Define your generation here. Generation What
هارون فاروقي وجدل الصور
عن الصور التي تكشف/ تحجب صورًا أُخرى: مقاطع مختارة من كتاب «بيرتا الحمراء تذهب للتنزه بدون حب»
 
 
 

في أغسطس 2015، ذهبتُ إلى برلين لأول مرة ضمن برنامج الأكاديمية الثقافية للإدارة والسياسات الثقافية التابع لمعهد جوته، وهناك سمعتُ عن هارون فاروقي لأول مرة من الصديق هيثم الورداني، والصديقة ناتاشا صدر حقيقيان، وعن إعجابهما البالغ بأفلامه وأعماله وأسئلته، هكذا كانت البداية.
سمعتُ من هيثم عن فيلم «نار لا تخمد» وعن اللقطة التي يطفئ فيها هارون السيجارة في يده ليشرح عمليًا، ويقرب للمشاهدين تصورًا عن بشاعة حروق النابالم، المركب الكيميائي الذي يستخدم في قتل، وتشويه الأبرياء في فيتنام. كما حكى عن فيلم عن كاميرات المراقبة في السجون الأمريكية، وفيلم عن «المولات» ومراكز التسوق.
عرفت أنه قد فارق الحياة منذ أكثر من عام وقتها (وافته المنية في 30 يوليو عام 2014). بحثتُ عن أفلامه على فيميو، ويوتيوب، وبالفعل وجدتُ وشاهدت البعض القليل المتاح منها. تأثرتُ جدًا بمشهد السيجارة في «نار لا تخمد»، كما قرأتُ بعض ما كُتب عنه، وعن حياته بالإنجليزية في مقالات على مواقع مختلفة على الإنترنت.

عرفتُ أنه صنّع أكثر من 100 فيلم، وأكثر من 25 تجهيزًا لفيديو، وعدد كبير من النصوص، فضلًا عن أنه من جيل الحركة الطلابية في 1968 في برلين، وقد عاش على أثر «الهانج أوفر» الذي سببته له طوال حياته بلا مرارة أو حنين. يُحب مسابقات الرقص في «الديسكوهات»، وشرب البيرة، ولعب كرة القدم، والتدخين الشره، وممارسة الرياضة والجري سرًا في الستينيات، وذلك حتى لا يصل الخبر إلى رفاق النضال السياسي والسينمائي. تحمستُ أكثر للبحث والعمل على برنامج استعادي خاص لأفلامه وأعماله.
لذا، أحاول هنا، بالتكامل مع النصوص المترجمة، إعادة صياغة لما قرأتُ، وسمعتُ، وشاهدتُ وفقًا لرؤيتي وفهمي، كما أسعى أيضًا إلى تقديم مراجعة نقدية لمشروع هارون عمومًا، وبعض الأعمال تحديدًا وربط ذلك بالسياق المصري والعربي المعاصر وتاريخ صناعة السينما في مصر لطرح السؤال الذي أجده مهمًا وضروريًا وملهمًا: كيف يمكن أن تكون المادة التي يقدمها مشروع هارون في السينما، والفن، والنقد، والأفكار مفيدة وحيّة ومتفاعلة مع سياق الحياة والعالم الذي نحياه؟

من فيلم نار لا تخمد لهارون فاروقي

ضد السينما.. ضد التليفزيون

في سنوات الستينيات والسبعينيات (سنوات المدّ الثوري في ألمانيا وأوروبا والعالم)، الصراع العربي الإسرائيلي، وحربي 1967، وفيتنام، ومايو 68 في فرنسا، ثم أوروبا والعالم، الثورة الثقافية الماوية في الصين، والكتاب الأحمر، وموت جيفارا، الثورة الجنسية، عودة «الكوميونات»، والعيش التشاركي والتعاونيات، الهيبيز، وموسيقى جيمي هندركس، و«الرولنج ستونز»، و«البيتلز»، وكتاب هربرت ماركوزه الإنسان ذي البعد الواحد، والشعر الطويل، والسوالف العريضة، والبنطلونات الشارلستون، والقمصان ذات الياقات العريضة، وشعارات ومحاولات تحالف الطلبة والعمال. في تلك الأجواء، قرر هارون فاروقي أن يكون سينمائيًا، وأن يكون ضمن الدفعة الأولى لأكاديمية الفيلم والتليفزيون في برلين، وينضم للحركة الطلابية متأثرًا بالأفكار الماركسية اللينينية والماوية والتقدمية، فضلًا عن إيمانه بالثورة والتغيير الاجتماعى.

ويشارك فاروقي في احتلال جامعة برلين الحرة، والأكاديمية التي يتمّ فصله منها مع عدد من أصدقائه وزملائه بتهمة إتلاف والإضرار بممتلكات الجامعة؛ فقد كان هارون وزملاؤه يقومون باستغلال خام الفيلم، وستوديوهات الجامعة لإنهاء أفلام تحريضية توجيهية نضالية سياسية. من زملائه، الذين فُصلوا معه، هولجر ماينز، المصور السينمائي، الذي سيترك السينما وينضم فيما بعد للجيش الأحمر الألماني ليموت في السجن عام 1974، ويهديه ستروب-هوييه فيلمهما الهام «موسى وهارون»، ويرثيه هارون في مقالة له في مجلة «النقد السينمائي» يوضح فيها أن السلطات بنشرها لصورة ماينز ميتًا في السجن «تريد أن تبرئ نفسها من تهمة قتله، تريد أن تقول لنا نحن انظروا لقد انتحر، كما تود أن تمارس عنفها، وتقول لنا أيضًا انظروا جيدًا لمصير مَن تسوّل له نفسه معارضة الدولة».

من فيلم: كلمات الزعيم، لهارون فاروقي

كذلك صوّر هولجر ماينز لهارون فيلمًا وهو «كلمات الزعيم» عام 1967 فيلم 3 دقائق، وذلك لإطراء ماو تسي تونج على خلفية زيارة شاه إيران لبرلين، فيستخدم هارون إحدى تكنيكات المواقفية الأممية التخريبية للتحوير التي استلهمها كثيرًا، ويقترح الفيلم أن يحوّل أوراق «الكتاب الأحمر» إلى صواريخ ضد الإمبريالية العالمية.

كانت «هيلكه زاندر» من ضمن المفصولين (من الأكاديمية كذلك)، وفي عام 1967 أنتج لها هارون فيلم «اكسر قوة المتلاعبين» عن مجلة «بيلد» اليمينية، والتي حرضت على قتل رودى دوتشكة القيادة الطلابية الأشهر فى تاريخ الحركة الطلابية الألمانية، كما عاشا في كميونة واحدة، و يقول هارون إنهما كانا يسهران ليالي طويلة من النقاش حول «المسألة النسوية» هل هي أمر فردي وشخصي أم يجب أن يتبناها اليسار وحركة التغيير؟ وهل قتْل عازفي البيانو في الثورة الثقافية الصينية فعل رجعي أم تقدمي؟

في تلك الأثناء أيضًا، ساد الاعتقاد عند السينمائيين المتعاطفين مع اليسار والماركسية والثورة والتقدمية بأن السينما (الروائية التقليدية) هي أداة هيمنة وقمع، وأن قاعة السينما تحديدًا هي مكان سيء.

