Define your generation here. Generation What
بعد عدم اكتمال النصاب القانوني.. الإحباط والغضب يسيطر على «عمومية الأطباء»
 
 

بلافتات احتجاج على الحكم الصادر ضد الطبيب بمستشفى العاشر من رمضان العام محمد حسن، وقف اليوم، الجمعة، العشرات من الأطباء في مظاهرة صامتة أمام «دار الحكمة»، وأمامهم صف من المصورين الصحفيين، وبالقرب منهم نحو 5 ضباط شرطة، وعلى الرصيف المقابل اصطف نحو 15 فرد أمن بملابس مدنية. كان المشهد السابق هو ما انتهى إليه الاجتماع الموسع للأطباء مع مجلس نقابتهم، والذي حال عدم اكتمال النصاب القانوني له -1000 طبيب- دون انعقاده بشكل رسمي. فأعلن نقيب الأطباء حسين خيري أن الاجتماع سيكون تشاوريًا فقط دون القدرة على اتخاذ قرارات من سلطة الجمعية العمومية وحدها.

حضور نحو 500 طبيب فقط، حسب ما أعلنته الأمين العام المساعد للنقابة منى مينا، وضع النقابة في وضع حرج. فقد كان من المفترض أن يتخذ الاجتماع عدة قرارات بخصوص أزمة الطبيب محمد حسن، فيما قرر مجلس النقابة باجتماعه اتخاذ عدد من القرارات الداعمة للطبيب في أزمته.

وكانت محكمة العاشر من رمضان أصدرت حكمًا، يوم الأربعاء الماضي، ضد حسن بالحبس سنة، والعزل من وظيفته، مع إيقاف التنفيذ بكفالة خمسة آلاف جنيه، فيما تعود وقائع القضية إلى مارس الماضي، عندما انتقل أحد وكلاء النيابة لمستشفى العاشر من رمضان للتأمين الصحي لطلب بيانات خاصة بقضية تبحثها النيابة، وكان حسن هو الطبيب الموجود بقسم الطوارئ وقتها، ويتولى مهام النائب الإداري، وطلب منه وكيل النيابة الحضور معه لمقر النيابة، إلا أن حسن أخبر وكيل النيابة بأنه لا يستطيع ترك عمله قبل وجود طبيب بديل، فانصرف وكيل النيابة، وعندما حضر طبيب بديل للمستشفى، ذهب حسن إلى النيابة، ولكن وكيل النيابة رفض الاستماع لأقواله، وحرر ضده محضرًا اتهمه فيه بتعطيل عمله، وأمر بحبس الطبيب أربعة أيام ثم أخلي سبيله بكفالة 10 آلاف جنيه، وتحدد لمحاكمته جلسة عاجلة في 18 أبريل الماضي.

أعد مجلس النقابة اليوم استبيانًا لاستطلاع أراء الأطباء بخصوص الإجراء التصعيدي الذي يجب اتباعه. وضمت الاستمارة اقتراحًا بتقديم استقالات جماعية مسببة للأطباء من العمل الحكومي، ليتم تقديمها لوزارة الصحة بعد وصول عددها إلى 20 ألف استقالة، بالإضافة إلى إضراب بالعيادات الخاصة اعتبارًا من 1 يوليو يستمر لمدة أسبوع، وكذلك إضراب عام، لا يشمل حالات الطوارئ والأقسام الحرجة، بجميع المستشفيات العامة والمركزية والجامعية والتعليمية والخاضعة للتأمين الصحي والمؤسسة العلاجية اعتبارًا من 1 يوليو ولمدة أسبوع. غير أن الاستمارة لم يتم جمعها في نهاية الاجتماع، بسبب عدم جدواها بعد عدم اكتمال النصاب القانوني للجمعية العمومية.

«القضية أكبر من الأطباء»

اجتماع تشاوري للأطباء في نقابتهم

غياب الأطباء عن جميعتهم العمومية ألقى بظلاله على الاجتماع. عبر الطبيب بالشرقية سيد محمد، 33 سنة، عن إحساسه بـ«الصدمة» من عدم وجود حضور قوي هذه المرة، مشيرًا إلى أن «الحشد كان يصل في الجمعيات السابقة إلى درجة عدم وجود مكان كاف لكل الأطباء في القاعة الرئيسية والقاعات الملحقة بها».

يفسر محمد غياب الأطباء بوجود حالة عامة من «اليأس» بسبب عدم التزام السلطة التنفيذية بأي من القرارات التي تصدر لصالح الأطباء، موضحًا «صدر لصالحنا حكم من القضاء الإداري بزيادة بدل العدوى، ومع ذلك لم تلتزم به وزارة الصحة. الناس وصلت لمرحلة من اليأس من إمكانية حدوث أي شيء. الأطباء معذورين».

أحمد الشيمي، 31 سنة، طبيب آخر من دمنهور حضر إلى دار الحكمة، وقال لـ«مدى مصر» إن «الموضوع أكبر من نقابة الأطباء، أنا حضرت النهارده عشان ضميري يبقى مرتاح، لكني عمومًا مبقتش شايف حل».

