Define your generation here. Generation What
سعر تذكرة المترو: احتجاجات واعتقالات وهموم ركاب
 
 

في اليوم الثالث لتطبيق قرار زيادة أسعار تذاكر المترو، وقفت سيدتان أمام شباك التذاكر بمحطة مترو حلوان، يقتلان الوقت في طابور طويل بحديث حول التسعيرة الجديدة، إحداهما تخبر زميلتها أن تكلفة مواصلاتها اليومية بعد الزيادة أصبحت 35 جنيهًا، لترد الأخرى بسؤال: «طيب والحل إيه؟ الناس لما اعترضت إمبارح وعبرت عن رأيها اتقبض عليها ودا اللي مستخبي لينا، الحبس أو الموت من الجوع قريب».

احتجاجات واعتقالات

على مدار اليومين الماضيين، تدوال نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي العديد من مقاطع الفيديو والصور لاحتجاجات متنوعة في الكثير من محطات المترو ضد قرار وزارة النقل، مساء الخميس الماضي، برفع أسعار التذاكر من جنيهين إلى ما بين ثلاث وسبع جنيهات حسب عدد المحطات؛ حيث أظهرت المقاطع عبور عشرات الركاب إلى القطارات دون تذاكر في بعض المحطات، فيما شهدت أخرى تظاهرات ومشدات بين الركاب والشرطة، وامتدت ردود الأفعال إلى دعوات لمقاطعة المرفق، وبالإضافة إلى ابتكار تطبيقات الكترونية للتحايل على هذه الزيادات. في المقابل، كثفت قوات الأمن من تواجدها بالمحطات وخارجها، كما ألقت القبض على العشرات من المحتجين.

أحد مقاطع الفيديو أظهر ركابًا بمحطة حلوان متجمهرين على رصيف المحطة مرددين «حسبي الله ونعم الوكيل» قبل التحول إلى هتاف «مش هنمشي» فيما يبدو ردًا على طلب مسؤولي الأمن الواقفين وسطهم بالانصراف.

في محطة حلوان أيضًا، يُظهر فيديو آخر سيدة تصرخ في الركاب على رصيف المحطة: «يا بلد مفيهاش راجل … كل واحد ركب المترو وراح شغله مش راجل … عايزين تحبسونا احبسونا».

من محطة «السادات»، نشر حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) صورة لمجموعة من الأشخاص يرفعون لافتات احتجاجية. وفي فيديو آخر، قال ناشره إنه من محطة المرج، ظهر عشرات الركاب يقفزون فوق ماكينات التذاكر بالمحطة نحو رصيف القطار.

ألقت قوات الأمن القبض على 28 شخصًا من محطة مترو حلوان، قبل الإفراج عن 18 منهم، بحسب عمرو محمد، المحامي بالشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، بينما ألقت القبض على 11 شخصًا من مترو محطة السادات، بينهم أسماء عبد الحميد وعبير الصفتي، العضوتين بحزب العيش والحرية (تحت التأسيس)، واللتين لم تظهرا، منذ اعتقالهما أمس، في أي من أقسام  الشرطة أو النيابات في محيط القاهرة، بحسب وكيل مؤسسي الحزب إلهام عيداروس، التي قالت إنها شهدت لحظة احتجازهما والاعتداء عليهما في المحطة قبل اقتيادهما لمكان غير معلوم.

ظَهر اليوم أمام النيابة عشرة من المقبوض عليهم أمس بمحطة حلوان، بينهم ثلاث فتيات، بحسب محامي الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

وأوضح محامي الشبكة لـ «مدى مصر» أن المتهمين العشر يواجهون تهم التجمهر، وإتلاف مرفق عام، والتعدي على موظفين عموميين.

في اليوم التالي على القرار، الجمعة الماضي، أنشأ نشطاء صفحة على فيسبوك تحت عنوان «إضراب عام – المترو». ما يزيد على 90 ألف شخص -حتى كتابة هذا التقرير- سجلوا إعجابهم بالصفحة، التي تدعو إلى مقاطعة المرفق في الفترة من 11 إلى 15 مايو الجاري. ورغم انتشار تلك الدعوة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنه لم تتوفر أي دلائل على مدى الاستجابة لهذه الدعوة. وحاول «مدى مصر» التواصل مع القائمين على الصفحة، لكنهم لم يردوا.