بدا واضحًا التأثر بالنظرية النقدية، و«مدرسة فرانكفورت»، و«صناعة الثقافة» والدمج بين الماركسية ومدرسة التحليل النفسي الفرويدية، التي أنتجت نظرية «الجهاز السينمائي الألتوسيرية اللاكانية» التي تفيد اختصارًا بأن الذات التي تشاهد في قاعة مظلمة فيلمًا يعكس واقعًا وعالمًا وهميًا يبدو مثاليًا ولا تعرف شيئًا عن كيف تمّ بناء ذلك العالم (هذا يذكرنا بأفلام هارون عن السلع الثقافية التي تفك شفرة عمليات بناء فيتشية تلك السلع) فيجد نفسه أسيرًا لذلك العالم، وتحت سطوته إذا تمّ استجوابه من النص السينمائى. ويجعل المشاهد يتماهي مع الفيلم الذي يقدم له اللذة عبر تصنيفات وأنواع الأفلام المختلفة (حتى أفلام الرعب والإثارة والأفلام التي تجعله يشعر بالتعاطف مع غيره) مقابل المال وهذا ما يشكل سطوة وهالة الفيلم الذي تنتجه وتتحكم في صناعته الطبقات المهيمنة. كذلك بدأت نظريات تحليل الفيلم وخطابه في العمل، التحليل النفسي والنظرية النسوية واللغة والسيميولوجيا (الرموز و العلامات).

هكذا يأتي بريخت إلى السينما عن طريق أفلام ستروب-هوييه، وهيلكة زاندر، وهارون فاروقي، وجودار وغيرهم، وبمساعدة توضيحات فالتر بنيامين له بمقالات «ما هو المسرح الملحمى؟»، و«المؤلف بوصفه منتجًا» تحديدًا، ويكون الطموح إنهاء أسطورة الفنان العبقري والعمل المبدع ليكون الفنان أو الصانع جزءًا يتساوى مع بقية أجزاء العملية الإنتاجية للفن والسينما لكي يتمّ إشراك الجمهور بشكل فعّال في تلك العملية عبر إنهاء تقسيم العمل بين صناع الفيلم والناقد والمشاهدين (الجمهور). كما يبدأ الإهتمام بالمقال الفيلمي والفيلم التسجيلي وسينما الحقيقة والسينما المباشرة وهي الأشكال التي اعتمد عليها هارون كثيرًا بعد ذلك بعد أن فشل في إدارة الممثلين في الأفلام الروائية إلى أن وصل إلى تجهيزات الفيديو وعالم الفن إلى جانب الأفلام وكتابة النصوص وبعد التحولات المجتمعية والاقتصادية داخل النظام الرأسمالي في عالم ما بعد الصناعة.

عمليًا، لم ينجح ذلك الطموح النظري بشكل كبير إلا مع ستروب ـ هوييه، لكنه في بعض الأحيان وصل إلى المدرسية، الفيلم كقاعة درس (حيث الطباشير والسبورة ومكتب المدرس ومقاعد التلاميذ)، ورغم محاولات جودار مثلًا في فيلم «الصينية»، وأفلام مجموعة «دزيجا فرتوف» كسر الوضعية السلطوية لحالة المدرسة عن طريق تدوير مَن يقوم بدور المدرس، أو أن يقوم هارون فاروقي نفسه بدور المدرس في مشهد، والتلميذ فى مشهد في فيلميه اللذين قام بإخراجهما مع هرتموت بتومسكي لتحقيق طموح «جعل الفيلم علميًا وجعل العلم سياسيًا» عن طريق تقديم المفاهيم الأساسية لكتاب «رأس المال» لكارل ماركس مثل نظرية فائض القيمة في فيلمين تعليميين في العام 1970و1971، وفشلا فشلًا ذريعًا كما يقول هارون.

طرح جودار فكرة «أن المشكلة ليست في عمل أفلام سياسية ولكن هي في جعل الأفلام سياسية»، وبشكل ما يعتبر قول هارون فاروقي «إنه يعمل أفلامًا ضد السينما وضد التليفزيون» هو فهمه وتصوره عن طرح جودار، لأن أفلام هارون هي نقد للسينما التقليدية السائدة المهيمنة والصور التي يقدمها التليفزيون، بما يعني أن أفلام هارون فاروقي هي ميتا سينما أو «ما وراء السينما».

تعبير آخر عن «النقد الجوهري»: الصورة مقابل البصري

«الفرق الذي حددته بين الصورة والبصري فرق عملي. ببساطة لقد وجدت أنه من العملي أن أستخدم كلمتين مختلفتين. هناك أيضًا حقيقة أن كلمة «بصري» تتكرر كثيرًا في مفردات الصحافة وعلى ألسنة «المديرين الفنيين». البصري هو القراءة والنظر في نفس الوقت: إنه رؤية ما يفترض أن تقرأه. أنت تعرف كيف تقرأ الصحيفة حين تستطيع أن تفكّ شفرة ما هو بصري في الجريدة حتى وإن كانت جريدة بلا صور مثلًا لو موند. ربما نكون متجهين نحو مجتمعات تتحسن في القراءة (فكّ رموز أو فكّ الشفرة عبر الأفعال الإنعكاسية للقراءة)، ولكن تتراجع في قدرتها على الرؤية. لذا فأنا أطلق لفظ «صورة» على ما لا يزال صامدًا في مواجهة تجربة الإبصار وما هو «بصري». البصري هو التأكيد الضوئي لعملية قوة ( تقنية، سياسية، دعائية أو عسكرية). عملية لا تستدعي أي تعليق غير «تمّ التلقي بشكل ممتاز». من البديهي أن البصري مرتبط بالعصب البصري، ولكن ذلك لا يجعل منه صورة.

بالنسبة لي فإن الغيرية هي الشرط اللازم للصورة. كل ثقافة تفعل شيئًا ما بهذه الخانة الفارغة، الخانة «التي يوجد فيها آخر ما» (في إعادة صياغة لما قاله لاكان). بلا شك أننا نذهب إلى الحرب كي لا يملأ هذه الخانة في أي لحظة  سوى ساكن واحد فقط: العدو».

من مقال «قبل وبعد الصورة« لسيرج دانيه – 1991 – ترجمة نرمين نزار ومراجعة عن الفرنسية سلمى الطرزي.

