Define your generation here. Generation What
«اصطياد أشباح».. عن الناجين لا الضحايا
 
 

من السهل القول أن فيلم «اصطياد أشباح» (2017) يتحدث عن إعادة بناء سجن المسكوبية الإسرائيلي، وجعل الأسرى المحررين منه يكررون تجربة الأسر من جديد، لكن هذا أبسط وصف في حال كان الفيلم فعلًا يصور حياة هؤلاء الأسرى داخل نموذج مشابه عن السجن بهدف استرجاع ذكرياتهم، وعرض التأثيرات النفسية لذلك أمام الكاميرا، إلا أن الفيلم لم يختر هذا الطريق السهل لسرد الحكاية، ولم يضعنا في إطار هذا الإيهام.

  بل قام المخرج رائد أنضوني بكسر الإيهام بصحبة الأسرى المحررين منذ أول مشهد حين بدأ بمقابلة محرَّرِين من سجن المسكوبية، وعرض عليهم أن يكونوا ممثلين في الفيلم، ليبني الجميع السجن معًا، متعايشين بين تنشيط الذاكرة ورسم المخططات والشجارات على المناصب أو «مَن يتذكر السجن بشكل أفضل»، وأخيرًا ليصبح كل واحد منهم ممثلًا بالفيلم.

 وبذلك يكون المُخرج في لحظة يبني إيهامًا ويكسره ثم يعيد بناءه، فتارة يتعايش المتلقي مع أحد الأسرى وهو يسترجع إحساس شوقه لأبنائه داخل السجن، ثم يظهر المُخرج في الكادر يواسي السجين، وآخر يتذكر الهلوسات داخل السجن حين رأى والدته تسقيه الماء، ليقوم الفنان منذر جوابرة بكسر الإيهام وهو يرسم شخصية متخيلة للأم ويقدمها له.

 إنه اكتمال لحظة الألم من جميع الجهات وكأنك تراها بنظارة ثلاثية الأبعاد فأنت تعيشها مع السجين في سجنه حين يكون الألم حيًا «في الإيهام» وهي اللحظة الروائية، وبعد خروجه من السجن حين يكون الألم ذكرى «في كسر الإيهام» وهي اللحظة الوثائقية ، وخلال اللحظة الحالية التي تجمع الأخرتين، ويتدخل خلالها أحدهم في ألمه يناقشه ويعرضه ويخفف منه «صنع الإيهام» وهي اللحظة التسجيلية.

وكأن المخرج أشفق على الأسرى المحررين من إعادة التجربة كاملة لاسترجاع فداحة الوحدة والسجن رغم أن الديكور اكتمل وأصبحوا يقضون الساعات هناك، لكن هذا الإشفاق بالتأكيد لم يحرم المتلقي أن يعيش التجربة مكتملة ومن زوايا جديدة فيبدو الألم وكأنه انجاز مكتمل النضج.

مشهد من فيلم اصطياد أشباح

وفي الوقت الذي يعيش فيه الأسرى تجربة بناء ألمهم وذكرياتهم من جديد، يجرب المخرج نوع آخر جديد من السرد، فيتحول السجن على يد أنضوني كطين الفخار يعجنه كما يريد إلى أن يأخذ شكله النهائي في الفيلم، وهي ذاتها الحالة التي يشعر بها الأسرى أنفسهم، فيقول أحدهم خلال رسم «اسكتشات» تصميم السجن: «تخيلوا يا شباب الزنزانة ورقة وإنت قاعد تمسك الزنزانة وتطويها وتحطها بجيبتك».

وغرائبية هذا العمل هي سر تميزه، والتي لن تكون لولا جرأة المخرج على جمع المعادلات الصعبة في التكنيك والتمثيل، والتفريغ النفسي حين جعل من الحر أسيرًا والأسير محقِّقًا، والمحقق ممثلًا، ويتبادل الجميع الأدوار، حتى أنهم اختطفوا واعتقلوا المخرج ذاته ووضعوه في السجن حين كثرت ضغوطه عليهم كممثلين وأصحاب تجربة وذلك في لعبة كسر الإيهام المستمرة.

ورغم المخاطرة بعرض كل  ذلك، وأمام كاميرات حاضرة في خليط من التجارب السردية إلا أن ذلك لم يترك للافتعال مكانًا، أو للخوف والتردد محلًا  حتى في أشد اللحظات حساسية كالحديث عن الابتزاز الجنسي، وغالبا السبب يكمن في قوة التجربة الشعورية التي أخذت سنوات من أعمارهم.

مشهد من فيلم اصطياد أشباح

ومن المهم جدًا التعرف على رؤية المخرج لفيلمه بتركيبته المحيرة، وهذا ما ناقشته فيه عقب عرض «اصطياد أشباح» في صالات مدينة تولوز الفرنسية.

يقول أنضوني «لم يكن عندي نموذج قبل صناعة فيلمي، بل كان عندي شك إذا كان سينجح النموذج الذي أتبعه».