في السياق نفسه، أعلنت صفحة على فيسبوك تدعى «ألتراس حاسبات ومعلومات» ابتكار مجموعة من المبرمجين تطبيق «بدل تذكرتي» إلكتروني للتحايل على زيادة أسعار التذاكر. وبحسب الصفحة، يتيح التطبيق الذي أصبح متاحًا على الهواتف الذكية بنظام أندرويد ” لو جاي من حلوان ورايح المرج أو من حلوان ورايح الخط التاني أو التالت فالموضوع بسيط، أنا حقطع من حلوان ولما اوصل المرج حبدل تذكرتي مع واحد قطع من المرج ورايح حلوان مثلا، فيبقي كأني دخلت وخرجت ومركبتش ولا محطة، ولو حبدل المحطات انزل في محطات التبادل ابدل تذكرتي مع واحد راجع في الاتجاه الي ركبت منه فيبقي انا وهو ركبنا اقل محطات، فالناس كدا كلها حتركب ب 3 جنيه». لم ينجح «مدى مصر» في التواصل مع القائمين على التطبيق للحصول على مزيد من التفاصيل حول طريقة عمل التطبيق.

البعض قرر سلك المسار القضائي للاحتجاج على الزيادة، حيث تقدم أحد المحامين، أمس السبت، بطعن أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة للمطالبة بإلغاء القرار، فيما رفع محامون آخرون دعوى قضائية أمام نفس المحكمة، للمطالبة بإلغاء القرار، مختصمين وزير النقل، ورئيس الهيئة القومية للأنفاق.

البرلمان أيضًا عَبر عن قلقه من قرار زيادة أسعار التذاكر، حيث قررت لجنة النقل والمواصلات استدعاء هشام عرفات، وزير النقل، إلى اجتماع عاجل لمناقشة القرار.

هدوء حذر

في اليوم الثالث لتطبيق القرار، كان الهدوء النسبي والكثافة الأمنية سائدين داخل وخارج محطات المترو. أمام محطة حلوان تمركزت مدرعات الشرطة، واصطفت العشرات من قوات الأمن المركزي في الشوارع المحيطة بالمحطة، في حالة تأهب.

في الجهة المقابلة لمحطة حلوان تمركزت إحدى مدرعات الشرطة أمام واجهة أحد المقاهي. «من امبارح.. من ساعة المظاهرات اللي حصلت في المترو، وهما حاطين عربية ترحيلات ومدرعة قدام القهوة، بيخوفوا الناس اللي قاعدة عشان محدش يتكلم عن اللي بيحصل في البلد، دول موقفين حالي من امبارح للنهاردة، شاربين 2 كيلو بن و3 كيلو شاي وسكر غير ازايز المية المعدنية ومدفعوش حق اللي شربوه»، يقول صاحب المقهى لـ «مدى مصر».

داخل محطة «سعد زغلول» حاولنا الحديث مع عدد من الركاب حول قرار الزيادة، لكن أحدًا لم يعرنا اهتمامه؛ أحدهم نظر تجاه قوات الأمن المتواجدة على رصيف المحطة ثم التفت إلينا وأشار بيده على فمه: «اسكتي»

رغم الهدوء والكثافة الأمنية، اليوم، إلا أن مشاهد الاحتجاج لم تنته. تقول ليلى، إخصائية نفسية، قام «مدى مصر» بتغيير اسمها بناء على طلبها، إنها عبرت مع عددٍ كبير من الركاب بوابات محطة عين شمس دون شراء تذاكر وحين حاولت تصوير المشهد بموبايلها، شرع أفراد الأمن في القبض عليها، إلا أن سيدة مسنة أنقذتها بعد أن صرخت في قوات الأمن، وحين وصلت ليلى إلى محطتها الأخيرة في جامعة القاهرة، صرخت في الموظفين بالمحطة لتتمكن من الخروج بدون تذكرة.