هذا الاقتباس من سيرج دانيه عن الفرق بين البصري والصورة، تلك الفكرة اللامعة التي أكمل صياغتها بعد حرب الخليج عام 1990، يجعلنى أفكر أن مشروع هارون فاروقي في الصورة سواء كانت أفلامًا، أو تجهيزات فيديو إلى جانب نصوصه هو محاولة استخراج «الصورة» التي تصوّر وتطرح غيرية ما، وتخبر عن آخر ما من «البصري» التقني/الدعائي/المهيمن/الكليشيهي/السلعي.

فالبصري غالبًا ما يكون ساكنًا، ثابتًا وحتى لو كان فيلمًا تتحرك وتتتابع فيه الصور، لكنها تتحرك فى تتابع متوقع ونمطي وتقليدي وكلشيهي، أو يطرح جماليات قديمة بالية مستهلكة عفا عليها الزمن، أو جماليات سلطوية مهيمنة مثل الكثير من أفلام تاريخ صناعة السينما في مصر والعالم،  أو أعمال فنية في تاريخ الفن، ربما كانت طليعية في زمن وسياق لتصبح نمطية ومهيمنة في زمن وسياق آخر. على سبيل المثال، بعض النقاد السينمائيين المصريين صنّعوا أفلامًا تسجيلية مثل سامي السلاموني (1936- 1991) الذي صنّع عدة أفلام منها (الصباح 1982 إنتاج المركز القومي للسينما) و(اللحظة 1991 إنتاج التليفزيون المصري) وكلاهما يعتبران نموذجًا لفكرة «البصري».

الفيلمان يعالجان لحظات في المدينة، حيث أن السينما فن مديني بالأساس، والمدينة موضوع ومكان أساسي في تاريخ السينما، ولحظات اليوم داخل المدينة منذ الاستيقاظ حتى النوم والأحلام تعد مرجعية سينمائية (رجل بكاميرة سينما، دزيجا فرتوف). في (الصباح) تلتقط الكاميرا لحظة استيقاظ المدينة (القاهرة)، ساعات الصباح الأولى كلحظة عمومية منذ الاستيقاظ حتى الخروج إلى الشوارع والذهاب إلى العمل، سُعال الصباح، وفتح الحنفيات على شريط صوت إذاعة الشرق الأوسط. تلك اللحظة أصبحت أيقونية بعد ذلك في أفلام الواقعية الجديدة في الثمانينيات والتسعينيات، لكن هذه الأفلام تعاملت معها بشكل أكثر إبداعًا، وخصوصية ومغايرة، تحديدًا في أفلام محمد خان (خرج ولم يعد)، وخيري بشارة (قشر البندق). في (اللحظة) في رمضان، الجموع تخرج من العمل (في تقديرى أفضل لقطات الفيلم)، تنهي طلبات سريعًا قبل أذان المغرب؛ لحظة الأذان ووجبة الإفطار وخلو الشوارع من الناس (لحظة الفيلم)، ثم العودة مرة أخرى من أجل الأمسيات الرمضانية.

فى رأيي، أن تصوير تلك اللحظات برؤية فنية مختلفة كان بالفعل طليعيًا في عشرينيات القرن الماضي. لكن محاولة تصويره، حتى ولو بالطريقة نفسها في مصر في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين يجعله تقليديًا وكلشيهيًا إلى حد بعيد.

من فيلم خرج ولم يعد لمحمد خان

 

«البصري» يبدو كصورة ثابتة شديدة القبح، لكنها تبدو شديدة الجمال، ولا نعرف أنها شديدة القبح، إلا عندما يأتي فنان نقدي يضغط زر  rewind  الترجيع ليعود تتابع الصور إلى «سياقه» ونستطيع أن نعرف ماذا حدث؟ لنرى «الصورة» وتتضح الغيرية.

«البصري» كأنه غالبًا ما يكون صورة/لوحة 2D ذات بعدين طول وعرض مسطحة، والفنان النقدي يريد أن يصبح لها بعدًا ثالثًا: سمك/ارتفاع/عمق لتتضح الصورة كمجسم 3D.

وهذا بالضبط ما طرحه جودار –  الذي كان يعتبره سيرج دانيه بمثابة الأستاذ والمعلم – في حوار مع كراسات السينما عام 1967 – كتاب جودار يكتب عن جودار 2 – ترجمة عبدالله عويشق بتصرف

« … أردت العبور لداخل الصورة طالما أن معظم الأفلام معمولة من خارج الصورة. ثم، الصورة في ذاتها ما هي؟ إنها انعكاس. انعكاس على صفحة زجاج، فهل لذلك سمك؟ الحال في السينما هي أن العادة فيها قائمة على البقاء في الخارج إزاء هذا الانعكاس. ما كنت أقصده، هو أن أرى الوجه الخلفي للصورة، أن أرى الصورة».

يعد منهج استخراج وتحويل «البصري» إلى «صورة» في أعمال هارون فاروقي ليس تعبيرًا عن «النقد الجوهري» فقط، ولكن عن (النظام المتكامل) الذي يبدو أن هارون لم يعتمده فقط كطريقة إنتاج، ولكن كمنهح جمالي وفني أيضًا.

إذن البصري أو التمثيل المهيمن، أو السلع الثقافية والمنتجات الثانوية للإنتاج السلعي الثقافي، وغيرها فى إطار الاقتصاد الصناعي وما بعده مثل صورة، أو لوحة تعكس الجماليات المهيمنة للحداثة والتنوير والاستعمار الأوروبي/ صور تقنية وعسكرية/ صور تعكس مؤسسات ضبط ومراقبة أو أنظمة تحكم وسيطرة على كل تصرفات وسلوكيات حياتنا/ صور ومشاهد وتعبيرات أيقونية في تاريخ السينما وعن طريق عمل هارون فاروقي من خلال التحليل والنقد والمراجعة الذاتية مثل أفلام «بين حربين» والفيلم عن فيتنام «شيئًا صار مرئيًا»، والمونتاج الجدلي الفكري في غالبية الأفلام، والبحث وكتابة نصوص كتعليق صوتي يتوازى مع الصور والمقاطع المصورة مثل «كما/كيف ترى» و«صور من العالم ونقش الحرب» و«فيديوجرامات الثورة» وصور لعب تبادل الأدوار مثل «كيف تعيش في ألمانيا الغربية؟» و«مقابلات شخصية» والبحث والدراسة البصرية الأرشيفية مثل «العمال يغادرون المصنع» و«تعبيرات الأيادي» والصبر والتأني والملاحظة الدقيقة دون تعليق صوتي في أفلام السينما المباشرة مثل «صورة» و«لا شيء للمخاطرة» و«منتج جديد» ومن خلال «المونتاج السلس» حيث تتجاور وتتوازى صورتان على شاشتين، تعلق إحداهما على الأخرى دون تعليق صوتى أيضا، فقط تعليقات بسيطة مكتوبة مثل غالبية تجهيزات الفيديو نذكر منها (العين/الألة) ومن خلال الفحص والتحري الجنائي عندما تبدو بعض الصور واللوحات كتمثيلات ومسارح جرائم مثلما في تجهيز الفيديو «الفضة والصليب».