ويضيف أنه كتب سيناريو افتراضي، وكان يفكر أن يلعب الأسرى المحررين الأدوار بين المسجونين والسجانين، إلا أن هذا السيناريو لم يعد يعني شيئاً حين تعامل معهم خلال الفيلم، قائلًا «حين يقول لي أحدهم أن شقيقه الذي كان معتقلاً معه يشبهني، إذن أنا أعمل مع شخصيات حقيقية، فيجب أن أتبنى الواقع وأغير السيناريو، وكان شيئا لا يشبه الوثائقي أو الروائي بل يعبر عن أحاسيس حقيقية وربما لذلك أميل إلى تقديمه كفيلم وثائقي».

ويتابع أنضوني أنه أحيانا كان يصور 4 ساعات ويأخذ آخر ربع ساعة منهم فقط، مضيفاً «غالبًا ما تكون أول ساعات عبارة عن حكي وشعارات، وكنت أبحث عن أكثر من الخطاب السطحي» مبينًا أنه كان لديه 120 ساعة مسجلة لمواد مصورة، اشتغل عليها ستة أشهر ليخرج الفيلم على هذه الصورة.

ويضيف « تبنيت الصورة الروائية والوثائقية، وكيف قد أصل لمرحلة من الممكن معها قبول مشهد روائي يتبعه آخر وثائقي من غير أن أترك أسئلة معلقة».

ويشرح الفلسفة وراء تواجده بالفيلم فيقول: «لم أستطع أن آخذهم إلى البحر وأتركهم متفرجًا عليهم، فلا أستطيع إلا أن أكون حقيقيًا، وأدخل لأسبح معهم، لذلك كان الفيلم شخصياً أيضًا»، متابعًا أنه سجين سابق، ولا يعرّف نفسه كضحية بل إن نجاته أغنت التجربة، «فأنا ناجٍ ولست ضحية، وأرى شخصيات الفيلم ناجية أيضًا وليست ضحايا»، بحسب تعبيره.

ويقول أنضوني: «أجواء عمل الفيلم كانت تجمعنا كأننا عائلة، وقد كانت تجربة حسية عميقة أهم ما فيها برأيي هو استقلال المعاناة عن أي شيء آخر»، مستدركًا: «ومع استقلال الألم هذا إلا أنه فيلم فلسطيني بامتياز، فليس مطلوب أن أتخلى عن محليتي كي أصل للعالمية، على العكس إن الغوص في المحلية يعني مزيدًا من العالمية».

مشهد من فيلم اصطياد أشباح

وحول مشهد انتقام الأسرى داخل الفيلم منه واعتقاله بسبب ضغطه عليهم يقول: «ربما غضبت بأكثر من موقف وكان هناك مظهر من امتلاك القوة والسيطرة، إضافة لكمية العنف غير المألوفة التي كانت تخرج، فأنا أيضاً كنت بعمر الـ18 حين دخلت السجن أسيرًا غير قادر على التنفس والأكل، واليوم أعود لأكون رب هذا المكان، فتخيلوا معي كيف سأبدو أو سأصبح مريضًا بداء السيطرة، وهذا وظفته في الفيلم، فلو لم أكن واعٍ لهذه النقطة كانت ستكون كارثة لكن وعيي بها جعلني أسلم نفسي لهم، وكانت ردود الفعل ضربي».

ونبه أنضوني إلى أن الاتفاق مع الأسرى المحررين قبل بدء الفيلم كان يتضمن حرية الانسحاب بأي لحظة، كما صاحبهم متخصص نفسي يشرف على الجميع، وكان يقول هذا المتخصص: «لا أحد سيموت من التجربة لكن يجب أن يعرف الأسير أنه من الممكن أن يغادر بأي وقت».

ويتابع: «بالفعل هناك شخصية انسحبت خلال الفيلم، وكان الانسحاب خيارًا متاحًا خاصة في ظل استفزاز مشاعرهم وتجربتهم، فقط أنا الوحيد الذي لم يكن لدي حق الانسحاب».

  وحول فيلمه القادم يقول: «إني أفكر بشي يعطيني مشاعر، وسوى ذلك ستكون تفاصيل لها علاقة بالقصة، لا أدري ربما سيكون شيء فيه خيال، لست متأكدًا، أنا في حالة شك دائمة، والشك يؤدي للتطور، يؤدي إلى الإبداع».

من ناحية أخرى، فقد حصد فيلم «اصطياد أشباح» عدة جوائز؛ منها جائزة أفضل فيلم تسجيلي في الدورة الـ 67 من مهرجان برلين السينمائي، وأفضل فيلم عربي في مسابقة «آفاق السينما العربية»، في ختام فعاليات الدورة 39 من مهرجان القاهرة السينمائي، وجائزة الجمهور في مهرجان عنابة المتوسطي للأفلام بالجزائر.

اعلان
 
 
أسماء الغول