أوضحت ليلى لـ «مدى مصر» أنها لاحظت اليوم عددًا أقل من الركاب عن المعتاد في المترو، ولكنها رغم ذلك لا ترى أن دعوات المقاطعة مناسبة لها، «مقدرش اعمل دا لان مافيش مواصلة واحدة سريعة تقدر تودينى مكان عملى. دا انسب وافضل واسرع حاجة».

أحمد شهدي، يعمل أمينًا لمكتبة بحي السيدة زينب، ويسكن في مدينة 15 مايو؛ والمترو هو وسيلته اليومية لبلوغ عمله، رغم أنه يمتلك سيارة، إلا أنه لا يستطيع القيادة كل تلك المسافة يوميًا، لذا يستقل سيارته حتى محطة مترو وادي حوف، ثم يستخدم المترو ذهابًا وإيابًا. يقود شهدي مسافة 14 كيلومتر، ثم يستقل المترو لمسافة 13 محطة. «انا عندي علم بالمقاطعة ومؤيدها جدًا بس عمليًا ما ينفعش أقاطع لأن مشواري مالوش بديل»، يقول شهدي.

ويضيف: «مفيش حد ساكن في حلوان شغله هيكون في مكان أقرب من المعادي، وكتير من سكان حلوان شغلهم في كل أطراف القاهرة، المترو بالنسبة ليهم اسرع واضمن، لأن الطرق وخصوصا الأوتوستراد مش طريق آدمي بالمرة».

غضبٌ كامن

خفتت الاحتجاجات، لكن الغضب ما زال يملأ الصدور. داخل محطة المرج، بائعة تبدو في الثلاثين من عمرها، تحمل ملابس ومستلزمات نسائية على كتفيها، يحيط بها مجموعة من العساكر وضابط، في محاولة لمصادرة ما تحمله، فتقاومهم وهي تصرخ: «أنا هدخل يعني هدخل، مش قطعت لكم تذكرة بـ7 جنيه؟ سيبونا بقا نأكل عيش». تضامن مع السيدة عدد من الركاب الذين صاحوا في الضابط: «ما تسيبوها تعدي، الناس فيها اللي مكفيها».

تمكنت السيدة من الدخول، واستقلت عربة النساء، وهناك تهافتت عليها المشتريات من أجل جبر خاطرها، بعد أن انهمرت في البكاء قائلة: «هيعملوا فينا إيه تاني، والله جوزي جه امبارح قالي لو طلبتي مصاريف زيادة هدبحك انتي وعيالك».

التقطت سيدة طرف الحديث لتنتشر الشكاوى في العربة كالنار في الهشيم: «طيب الأرزقي اللي شغال باليومية دا وفي رقبته كوم لحم هيعمل ايه»، قالت إحداهن. وهمهمت أخرى: «بياخد من دم الغلابة ويحط في كروشهم». وثالثة روت قصة أسرتها المكونة من أربعة أفراد، جميعهم يستخدمون المترو بشكل يومي وبسبب الزيادة الأخيرة قفزت تكلفة مواصلاتهم من 240 جنيه شهريًا إلى 1680 جنيها، في حين أن مرتبها مع مرتب زوجها لا يتعدى 4000 جنيه، واختتمت رابعة: «حسبي الله ونعم الوكيل».

تشعب الحديث ليشمل قضايا أخرى، مثل ارتفاع أسعار الأرز. «الحكومة عاوزانا نعمل ريجيم بالعافية، حرام عليهم، دا الرز دا أكلة العيال، أهو بيتحط مع أي حاجة وتبقى رضا»، قالت إحداهن.

آخريات تحدثن عن حلقة أمس من برنامج «كل يوم» الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب، التي طالب فيها الشعب بالمشاركة في دفع ديون، «طيب ما يتبرع هو وزمايله بمرتباتهم لمصر عشان نسدد ديون مصر، ولا هما مش هيسددوا الديون غير من جيوب الغلابة»، تستنكر إحداهن.

