Define your generation here. Generation What
«تونس – تجربة فريدة في زمان الربيع العربي؟»
قراءة في مشهد الانتخابات البلدية التونسية
 
 
 
غلاف كتاب «تونس – تجربة فريدة في زمان الربيع العربي» لصفوان المصري
 

«لا يمكن لنا أن نغفل أن هناك سيدة تم انتخابها لتكون عمدة لمدينة تونس، ولا يمكن لنا في الوقت نفسه أن ننكر أن هذه السيدة (سعاد عبدالرحيم) هي من أعضاء حزب النهضة، وأنها لا ترتدي غطاءً للشعر»، هكذا تحدث صفوان المصري، مؤلف كتاب «تونس – تجربة فريدة في زمان الربيع العربي» ونائب رئيس جامعة كولومبيا أثناء محاضرة له استضافتها الجامعة الامريكية بالقاهرة، الإثنين الماضي.
المصري، وهو الأردني المولد والأمريكي الإقامة، تحدث أثناء زيارة لعدة أيام للقاهرة، التي وصلها بينما كانت السلطات في تونس تجري عملية فرز الأصوات لأول انتخابات تشريعية تشهدها البلاد منذ إزاحة الحكم الديكتاتوري لزين العابدين بن علي في يناير 2011 إثر ثورة الياسمين، الأولى في ثورات الربيع العربي، والوحيدة التي تمكنت بحسب المصري من أن تسير في طريق يؤطر لديمقراطية محتملة «لأن بوادر الديمقراطية تتزايد ولكنها تبقى هشة، ولا تأكيد أنها غير قابلة للانتكاس»، بحسب ما قال الكاتب والأستاذ الجامعي في القاهرة.
وقد شهدت تونس في مطلع الشهر الجاري انتخابات حصد فيها «حزب النهضة» صاحب التوجه الإسلامي ما يزيد عن 27 بالمائة من الأصوات، بينما حصل منافسه ومشارِكه في العملية السياسية ومسارات الحكم، الحزب العلماني «نداء تونس»، الذي يرأسه الباجي قائد السبسي، على أكثر من 22 بالمائة من الأصوات، في حين ذهبت النسبة الأكبر، ما يزيد عن 32 بالمائة، للمرشحين المستقلين في الانتخابات التي لم تشهد إقبالًا يتجاوز الـ34 بالمائة بكثير من المواطنين المستحقين للتصويت – وسط مؤشرات واضحة على تراجع المشاركة في صفوف الشباب.
لكن المصري، الذي زار تونس عدة مرات العام الماضي عند إعداده لنشر كتابه وبعده، بما في ذلك في أوان الاستعداد للانتخابات التشريعية، رأى أنه رغم النقوصات التي تعاني منها الانتخابات التشريعية فإن التجربة إجمالًا هي خطوة إضافية في طريق تسيره تونس بإسلاميها وعلمانيها كتفًا بكتف، أحيانًا بتفاهم، وأحيانًا بتشاحن نحو بناء سياق ديمقراطي لبلد لم يحكمه سوى رجلين منذ استقلاله عن الاحتلال الفرنسي في خمسينيات القرن الماضي وهما الحبيب بورقيبة، مؤسس ما يمكن أن يطلق عليه علمانية تونس، وزين العابدين بن علي، الذي اضطر لمغادرة تونس بعد المظاهرات الحاشدة التي اجتاحت البلاد تطالبه بالتنحي.
الأصل في نجاح التجربة التونسية حسبما قال المصري وشرَح بتفصيل كبير، في كتابه هي تلك القدرة التي تمتعت بها كل القوى السياسية في البلاد للعمل معًا للوصول لتفاهمات، فبينما قرر حزب النهضة في وقت مبكر من التجربة التونسية إسقاط الصفة «الإسلامية» التقليدية عنه واصفًا نفسه بأنه حزب مشابه لأحزاب اليمين المسيحي في أوروبا، فإن حزب «نداء تونس» بدوره لم يكن يسعى لإقصاء النهضة وقبِل بالمشاركة. وكلاهما أدرك أن لا سبيل له لاحتكار الشعب التونسي، وكلاهما وجد في المجتمع المدني القوي والفعال من خلال نقابات شغل متأصلة الدور والقدرات حاضنة للتفاوض نحو الوصول إلى المشترك.
المصري أكد في كتابه، كما في محاضرته، الإثنين الماضي 7 مايو، في الجامعة الأمريكية، أن ما جمع التونسيين في كل الأحوال كان أساسًا مشتركًا من تعليم متميز أصر عليه بورقيبة بلا أدنى تردد أو تراجع، بل خصص له نسبة كبيرة من الموازنة العامة، وهو تعليم متطور لا يقع في دائرة التقليدي، ولا يترك نفسه منقادًا لأي سياقات دينية بعينها.
بحسب المصري، فإن طبيعة العلمانية التونسية التي لم تترك الدين بالكامل خلفها، وإنما سعت لضمان استمراره من خلال قراءات متطورة أسس لها الإمام المالكي في القرن الثامن الميلادي، وسعى لدعم مسارها جامع الزيتونة الذي لم يقع أبدًا أسيرًا لتفكير السلفية والذي أسهم في إطلاق أفكار دينية تدرك الواقع المجتمعي المتغير وتسعى لمواكبته؛ تعد أحد أهم الأسباب التي مكّنت تونس من إيجاد طريقها، حتى ولو كان غير ممهد بعد نحو الديمقراطية، وأن تستمر في السير على هذا الطريق، وذلك رغم كل التحديات دون أن تقع في دائرة العنف كما في حال ليبيا، أو في دائرة إسقاط أحلام الثورة ومساراتها كما في الحالة المصرية أو الوقوع فريسة لتشاحنات قوى إقليمية ودولية، كما في حالتي سوريا واليمن.