هكذا أتصوّر كيف تبنى أفلام وتجهيزات الفيديو عند هارون فاروقي كصور متحركة وأعمال فنية تستخرج «الصورة» من «البصري» لتتضح الغيرية ويتكشف آخر ما.

من فيلم العمال يغادرون المصنع لهارون فاروقي

فيديوجرامات الثورة

 

«يوضح ذلك الفيلم كيف يتوقف التلفزيون عن تسجيل الواقع ويبدأ في خلقه وإنشائه بدلاً من ذلك. «فيديوجرامات الثورة» يسأل: لماذا لم يهاجم المتمردون القصر الرئاسي ، ولكن محطة التلفزيون؟ في اللحظة نفسها التي انتهت فيها الثورة الاجتماعية في عام 1917 بشكل لا رجعة فيه ، حدثت ثورة تكنولوجية جديدة ومتناقضة على حد سواء.

 الناس يسألون عن الخبز و ينتهون ومعهم كاميرات الفيديو، استوديوهات التلفزيون تستضيف الثوار، الواقع هو من صنع التمثيل  – فاروقي ، فلوسر وآخرون كانوا من أول من تحدث عن هذا التغيير كما حدث. عندما تصبح الأشياء مرئية، تصبح أيضا واقعية، حيث يقفز المحتجون عبر شاشات التلفزيون وينتشرون في الشوارع، ذلك لأن سطح الشاشة مكسور: لا يمكن احتواء واستيعاب وتضمين المحتوى عندما يهرب الاحتجاج والحيوانات النادرة وحبوب الإفطار وساعات وقت الذروة وبرامج الاختبارات النمطية ورتابة التمثيلات ثنائية الأبعاد. في عام 1989، يقتحم المحتجون محطات التلفزيون، وفي عام 1989، اخترع تيم بيرنرز لي «الإنترنت شبكة المعلومات الدولية»، بعد ذلك بخمسة وعشرين عامًا، تأتى قلة حاكمة تسأل: إذا لم يكن الناس لديهم الخبز، فلماذا لا يأكلون برامج  التصفح بدلاً من ذلك؟»

هيتو شتيرل – من نص (بدايات) – مجلة ُe-flux– العدد 59 – ترجمة الكاتب

بالمشاركة مع أندريه أوجيكا، قام هارون فاروقي بصنع فيلم عام 1992 عن الثورة الرومانية عام 1989 في بناء سردي يعتمد على مونتاج وتحرير لأكثر من 125 ساعة من المواد المصورة من قبل هواة وقنوات بث تليفزيوني.

مشهد من فيلم فيديوجرامات الثورة، حيث نرى شاوشيسكو على شاشة التليفزيون الرسمي الروماني يخطب من شرفة اللجنة المركزية

نرى شاوشيسكو على شاشة التليفزيون الرسمي الروماني يخطب من شرفة اللجنة المركزية، ثم يبدو الانزعاج على ملامح وجهه. في الفيلم، نرى شاشة التليفزيون الرسمي في مربع على الركن أسفل شاشة الفيلم يسارًا، وقد تحركت الكاميرا إلى السماء بينما على شاشة الفيلم نسمع صوت هتافات دخول الجموع أمام شاوشيسكو، تلك هي لحظة الثورة مباشر على الهواء، (صورة) خالصة، سينما خالصة.

يعتبر الفيلم تداعيات لاستخراج «الصورة» من «بصري» الصورة المسطحة الثابتة للتليفزيون الرسمي التي تشير للسماء، والتي تستحضر للأذهان صور التليفزيون المصري أثناء ثورة يناير قبل تنحي مبارك وفي أحداث الثورة الكبرى، بعد ذلك حينما كانت تتوجه كاميرا (ماسبيرو) إلى منظر ثابت على النيل لتفضحها صور الفضائيات وصور كاميرات الموبايل على يوتيوب وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

كالعادة، يكتب هارون – تأثرًا بجودار أيضًا – نصوصًا بالتوازي مع كثير من الأفلام والأعمال التي يصنعها لطرح سياق إنتاجها ومناقشة أسئلتها. هكذا، كتب نصًا بعنوان دون المستوى المطلوب عن ذلك الفيلم.

يقول هارون إنه من اليوم التالي لتلك اللحظة، كان الثوار قد احتلوا التلفزيون، وكان تمثيل الثورة ينقسم بين ستوديو 4، وبين الذين هم في شرفة اللجنة المركزية.

كما يوضح أنه اعتمد على كثير من صور الهواة في ذلك الفيلم الذين مَن جانبهم رحبوا بأن يستخدم الصور التي صنعوها كنوع من الدعاية لهم كمصورين ليعملوا في محطات التليفزيون الجديد، تليفزيون الثورة، ليصبح الفيلم محاولة من وراء الكاميرا في التصوير، ومن هم أمام الكاميرا في الثورة والسياسة ليتجاوزوا كونهم هواة.

يعيب هارون استخدام كاميرا فيديو هاوية لتصوير محاكمة شاوشيسكو، كما يعيب استخدامها في الفيلم لأن فيها خداعًا وغشًا للمشاهدين؛ لأن الصورة مهزوزة وتبدو كأنها لرحلة سياحية ولا تبدو حقيقية، وأن المحاكمات تحتاج كاميرات محترفة – على الأقل كاميرتين – لتوثيق وجهات النظر المختلفة.

في تقديري، بعد تجارب مشاهدة محاكمات معاصرة مثل محاكمات مبارك ورجاله ومحاكمة صدام – التي جميعها كان يتمّ تصويرها بكاميرات عالية الجودة ومحترفة، لكن ذلك لم يمنعها أن تبدو كتمثيليات رديئة، فثبات الصورة واحترافيتها ليست معيارًا، لأن الصور المبالغ في جودتها وثباتها واحترافيتها ونقائها وفلترتها (غالبية صور انستجرام على سبيل المثال وكثير من الأفلام والمسلسلات التي هي إما على معيار السوق أو معيار المهرجانات الأوروبية)، باتت تعني أنها لواقع مصطنع، ومتخيل، وممثل، وممسرح كذلك. واقع زائف يريد أن يخفي معلومات وحقائق؛ مثلًا ذلك الحرص المبالغ فيه من شرائح الطبقة المتوسطة، أو مَن تكتنفهم مشاعر بالغة من الاكتئاب، والفشل، والهزيمة على عصا السيلفي، وذلك للتأكد من ثبات الصورة لإنتاج صور جماعية أو فردية ثابتة لضحكات وابتسامات، مع فلاتر توحي بإلحاح بسعادة زائفة ليست موجودة.  بينما الصور غير المحترفة، الهاوية، المتذبذبة، هي التي تسعى لتسجيل لحظات تنضح بالحقيقة والحياة والغيرية التي تتطلع إلى آخر ما. كما يوضح هارون نفسه في مقاله حول الفيلم الوثائقي.