في عربة للرجال كان الصمت سيد الموقف، حتى جاء صوت أب يتحدث إلى ابنه عبر الهاتف ويحذره من التواجد داخل أي أحداث في محطات المترو خوفًا عليه: «اقطع تذكرتك وامشي على طول، ربنا يكلمها علينا بالستر، مش عاوز ألف عليك في الأقسام»، يقول الأب. آخر كان يتحدث في الهاتف ساخرًا من التواجد الكثيف لقوات الأمن قائًلا: «ناقص يضربونا بالقنابل»

مصدر آخر لغضب الركاب نبع من حالة الارتباك لدى موظفي الهيئة في المحطات نتيجة تقدير عدد المحطات وبالتالي صرف التذكرة المناسبة. أمام شباك التذاكر ترددت كثيرًا عبارة «أنا كدا هدفع كام» ليقابلها صوت آخر غاضب قادم من آخر الطابور: «خلصونا حرام عليكم، مش غلا وعطلة كمان ونوصل اشغالنا متأخرين».

عمرو عبد المنعم، كتب على صفحته على فيسبوك أمس: «رحت أركب زي كل يوم من الخلفاوي لحد الدقي 9 محطات والمفروض بعد زيادة الأسعار أدفع 3 جنيه، بقول للراجل على الشباك نازل الدقي، قالي هات 5 جنيه بقوله ازاي دول 9 محطات قالي لأ 10 محطات.. المهم ركبت ورايح أخرج من محطة الدقي وبحط التذكرة المكنة زمرت الراجل جالي وبص في التذكرة وجربها في مكنة تانية برضو بتزمر ومش راضيه وبيكتبله غير صالحة، قالي انت راكب منين قولتله من الخلفاوي، قالي طيب ما كده المفروض 9 محطات بس انت شاري ليه تذكره بـ 5 جنيه.. قالي التذكرة دي مش هتعدي عشان لازم تركب بيها أكتر من 9 محطات».

ساهم في تفاقم غضب المواطنين من الزيادات الأخيرة أنها أتت بعد أقل من 14 شهرًا من مضاعفة سعر تذكرة المترو من جنيه إلى جنيهين في مارس 2017، التي بررتها وزارة النقل وقتها بأن الخسائر السنوية للمترو وصلت إلى 200 مليون جنيه منذ 2010، وأن ديونه وصلت إلى 500 مليون جنيه. وكان رئيس شركة مترو الأنفاق، علي فضالي، قد صرح العام الماضي، بأن الشركة لا تسعى لتحقيق أرباح، «لكنها تحاول أن يتوقف المرفق عن الاعتماد على ميزانية الدولة في تطويره أو صيانته، وأن تقدم خدمة تليق بالمواطن المصري، خاصة في ظل اعتماد أكثر من 3 ملايين راكب يوميًا على مرفق مترو الأنفاق».

جاءت الزيادة الأخيرة صادمة ومفاجئة بعد مضاعفة السعر بين 250 إلى 300%، برغم أن وزير النقل، هشام عرفات، قد رجح، في تصريح إعلامي، يناير الماضي، أن يبدأ تنفيذ خطة زيادة أسعار تذاكر المترو في مايو الجاري، موضحًا أن القرار ما زال قيد الدراسة، و أن السعر لن يزيد على ستة جنيهات، وسيبدأ من ثلاثة جنيهات، وبرغم تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في شهر ديسمبر الماضي، أن تذكرة المترو لا يمكن أن تبقى كما هي، قائلًا إن سعر التذكرة الحالي لا يسمح بتمويل التوسع في شبكة المترو: «ده مش هينفع.. ولا بضعف التذكرة دي ولا بثلاث أضعافها، بصراحة كده».

وبالمثل، بررت الشركة الزيادة الأخيرة بـ «العجز في مصاريف الصيانة والعمرات والتجديدات للعامين الماليين 2016-2017 و2017-2018 (الذي) يبلغ 94%. وهناك خسائر متراكمة على المترو تقدر بـ 618.6 مليون جنيه».

اعلان
 
 
هدير المهدوي