ويقول المصري في كتابه المعنون بالانجليزية (Tunisia – an Arab anomaly) والصادر في طبعته الأولى عن دار نشر (Columbia University Press) والجاري ترجمته للعربية هذه الأيام؛ إن هذه العوامل هي سبب الخصوصية التونسية، وهي ما يجعل التجربة التونسية غير قابلة للتكرار في أي بلد آخر من بلدان الربيع العربي. فتونس، حسبما يضيف، لم تنصهر في السياق العربي المتأدلج سياسيًا، ولم تنتمِ للسياق الإسلامي الحامل لرايات الدين عنوانًا وشعارًا، وهو ما يتضح في اختيارات وتفاهمات صياغة الدستور التونسي المقر في 2014، حيث أن الإسلام هو دين للدولة وليس دين الدولة كما في بلدان عربية أخرى. ويتضح أيضًا في مساحات التحرُّر من المتصوَّر اعتيادًا عن الشريعة الإسلامية، بدعم من جامع الزيتونة وشيوخه، فيما يخص قوانين الأحوال الشخصية المنظمة لوضعية المرأة «والتي كانت منذ الخمسينيات في القرن الماضي أكثر تقدمًا وتقدمية عما هو الحال بالنسبة لنساء غالبية البلدان العربية الأخرى»، إلى جانب الحقوق السياسية المقررة للمرأة والتي تشترط أن يكون نصف المرشحين في الانتخابات من النساء، «وهذه أيضًا من تفاصيل الخصوصية التونسية» التي دفعت الكاتب ليطرح رؤيته حول استحالة تجربة تونس بالصورة التي سارت عليها خلال السنوات التالية لإزاحة دكتاتورية بن علي في بلدان عربية أخرى تمكنت من خلال زخم التظاهر أن تذهب بحكم هذا الدكتاتور ، أو ذاك دون أن تنجح في صياغة معادلة سياسية تغلق الأبواب في وجه الارتداد عن مسار الديمقراطية.ولهذا، يصر الكاتب في محاضرته، أنه مازال رغم نقاشات كثيرة خاضها حول إمكانية إطلاق التجربة التونسية بمعايير مختلفة قليلًا أو كثيرًا في بلدان أخرى من بلدان الربيع العربي، مقتنعا بصعوبة ذلك، فهذه الاستثنائية للحالة التونسية ترتبط كثيرًا بأن في تونس كان الربيع حالًا، بينما كان البعد العربي واقعًا في إطار من المحدودية التي كان وراءها نسق تعليمية غير متقدمة وانسياق كامل خلف تفاسير دينية لم تبارح الجمود إلا قليلًا، على عكس الوضع في تونس.وفي كل الأحوال بحسبما أصر المصري، فإنه من الصعب أن يتم استنساخ أي تجربة من بلد لآخر بالكامل خاصة في حال اختلاف المعطيات الاساسية التي قامت عليها هذه التجربة.
لكن المصري يقول إن هناك دروس يمكن الاستفادة منها في الحالة التونسية، فيما يتعلق بالسعي للوصول إلى توافقات والحاجة لمظلات تقدم الآلية والدعم للحوارات المؤدية للتوافق بعيدًا عن مؤثرات حتمية الترجيح لكفة دون أخرى مثل تدخلات حاسمة لبيروقراطية مستقرة طويلًا، أو لجيش صاحب بأس ومصلحة «وهذه أيضًا صفات ليست من التجربة التونسية، ونحن جميعًا نعرف أن الجيش التونسي رفض بالقطع مطلب بن علي التدخل ضد المتظاهرين، كما نعرف أن بورقيبة – وهو ليس بعيدا عن الدكتاتورية بحال رغم إيمانه المطلق بأهمية التعليم والتطور لم يكن يريد جيشا له قوة متجاوزة للمؤسسات السياسية ولم يؤسس لمثل هذا الجيش».
وفي رده على سؤال افتتاحي لأستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية رباب المهدي حول إمكانية تكرار التجربة التونسية -بمفردات مختلفة-  في بلد عربي آخر، قال المصري إنه مستعد أن يبدي انفتاحًا ولو على تحفظ ولهذا فإنه قرر أن يضيف علامة استفهام للترجمة العربية لعنوان الكتاب، ليس تراجعًا عن الاعتقاد المؤسس لأطروحة الكتاب، وإنما فتحًا للنقاش حول ما يمكن أن يحدث في مساحات أخرى لبلدان مرّ بها الربيع العربي. يقع كتاب المصري في نحو 450 صفحة من القطع الكبير، ومع أن كاتبه ليس بدارس للعلوم السياسية والاجتماعية، لكن من خلال اللقاءات المتعددة وبحثه التاريخي المعمق، إلى جانب توضيحه التراكمي للخبرة المجتمعية -السياسية – الدينية لتونس، فإن الكتاب يقدم لقارئه تفاصيل دقيقة حول الشخصيات الفاعلة في المشهد التونسي اليوم، ومساحات التقاطع والتنافس بينها، بما يجعل قراءة الأحداث في تونس مثل تجربة الانتخابات التشريعية التي جرت مطلع الشهر، أمرًا سهلًا وعميقًا في ذات الوقت.
اعلان