من فيلم فيديوجرامات الثورة، لهارون فاروقي

صور الهواة أو الصور الرديئة أو التي هي دون المستوى المطلوب، أو الصور قليلة الجودة تمّ الإحتفاء بها كثيرًا أثناء وبعد الثورات العربية. حيث كتب وأدى ربيع مروة الممثل والمخرج المسرحي والفنان اللبناني المعاصر الذي اشتهر بمحاضراته الأدائية التي يسميها محاضرة غير أكاديمية، ومن ضمنها نص ومحاضرة الثورة المبكسلة  المنشور في مجلة «كلمن» العدد 4 ويقصد بها الثورة السورية، وهنا يحتفي بالصور الرديئة قليلة الجودة «البروليتاريا الرثة في المجتمع الطبقي للصور» على حد تعبير هيتو شتيرل، صانعة الأفلام والفنانة والكاتبة والمحاضرة التي عملت مع ربيع مؤخرًا، وكانت قد كتبت نصها الشهير عام 2009: «دفاعًا عن الصور الفقيرة»، الذي تُرجم أخيرًا إلى العربية من خلال «تعاونية مدام». لا يصل احتفاء ربيع بتلك الصور فقط إلى حدود دورها في الثورة من خلال تقديم صور للمسيرات والمظاهرات وصور تفضح بشاعة النظام لتبثها وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات لمجابهة ومعارضة الصور الرسمية للنظام في معركة على التمثيل كما ذكرت هيتو، لكنه يعتبر أن تلك الصور هي الثورة.

صورة من محاضرة الثورة المبكسلة لربيع مروة

هذا يجعلنا نفكر في أن المبالغة في الإعجاب وتقديس وإضفاء الهالة على كل شيئ يبدو مختلفًا ولو قليلًا حتى على الأشياء التي أساس صنعها هي أن تكون ضد الهالة يؤدي إلى أن أي منتج أو صورة أو عمل فني يطرح نفسه كتجريبي أو طليعي أو خياله جديد في إطار اقتصاد رأسمالي سلعي إلى أقصى حد يمكن أن يصبح سائدا مهيمنا في سرعة فائقة. لأن تلك الصور ما هي إلا نتيجة للتوسع الكبير بعد بداية الألفينات لسوق تكنولوجيات الاتصالات وتطوراتها التي تشمل أجهزة الموبايل والكاميرات بأحجامها المختلفة والأجهزة اللوحية. ذلك السوق الذي اخترق حتى الديكتاتوريات والأنظمة السلطوية الصارمة، وطرح أنواع مختلفة من الأجهزة بدرجات مختلفة تناسب الطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة حتى يصل ابتذال الاختلاف إلى مستواه الأعلى، لنصبح صورًا متعددة بلا أصل لشخص واحد معه موبايل؛ «المحمول في يد الجميع». وبسرعة يصبح الموبايل مزوّدًا بكاميرا، ويتمّ تجاوز أطروحة فالتر بنيامين بالكامل، وننتقل من طموح «المؤلف كمنتج» إلى «واقع» (المشاهد كمؤلف ومنتج)، لينتهي تقسيم العمل بين المُشاهِد والفنان ويصبح المُشاهِد متورطًا، ومشاركًا، وفنانًا ينتج أعمالًا تعرض في سياقات فنية على أنها منتجات وأعمال فنية، أو أجزاء من أعمال فنية يناقشها الخبراء والمتخصصون والفنانون والكُتّاب والصحفيون والمنظّرون ومنسقو المعارض.

على سبيل المثال، المادة المصورة لعصام علي علام العامل في مصنع النشا والجلوكوز، والتي تتجاوز السبع ساعات يسجل فيها على مدار أربعة شهور الهدم غير القانوني، وفكّ معدات المصنع، عُرضت على جهاز لوحي صغير كأحد أعمال معرض الفنانة ياسمينا متولى «نحن لسنا قلقين على الإطلاق» الذي كان ضمن فعاليات المنتدى الموسع لمهرجان برلين هذا العام.

نجد عصام خجولًا جدًا أمام الكاميرا، لذلك قرر أن يسجل بنفسه عمليات هدم وفكّ المصنع ليتقدم بها إلى المحكمة كدليل مادي.

على مدار سبع ساعات، يصور عصام هذه المشاهد، لتعكس حالة انهيار عامة، ويرافقها بتعليق صوتي في الخلفية يشرح تلك العمليات. كما يقدم ذاكرة للمصنع الذي كان يعمل فيه مع زملائه العمال عبر لغة عربية فصحى ركيكة كأنه يحاول ضبط لسانه وفقًا لنمط لغوي يحاكي لغة المحكمة، أو اللغة التي قد تستمع لها المحكمة؛ لغة محامٍ، لغة صحفي، لغة مذيع تليفزيون. يظل يحاول الوصول إلى تلك اللغة، لكنه لا يستطيع. نجد العمل المكوّن من صوت وصورة، لنرى الصور الرديئة قليلة الجودة كتمثيل لحالة هدم وانهيار المصنع. بينما الصوت يعيد إنتاج صوت السلطة المهيمن. فالصورة تحاكي انهيار المصنع، وفشل الدولة والسلطة، والصوت يحاكي السلطة ويعيد إنتاج نمطها اللغوى المهيمن ليصنع هذا التوازي عملًا متكاملًا ينتج معنى قويًا.

على جانب آخر، يمكن أن نجد العديد والعديد من الصورة الرديئة المسلعة التي تتماهى، وتعيد إنتاج التمثيلات المهيمنة في الصناعة الثقافية وصناعات التسلية والترفيه من أفلام ومسلسلات وبرامج وأفلام بورنو، وطريقة أداء وكلام ممثل نجم، أو ممثلة نجمة، أو إلقاء شعر، أو طريقة غناء. كما يمكن أن نجد الكثير من الصور التي تطرح خيالًا جديدًا ومعاني مغايرة. المسألة ليست مدح أو ذم الصور الرديئة، أو صور الموبايل الذي يمكن أن يصوّر فيلمًا بجودة عالية الآن، ولكن السؤال والنقاش عن إمكانية/ محاولة طرح معنى مغاير وخيال جديد ضمن سياق إنتاج محدد.

في عام 2011 أيضًا، قدمت الفنانة مها مأمون عمل فيديو «زائر الليل، يوم أن تحصى السنين»، وهو عمل تجميعي لفيديوهات من على اليوتيوب لاقتحام مبنى أمن الدولة في القاهرة، ودمنهور، ويشمل صورًا رديئة قليلة الجودة للحظة الاقتحام وتفحص المقرات من الداخل.