يضيف الشيمي أن «الدولة تتعامل مع قضية الأطباء بمنطق الحفاظ على هيبتها، وبالتالي هي ضدنا، ليست ضدنا وحدنا بل هي ضد الجميع. أنتوا الصحفيين شايفين إيه اللي بيحصل معاكم أكثر مننا. وفي النهاية نقابة الأطباء، والنقابات المهنية عمومًا، سلطتها ضعيفة وغير قادرة على فرض إرادتها على مؤسسات الدولة».

أما سارة، الطبيبة بمحافظة الجيزة، فتحمل وزير الصحة مسؤولية ما وصفته بتدهور أوضاع الأطباء. فتنتقد بصوت مرتفع عدم تقديم الوزارة الدعم القانوني إلى طبيب العاشر من رمضان، قائلة «فين محامين الوزارة من التحقيق اللي حصل مع محمد حسن! اللي راح معاه هم محامين النقابة. الوزير متواطئ ومتعسف ضد الأطباء، وهو يعمل على حصار مجلس النقابة الحالي حتى يتم حله».

رغم رأيها السابق، تميل سارة إلى «المساعي الودية» لحل أزمة طبيب العاشر من رمضان، فهي ترى أن «التصعيد لا يصل إلى نتائج».

جاءت التعليقات السابقة كلها قبل بدء الاجتماع الموسع، الذي بدأه خيري بالتأكيد على «إجلاله لعمل الهيئات القضائية»، مشيرًا إلى الأحكام القضائية التي تصدر لصالح الأطباء، مؤكدًا أن «الخلافات تحدث لكن لابد لها ألا تتطور بهذه الطريقة».

وتابع خيري بسرد ما مجهود مجلس النقابة خلال الأسابيع الماضية لحل الأزمة، فأشار إلى أنه التقى النائب العام الذي وعد بحل الأزمة بطريقة ودية، كما التقى وزير الصحة الذي وعد بالتواصل مع وزير العدل. وأشار خيري إلى استقبال وزير الصحة، يوم 26 أبريل الماضي، طبيب العاشر من رمضان في مكتبه، كما التقى وزير الصحة وزير العدل في 29 أبريل دون أن تسفر المقابلة عن شيء، على حد قوله.

النقيب في مرمي الانتقادات

أثناء استعراض خيري لمجريات الأزمة، قاطعه عضو مجلس النقابة العامة راجح السيادي قائلًا إن نقيب الأطباء ووكيل النقابة أسامة عبد الحي ألتقيا وزير الصحة الليلة السابقة لاجتماع الجمعية العمومية، دون استشارة مجلس النقابة بشكل مسبق، وهو ما يرى أنه أضعف الجمعية العمومية وأعطى الأطباء إشارة أن المجلس يميل للمهادنة وليس التصعيد.

وهو ما رد عليه خيري قائلًا «لم يكن الاجتماع مرتب بشكل مسبق، وحدث بشكل مفاجئ. وكان لدي دائمًا نفس التحفظ على لقاء وزير الصحة، ولكنني ذهبت إلى الاجتماع. وربما أكون أخطأت وكل منا يتعلم من أخطائه. وبالتأكيد لم تكن لدي مصلحة شخصية في مقابلة الوزير». وهو ما ردت عليه القاعة بالتصفيق.

الغضب ضد خيري كان له أصداءه في القاعة، وهو ما دفع مني مينا إلى المقاطعة والحديث للقاعة قائلة: «أحيي الدكتور حسين على اعترافه بالخطأ، وأشكره على شجاعته الأدبية، حتى لو كان بعضنا يرى أن ذلك أثر سلبًا على الحشد للجمعية العمومية، إلا أن هذه فائدة العمل الجماعي أن نصحح أخطاء بعضنا».

وتابعت الأمين العام المساعد للنقابة قائلة: «الأطباء والعمل النقابي في مفترق طرق، ولهذا وجهنا الدعوة للجمعية العمومية. ويحز في نفسي ألا يكتمل النصاب، فالعمل النقابي يعتمد على التضامن بين الجمعية العمومية ومجلس النقابة. عملنا كل ما نستطيع فعله ولم ننجح، ولهذا طلبنا منكم الحضور اليوم لنستعين بكم لأنكم مصدر قوتنا».

وأضافت: «هناك انخفاض شديد في سقف الحريات. وحتى الأدوات النقابية التي يمكن استخدامها للدفاع عن حقوقنا هناك خوف من استخدامها لدى الكثير من الناس، رغم أن الدستور والقانون يحمي هذه الإجراءات».

رغم حديث منى مينا، إلا أن جانبًا من الحضور الذين طلبوا التحدث استمروا في توجيه غضبهم لمجلس النقابة. فطالب إبراهيم الزيات، نقيب أطباء الدقهلية، باستقالة وكيل النقابة أسامة عبد الحي لأنه المسؤول عن ترتيب اللقاء بين النقيب ووزير الصحة، بحسب قوله. واقترح إلغاء تعاقدات العلاج الخاصة مع أعضاء الهيئات القضائية والنيابة، والإضراب عن تقديم أي تقارير طبية للنيابة، والدعوة لانتخابات نقابية مبكرة.

