.5 مليون دولار للاحتياجات الطارئة والعاجلة لمواجهة الكارثة الصحية في قطاع غزة.

كانت الوزارة قد أجلّت أربعة آلاف عملية جراحية مُجدولة مسبقًا، نتيجة الضغط على غرف العمليات وأقسام المبيت في المستشفيات، مع العدد الكبير من المصابين في مسيرة العودة الكبرى.

من جانبه، أكد مدير عام الإدارة العامة للمستشفيات، عبد اللطيف الحاج، أن الأصناف العلاجية في مستشفيات القطاع يتم استنزافها حاليًا عشرة مرات أكثر منها في اﻷوضاع الاعتيادية، خاصة المواد المعقمة والمحاليل والأدوية مانعة التجلط والمضادات الحيوية والوريدية، ولفت في اتصال هاتفي مع «مدى مصر» إلى أن المستهلكات الطبية من مثبتات العظام الخارجية التي تم استهلاكها في هذه الفترة كان مقدرًا لها أن تكفي طوال العام.

كان نيكولاي ملادينوف، المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، أشار في كلمة له من القدس أمام مجلس الأمن الدولي، إلى أن المستشفيات في قطاع غزة تعاني من أزمة كبيرة بسبب نقص الأدوية، ومن عدم وجود ما تحتاجه لمعالجة الجرحى، مؤكدًا على ضرورة الإسراع في توفير الأدوية لمستشفى الشفاء لإنقاذ الجرحى الموجودين حاليًا.

إحدى الاستجابات للنداءات الخارجة من اﻷراضي الفلسطينية أتت من الجانب المصري، مع إعلان وزارة الصحة والسكان عن رفع درجة الاستعداد في مستشفيات شمال سيناء إلى الدرجة القصوى تمهيدًا لاستقبال الحالات الخطرة والحرجة من مصابي المظاهرات السلمية في قطاع غزة، وبحسب بيان صحفي للوزير أحمد عماد الدين أمس، الإثنين، تم التأكد من توافر كافة اﻷطقم الطبية في مستشفيات سيناء في كافة التخصصات الطبية اللازمة للتدخلات الجراحية للمصابين الفلسطينيين، مشيرًا إلى انعقاد غرفة أزمات وطوارئ بمقر وزارة الصحة لمتابعة استقبال المصابين وتذليل أية عقبات قد تواجه علاجهم بالشكل اﻷمثل.

وأشار الوزير إلى أنه تم الدفع بسبعة سيارات إسعاف مجهزة إلى معبر رفح، استعدادًا لاستقبال الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج، لافتًا إلى أن مستشفيات «العريش، وبئر العبد، والشيخ زويد، ورفح» ستستقبل المصابين.

وفيما أضاف الوزير أنه تم تجهيز 58 صنفًا من الأدوية والمحاليل بإجمالي 25 ألف عبوة دواء، بخلاف كميات كبيرة من المستلزمات الطبية اللازمة لإجراء الجراحات المختلفة، وذلك تمهيدًا لإرسالها إلى قطاع غزة في الساعات القليلة المقبلة، استقبلت محافظة شمال سيناء فجر أمس، الثلاثاء، الجريح الفلسطيني ضياء أبو سمرة، كأول مصاب يخرج من غزة.

وصول أول المصابين الفلسطينيين للجانب المصري - المصدر: المركز الإعلامي - الخارجية الفلسطينية

اعلان
 
 
حمزة أبو الطرابيش