مشهد من فيلم زائر الليل، للفنانة مها مأمون

يلفت النظر هنا المفارقات في العنوان: في الشق الأول، حيث يقتحم الثوار أمن الدولة ليلًا ويصبحون «زوار الليل»، بينما الأمن كان يقتحم بيوت الناشطين السياسيين في الفجر، وكأن «يوم أن تحصى السنين» حين يقتحم زائر الليل مقر أمن الدولة (قلب الدولة البوليسية الصلب) ليستعيد «الناس/الشعب» أسرار وكنوز الأجداد التى أعطاها ونيس بطل فيلم «المومياء» إلى ممثل الدولة في آخر الفيلم.

لعب تبادل الأدوارRoleplaying

في عام 2007، تخرجتُ من كلية العلوم جامعة الإسكندرية – شعبة عامة (كيمياء وكيمياء حيوية)، ودخلتُ سوق العمل أبحث عن وظيفة ككيميائي في معامل التحاليل الطبية أو في معامل شركات الصناعات الكيميائية أو البتروكيماويات، و بينما أنا جالس مع صديق على مقهى في شارع رمسيس في القاهرة، سمع كلامنا عن «الشغل» جار يجلس بجوارنا على القهوة وقرر أن يدلي بدلوه، و طلب منا الآتى: « تروحوا ومن أي كوفى نت، تبعتوا سي فيهات.. سي فيهات» وقد كان، بالفعل أرسلنا «سي فيهاتنا» إلى الشركات، ولم نتلق أي رد. ثم اقترح عليّ أخي أن أعمل مع صديق له افتتح شركة جديدة لتسويق الأدوية مقرها في الإسماعيلية ويبحث عن مندوبين للدعاية medical representative  أو اختصارًا بالحروف العربية «ميديكال ريب». وذهبتُ إلى الإسماعيلية لتلقي التدريب على عملية الدعاية. يقوم على التدريب صديق أخي، بعد أن أصبح سلفيًا يحف الشارب ويعفي اللحية، كما أنه هو صاحب ومدير الشركة الذي يؤمن بأحدث أشكال «ورش العمل» التدريبية لطرق الدعاية في أوروبا، وأمريكا من أجل الوصول لأعلى مبيعات.

يبدأ التدريب بـ «السلام عليكم يا دكاترة، أولا إحنا مش دكاترة، إحنا بياعين.. » ثم يبدأ بالشرح تفصيلًا ما الذي يجب أن يرتديه المندوب؟ كيف يتحدث مع الطبيب؟ ما هي الخلفية العلمية البسيطة للدواء؟ وكيف تُقال؟ ثم نصل إلى أهم مناطق التدريب؛ وهي الـRole Play  تلك الطريقة التدريبية التعليمية القائمة على مشاركة الجميع، والتي كانت أول مرة أسمع أو أعرف عنها. فيقوم المدرب أو زميل لك بعد ذلك ليتأكد المدرب أن الجميع تعلم المهارات المختلفة للدعاية والبيع بتمثيل دور العميل/ الطبيب الذي تذهب لتبيع له الدواء ليحاول تقمص وتمثيل شخصيات وسلوكيات واحتمالات الأداء والأسئلة التي قد يطرحها الطبيب/العميل.

بدأتُ العمل، وفي إحدى المرات، ذهبتُ إلى عيادة طبيب ودخلتُ غرفته ووجدت أنه سلفي المظهر والسمت بلحية طويلة ولم أهتم. شرحت مميزات الدواء ومواصفاته في أقل من 3 دقائق حتى لا يمل الطبيب ولا تأخذ من وقته كثيرًا؛ لأن كثيرًا من الأموال بانتظاره في الغرفة المجاورة. بعد أن انتهيت، سألني الطبيب: «سمّع سورة التكوير» فأسقط في يدي وأجبت بدهشة «إيه؟!!» فقال مرة أخرى «حافظ سورة التكوير؟؟ باقولك سمّع سورة التكوير!» فتحت باب الغرفة وخرجتُ، وبعد عدة أيام.. تركتُ العمل.

يمكن أن نقول إن ثمانينيات القرن العشرين في أوروبا وأمريكا تحديدًا هي التي شهدت بدايات الاقتصاديات «ما بعد الفوردية»، وأشكال مجتمع السيطرة، وسيطرة صور الإعلام على عملنا وحياتنا، كنتيجة لهيمنة الدعاية والإعلان وأقسام التسويق في الشركات الضخمة عليه، و تولّدت عن ذلك صور تسوّق نفسها على أنها الصور المثالية والنموذجية لكل فعل وتصرف وسلوك إنساني في العمل والحياة. ويجب على كل فرد تمثل ومحاكاة تلك الصور المثالية حتى يتمّ قبوله أو ترقيته داخل سوق العمل، أو ليصبح مواطنًا صالحًا أو لائقًا اجتماعيًا.

يحدث ذلك عن طريق ورش عمل تدريبية في مراكز تدريب، أو من خلال أقسام «الموارد البشرية» التي تمّ تطويرها مؤخرًا في الشركات، ليتمّ التدريب وإعادة التدريب والمشاركة الجماعية في ألعاب تبادل الأدوار التي يتعلم فيها المشارك كيفية تمثيل Acting، أو للدقة إعادة تمثيل، ومحاكاة صورة الأداء أو الطريقة أو السلوك الأفضل؛ مثلًا تبادل الأدوار بين البائع والمشتري، أو بين مندوب دعاية ومدير شركة، وبالعكس بين المدرب والمشاركين، وبين المشاركين وبعضهم البعض.

من فيلم مقابلات شخصية، لهارون فاروقي

مثلما في الأفلام التالية:- «تدريب» عام 1987، و«كيف تعيش في ألمانيا الغربية؟» عام 1990، و«إعادة تدريب» عام 1994، و«مقابلات شخصية» عام 1997، وجزء من لعبة تبادل الأدوار شرطي / سجين خطير في «اعتقدت أني كنت أرى مساجين» عام 2000، و«انغماس» عام 2009.

على سبيل المثال: في فيلم «كيف تعيش في ألمانيا الغربية؟» يقدم هارون توثيقًا لصور الحياة من المهد إلى اللحد في ألمانيا الغربية، وذلك عبر مشاهد تعيد تمثيل صورة الأداء المثالي عن كيفية توليد امرأة، وكيفية إرضاع طفل، وكيفية وضعه في سرير، وكيفية تنظيفه وغسله بالماء، وكيفية عبور الشارع للأطفال، ولـ «راقصة الإستربتيز» كيفية خلع قطع ملابسها، والبوليس يقبض على مجرم، والتعامل مع زوج سكير، ثم يقوم بمونتاج لهذه  المشاهد، وذلك مع مشاهد توثق لعمليات مراقبة الجودة لبعض السلع مثل التأكد من تحمل الغسالة عبر إلقائها من مكان عالٍ ولا تنكسر، أو التأكد من تحمل كرسي عبر الضغط عليه للاطمئنان أنه جاهز للاستخدام. مما يجعلنا نتأمل ونفكر في لعب تبادل الأدوار بمنطق مراقبة الجودة نفسه، لنتأكد أن أفراد المجتمع / مَن يتدربون على درجة عالية من محاكاة، وإعادة تمثيل الصورة النموذجية، وأنهم قادرون على التعامل مع كل الإحتمالات، وأنهم جاهزون للاستهلاك داخل سوق العمل.