استمر انتقاد أداء النقابة في التعامل مع الأزمة، فقال هشام محمد، طبيب من المحلة، في كلمته موجهًا حديثه للنقيب: «كل الجهات التي تحدثت معها ضدنا. ووضعنا قبل 4 سنين كان أفضل من دلوقتي. حضرتك راجل طيب ومحترم، وإحنا محتاجين حد يعرف (يبيع ويشتري) يقعد مع رئيس الجمهورية يوصل له الصورة بشكل صحيح، ساعتها كل الناس اللي ضدنا هيبقوا معانا». وهو ما ردت عليه منى مينا قائلة إن هناك مكاتبات وصلت لرئاسة الجمهورية بخصوص أزمات الأطباء، وهناك مطالبات بلقاء رئاسة الجمهورية وفد من النقابة لمناقشة كل هذه الملفات. وطالبت منى بأن يتمّ اقتراح حلول أخرى لم تجر بالفعل.

رغم الانتقادات التي وجهها بعض الأطباء إلى النقيب إلا أن اقتراح إياد، الطبيب من الشرقية، بتقديم المجلس استقالته والدعوة لانتخابات مبكرة لم تلق قبولًا من الحضور في القاعة. وجاءت كلمات لمتحدثين آخرين من الأطباء لتشيد بتعامل مجلس النقابة مع الأزمة، أو على الأقل ترفع عنه المسؤولية وتضعها على كتف الجمعية العمومية التي لم تحضر.

وقفة احتجاجية كحد أدنى للفعل

خلال الاجتماع، عبر عدد من كلمات المتحدثين عن الغضب من غياب الأطباء عن حضور الجمعية العمومية، مشيرين إلى أن ذلك منع اتخاذ أي إجراءات حقيقية للمساندة طبيب العاشر من رمضان، فقال أحدهم: «لا يمكن الدعوة لإضراب كلي أو جزئي بحضور 500 طبيب فقط». بينما قالت طبيبة في حوار جانبي مع طبيب آخر «إحنا جايين من الشرقية (المحافظة التي شهدت أزمة الطبيب محمد حسن) 24 واحد بس»، ليرد زميلها :«لأ عيب.. على الأقل كان لازم يحضر زملائه في الدفعة أو زملائه في المستشفى».

غياب الأطباء منع إمكانية اتخاذ قرار بأي من الإجراءات التصعيدية التي أعدها مجلس النقابة، إلا أن كلمات بعض المتحدثين من الأطباء شككت في جدوى دعاوى الإضراب، بغض النظر عن حضور الأطباء من عدمه. فقال نقيب أطباء الجيزة محمد نصر «الصوت العالي والإضرابات ما بتجيبش نتيجة». فيما قال أطباء آخرون في كلماتهم إن الإضراب الجزئي، الذي لا يشمل أقسام الطوارئ والحالات الحرجة، غير مؤثر، بينما الإضراب الكلي يمكنه وضع الأطباء تحت طائلة القانون، كما سيؤدي إلى إثارة الرأي العام ضدهم.

بينما عول الكثير من الأطباء ممَن شاركوا بكلمات في الاجتماع على لقاء رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وشرح موقف الأطباء لهما. وقالت طبيبة في كلمتها للحضور إن «الدكتور خيري هو الشخص المناسب للقيام بهذا الأمر، خاصة أن الكل يكن له احترامًا سواء كانت السلطة التنفيذية أو الأطباء».

في النهاية، طرحت الأمين العام المساعد للنقابة منى مينا الوقوف احتجاجًا أمام النقابة، عقب انتهاء الاجتماع، كحد أدني للفعل، قائلة: «على الأقل كي نستعيد قدرتنا على الفعل الجماعي، المجلس وحده غير قادر على التحرك. ونحتاجكم أن تكونوا وراءنا وداعمين لنا».

وبينما فشلت الجمعية العمومية للأطباء بسبب عدم اكتمال النصاب، فقد اجتمع مجلس النقابة اليوم الجمعة، وقرر تقديم الدعم القانوني والنقابي للدكتور محمد حسن واستئناف الحكم الصادر ضده والمطالبة ببراءته, مع تحمل النقابة لقيمة الكفالات والمصاريف القضائية، والتأكيد علي طلب التحقيق مع وكيل النيابة في الشكاوي السابق إرسالها لتفتيش النيابات، وتكليف الإدارة القانونية بالنقابة بإعداد مخاطبة للنائب العام بطلب إصدار نشره دورية بوضع نظام لاستدعاء الأطباء للنيابة أثناء تأدية عملهم, مع ضرورة مراعاة طبيعة عمل الأطباء لعدم تكرار المشكلة مستقبلا، وكذلك مخاطبة رئاسة الجمهورية للقاء وفد نقابي لشرح مشكلات الأطباء والمهنة والتعسف ضدهم في الفترة الأخيرة.

اعلان