فالآلات عندما أزاحت العامل وسيطرت على الصناعة، ثم جاءت بعدها أجهزة الكمبيوتر والأجهزة الأوتوماتيكية، قامت أيضًا بالسيطرة على العامل حتى أصبح متمثلاً لها، أصبح مبرمجًا مثل جهاز أو آلة ذكية تشاركية، مسلح ببرامج/صور نموذجية يحاكيها ليكون جاهزًا للرد والإجابة على كل احتمالات الأسئلة والأداءات.

يعلّق هارون على ذلك الفيلم ويقول: «أخيرا، وجدت بريخت! » بما يعني أن نظرية بريخت حول المسرح التعليمي (إحدى نظريات المسرح الملحمي) وأثر (التغريب)، التي فشل هو شخصيًا في تحقيقها في مسرحياته، التي كان يملّ فيها كثير من الجمهور ويجدونها تربوية ووعظية، تتحقق هنا للمفارقة مع ورش تدريب لعب تبادل الأدوار الذي يحدث هنا في سياقات رأسمالية بحتة، لكن هنا إعادة تمثيل بدون تقمص كامل أو تماهي بالإضافة إلى مشاركة جميع المتدربين/الجمهور. مما يجعلنا نقول أخيرا بريخت.. وداعًا بريخت.

من فيلم: كيف تعيش في ألمانيا الغربية، لهارون فاروقي

وثائقي (تسجيلي)  أم روائي؟

بعد عام 1985، توقف هارون عن صنع أفلام روائية، عن صنع الصور، وفضّل وقرر أن يلتقط صورًا وأن يجد صورًا. في تقديري، أن هذا القرار لا يمكننا فقط إرجاع أسبابه فقط لفشل محاولاته في إدارة الممثلين في الفيلم الروائي.

في عام 1981، أصدر جان بودريار (1929-2007) المفكر والمنظر الثقافي الفرنسي كتاب «الاصطناع والمصطنع»، الذي تُرجم إلى العربية عام 2008.

يطرح فيه بودريار فكرته التأسيسية عن سيطرة صور الإعلام وعالم المشهدية على تصوراتنا وأفكارنا وممارسات حياتنا المتنوعة حتى أدق التفاصيل، بما يمكن أن نحدده حاليًا بقنوات التليفزيون وشبكات التواصل الاجتماعي، التي تبث أفلامًا، ومسلسلات، وأخبارًا، وبرامج إخبارية، وأخرى حوارية، ومسابقات، وبرامج طبخ، وأخرى رياضية -كرة القدم تحديدًا، أو في مثل إعادة إنتاج صورة ثورة يناير كـ «ثورة شباب» أو «الثورة الضاحكة.. الثورات العربية كالربيع العربي»، أو مثل كتب وترجمات وورش التنمية البشرية و«تحقيق السعادة الأبدية» من ديل كارنيجي إلى إبراهيم الفقي ومَن تلاه،  أو برامج عمرو خالد وتلاميذه، أو الروايات المحافظة / الدينية على طريقة باولو كويلو، أو «كيف تتحدث الإنجليزية مثل الأمريكان في نصف ساعة؟!»، أو برامج التخسيس والريجيم وصالات الجيم التي تشكّل وتهندس الأجساد وفقًا لصور نجوم وأبطال «كمال الأجسام».

تصبح تلك الصور الزائفة التي ينتجها الإعلام والميديا وعالم المشهدية هي الحقيقة المسلم بها، نعيش ذلك في حياتنا اليومية في عبارات: بيقولك.. جابوها في الجرايد أو الأخبار أو التليفزيون.. الجو حر على yahoo weather  النهار ده.

ينتهى «الواقع» وتصبح تلك الصور هي الواقع أو «المصطنع» أو «ما فوق الواقع Hyper Reality» أو «الواقع الممثل» الذي يجب علينا «اصطناعه» أو «محاكاته» لنكون جزءًا متوافقًا مع ذلك العالم الذي نعيش فيه. لكي نعيد إنتاج صور عن صور عن صور بلا أصل، بشكل يجعل الميديا تأخذ تلك الصور وتعيد إنتاجها واختزالها مرة أخرى في دورة لا نهائية، على سبيل المثال مسلسل «الأسطورة» لمحمد رمضان، هل ينتج أم يعيد إنتاج صور شعبية؟ ربما الاثنين معًا.

توثيق نتائج التدريب ولعب تبادل الأدوار لإعادة تمثيل تلك الصور، أو توثيق إعادة تمثيل تلك الصور بما يعني توثيق المصطنع أو ما فوق الواقع، أو الواقع المصوّر الممثّل، أو نتائج محاكاته، يجعل من تلك الأفلام أفلامًا خيالية روائية. لأنك بالفعل تصوّر أفرادًا ومجموعات حرفيًا تمثّل وفقًا لسيناريو موضوع مكتوب أو شفهي وتتعلمه جيدًا وتتدرب عليه.

بعد الحرب الباردة وهيمنة أمريكا على العالم، وخلال التسعينيات ومن بعدها الألفينيات وسيطرة الرأسمالية في طورها النيوليبرالي على العالم، كذلك سيطرة الصور وإعادة تمثيلها «المصطنع أو ما فوق الواقع»، كتب وأصدر مارك فيشر (1968-2017) كتابه «الواقعية الرأسمالية: هل هناك بديل؟» عام 2009، الذي يقدم فيه طرح «الواقعية الرأسمالية» المماثل للواقعية الإشتراكية فى تسطيحها و تنميطها واختزالها لكن بشكل رأسمالي قائم على إيهام حرية الاختيار: الواقعية الاشتراكية؛ الطرح الجمالي في الأدب والسينما في الاتحاد السوفييتي وتوابعه إبان «الستالينية»، وتجلياته في الصناعات الثقافية، والذي يعتبر «تليفزيون الواقع» من ضمنها، كما يعد أكبر تمثيل لطرح الواقعية الرأسمالية. تناولت كثير من الأفلام موضوع تليفزيون الواقع، من أهمها فيلم «ترومان شو» عام 1998 إخراج بيتر ويير. كذلك، عرفت مصر والدول العربية تليفزيون الواقع من خلال «ستار أكاديمي» عام 2003، واستمر يُعرض في مواسم حتى عام 2011، عندما استعدنا بعضا من المعنى والحقيقة والواقع مع الثورات العربية.

مشهد من برنامج ستار أكاديمي الموسم الأولى

في هذا البرنامج، كان يتمّ اختيار مجموعة من الراغبين في النجومية؛ ذكور، وإناث من جنسيات عربية مختلفة ليعيشوا سويًا لمدة 15 أسبوعًا، يمارسون كل نشاطات حياتهم معًا، ويمثلون ويتنافسون طوال الوقت. لكن في الوقت نفسه يجب أن يبدوا أصدقاء متحابين؛ لأنهم مراقبون بكاميرات مراقبة في كل مكان، فيما عدا الحمامات.(في إحدى كليات جامعة الإسكندرية تمّ قريبا تركيب كاميرات مراقبة في الحمامات).

«ستار أكاديمي»، يبث على قناة تليفزيونية بثًا حيًا لمدة 24 ساعة ليتابعها المشاهدون، وبناءً على ما يرونه من دراما وأحداث وإثارة في القناة وفي الحفلات الأسبوعية يقومون بالتصويت عبر التليفون أو الرسائل القصيرة على شبكات التليفون المحمول، في عملية انتخاب طبيعي دارونية مثالية، أو للدقة انتخاب سلعي، لأن مَن يبقى للأسبوع المقبل هو مَن استطاع أن يصل إلى أصوات أكثر؛ بما يعني أنه استطاع أن يمدّ القناة والبرنامج بأموال أكثر، حتى نصل إلى نجم ستار أكاديمي في آخر حفلات الموسم. (كذلك يمكن أن نرى ذلك في برامج ذا فويس، وذا فويس كيدز، لكن بدون قناة 24 ساعة، فقط حلقات أسبوعية).

يطرح فيشر أنه من أساسيات الواقعية الرأسمالية (صورة العالم الذي نعيشه) تسويق وترويج فكرة أنه ليس هناك بديل سوى الرأسمالية. يمكنك أن تقول، وأن تفعل ما تشاء، وتنتقد الرأسمالية وسلطاتها، وكل ما تريد، لكن داخل إطار ونطاق الرأسمالية.

هكذا تتحقق طريقة عمل بريخت الثورية التعليمية في ورش عمل تدريبية رأسمالية، وهكذا يتمّ استدعاء طريقة عمل «مسرح المقهورين» لأوجستو بوال حيث يدعى الجمهور في أماكن و سياقات مختلفة للعب تبادل أدوار القاهرين و المقهورين فى قضايا متنوعة خارج زمنها وسياقها لتعتمد عليها مشروعات تنموية فنية ممولة من الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة ومؤسساتها تنفذها مؤسسات وجمعيات ذات خلفية يسارية منذ بداية الألفينيات في مصر ودول عربية لتعليم الناس قيم وأفكار ومبادئ، أو تعتمد كثير من الأفلام التجريبية في الآونة الأخيرة على مسرح المقهورين هي الأخرى لتعليم وطرح أفكار ومبادئ. أفترض أن تلك المشروعات والأفلام تنجح، وأن الناس جميعًا بالفعل يعرفون و يتعلمون. لكن هذا لا يعني أن هناك قدرًا من طريقة التفكير أو ممارسة الحياة يتغير؛ لأنهم فقط يتغيرون عبر التدريب داخل مجتمع السيطرة الرأسمالي للحصول على عمل أو وظيفة أو صورة أحسن لأنفسهم.

من فيلم: منتج جديد، لهارون فاروقي

 كذلك، لايحدث تغيير؛ أولًا لأن الرأسمالية أقسى وأعقد من ذلك، ثانيًا لأن طرق العمل في تلك المشروعات والأعمال الفنية ما هي إلا تكريس لمواقعها الطبقية وتقسيم عملها ليبقى الفنان فنانًا والجمهور جمهورًا والمدرب مدربًا والمتدرب متدربًا، حتى ولو كانت تلك اللقاءات وورش العمل والعروض في جلسات دائرية غير هيراركية حتى لا نبدو سلطويين. أينما تتوجه عين الكاميرا، فثمة تمثيل وفقًا لما يريد حامل الكاميرا/ مايك «لأنها أدوات سلطة نعيشها ونتنفسها طوال الوقت»، أو وفق إعادة تمثيل لصور نموذجية يعيشها ويستبطنها من هو أمام الكاميرا، لا فرق بين فن/سينما أو إعلام، وطموح التخلص من «التمثيل» وحالات الإعلام من أجل لحظات «صدق حقيقية» يحتاج إلى عملية طويلة قد تنجح وقد تفشل، أو يأتي الفن والسينما هنا لنقد ادعاء «الأصيل والأصالة» وتوثيق تلك الحالات التمثيلية وربطها عبر سحر المونتاج، لينتج أفلامًا. هذا إلى حد كبير ما يفعله هارون في أفلامه الوثائقية «التي يرى أنها تقليد سحري للواقع»، و كمؤرخ ثقافي للعمل تحديدًا منذ ثمانينيات القرن العشرين، حيث أنه إما يلتقط صورًا ويعلق عليها في مقالاته الفيلمية / الفيديو، أو يصنع أفلامًا هي «مفاهيم بصرية» تعيد قراءة أفلام أخرى حسب تعبيرات فيلمية مختلفة، مثل كلمات في قاموس أو أفلام سينما مباشرة توثق تدريبات ونتائج لعب تبادل أدوار، أو توثّق صور إعادة التمثيل في إطار العمل غير المادي بعد تلك التدريبات؛ مثل أفلام «لاشيء للمخاطرة» (عام 2004) الذي يوثق بانبهار المفاوضات المالية بين الشركات الناشئة، أو رواد الأعمال (الذين انتشروا في مصر كثيرا هذه الأيام)، وبين المستثمرين، أو «منتج جديد» 2013، الذي يوثق نقاشات فريق عمل شركة تصميمات معمارية وتصميات داخلية لبيئات العمل المعاصرة المصطنعة، التي تصمم للإيحاء للعاملين بالمساحة والفراغ والحرية، وتُلحق بها صالة ألعاب رياضية مثلًا حتى لا يشعروا بكثرة وضغط العمل.

 ***

  •  مقاطع مختارة من مقدمة  عن أعمال المخرج والفنان الألماني هارون فاروقي (1944_2014)، وهي جزء من في كتاب «بيرتا الحمراء تذهب للتنزه بدون حب» الذي صدر تزامنًا مع فعالية «هارون فاروقي وجدل الصور: عن الصور التي تكشف/ تحجب صورًا أخرى» التي تقام في القاهرة (3 مايو-13 مايو الجاري)،  وهي برنامج أفلام للمخرج يصحبه نقاشات حول أعماله يقدّم ما بين معهد جوته وسيماتيك (مركز الفيلم البديل)، من إعداد وتنظيم علي حسين العدوي، بين معهد جوته ومركز سيماتيك.
اعلان
 
 
علي حسين العدوي