Define your generation here. Generation What
الثورة والخروج والعودة في مهرجان «الفيلم العربي برلين التاسع»
 
 
مشهد من فيلم «وليلي»
 

لعل من أجمل اللحظات التي يمرّ بها عشاق السينما ومتابعوها، هي عند سماعهم عن بداية مهرجان سينمائي. تكون أمامهم أيامًا طويلة من العروض السينمائية المتصلة. وقد يصل عدد ما يشاهدونه، في اليوم الواحد، إلى ثلاثة أفلام، وربما أكثر في حال المهرجانات العالمية.

ماراثون مستمر يتنقلون فيه من سينما لأُخرى للحاق بمواعيد العرض. لا يوجد وقت للتأمّل في الأفلام، أيها أحببته، وأيها كرهته، وأيها فهمته دون أن تتواصل معه شعوريًا. لكن رغم هذا الخلَّاط المستنزِف للوقت والجهد والمشاعر، تظل تجربة حضور المهرجانات من أكثر التجارب متعة لأي محب للسينما خاصة عندما يشعر بعد انتهاء المارثون، بالتشبُّع بالأفلام والمشاعر والأفكار.

في الشهر الماضي، تسنَّى لي حضور فعاليات تاسع دورات مهرجان الفيلم العربي برلين، والذي أقيم في الفترة من 11-18 أبريل هذا العام. ربما كانت تلك التجربة من أكثر تجارب المشاهدة السينمائية إمتاعًا لي. فها أنا في مدينة بعيدة عن مدينتي المُهلكة القاهرة، بلا أي ارتباطات عملية أو عائلية، أتفرغ فقط لمارثون الأفلام المرهِق والممتع. تكمن صعوبة حضور تلك الفعاليات، في المفاضلة بين الأفلام التي تُعرَض بشكل متوازٍ. ينتابني شعور الطالب المجتهد الذي يريد حضور كل المحاضرات والجلوس في الصف الأول، لكن أستسلم  مدركة عدم استطاعتي التواجد في عرضين في نفس الوقت. أتأمل جدول العروض، وتدريجيًا أحسم اختياراتي، وأطمئن لأني حضرت فيلم الختام «طعم الإسمنت» سابقًا، فها هو فيلم يمكن شطبه من قائمتي.

الثورة تلاحقني

البداية كانت مع فيلم «على كف عفريت» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، صاحبة فيلم آخر شهير «شلاط تونس». تتعرَّض كوثر مرة أُخرى لقضية المرأة وجسدها ووجودها في تونس والعالم العربي بفيلمها الجديد المستوحي من حادثة اغتصاب حقيقية، حدثت في تونس على يد بعض رجال الشرطة عام 2012. اعتمدت المخرجة على اللقطات الطويلة وقدَّمت تكثيفًا شعوريًا شديد الحدَّة والحساسية لمشاعر الانتهاك والضعف التي صاحبت الضحية رغم أنها تجنبت تمامًا تصوير حادث الاغتصاب، فالجريمة المؤلمة ليست هي الحدث الرئيسي، بل تعامل المجتمع والدولة وتواطؤ كافة الأطراف لتتكالب على مريم الضحية طوال ليلة شديدة القسوة.

مشهد من فيلم فيلم «على كف عفريت» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية

شعرتُ أحيانًا وكأن الفيلم عمل مسرحي، يخاطب جمهوره بشكل مباشر، بل وأحيانًا ببعض المبالغة. كل رجال الشرطة في الفيلم ضخام الجثة، خشنون، وكأنهم جزء من فيلم كاريكاتيري أسود قاتم، كالعنوان المختار للفيلم بالإنجليزية «Beauty and the dogs الجميلة والكلاب». تمر البطلة مريم برحلة تبدأ من الخوف الشديد ومحاولة تناسي الجريمة المرعبة بأكملها إلى الإصرارعلى مواجهة الجناة، والتصدِّي للحادث، لتنتهي في صبيحة اليوم التالي أكثر تحررًا، وقوة، وإصرارًا على المضي قدمًا في رحتلها لمواجهة «الكلاب».

لم يستطع «على كف عفريت» التحرُّر من كونه فيلمًا عن «قضية»، فكان يتحوّل أحيانًا لمحاضرة حقوقية. وجاء تصوير الفيلم للشخصيات نمطيًا بعض الشئ، كشخصية صديق مريم الذي ذكرني بـ «شباب الثورة الطاهر»، فيكون هو مَن يصرّ أن عليها مواجهة الشرطة لتأخذ حقها دون أي مراعاة لخوفها ومشاعرها المتضاربة من التجربة المؤلمة التي مرَّت بها، بل ولاختيارها الشخصي في وقت الأزمة.

بالطبع يمرر لنا الفيلم معلومة أنه كان في اعتصام «القصبة» في تونس في 2011 ، وهو ما يقابل اعتصامات ميدان التحرير في مصر.

في الإستراحة؛ أقابل شابًا سوريًا يخبرني أنه لم يستطع إكمال «على كف عفريت» حتى النهاية، لأن مشاهد الشرطة قد ذكَّرته بسجون بشار الأسد. محدِّثي يعيش ببرلين منذ ثلاثة سنوات، لكنه لم ينس هذه السجون، وبالتأكيد لن ينسى. هاجس الخروج أو الهروب من البطش لم يكن موجودًا فقط في الأفلام، فكان حاضرًا بين الجمهور. أخبرتني مُشاهِدة مصرية أنها كانت تريد أن ينتهي الفيلم بخروج مريم من تونس. كانت تريد أن يكون مشهد النهاية طائرة ومطار، فهي ترى الخلاص يكمن فقط في الخروج.

ظل الربيع العربي، وإرهاصاته، في خلفية عقلي بعد الخروج من الفيلم، لأجدني أشاهد لمحاته في الفيلم المغربي «وليلي»، والذي يقدم فيه المخرج فوزي بن سعيدي، قصة حب بسيطة بين زوجين من الطبقة الفقيرة يعيشان بالقرب من مدينة «وليلي» تلك المدينة الصغيرة المبنية علي أطلال مدينة رومانية قديمة. يعرض الفيلم التناقض الطبقي الشديد بين سُكّان المدينة بشاعرية شديدة. وينقلنا تدريجيًا من  إحساس التعاطف مع الزوجين الحبيبين اللذيْن بلا مسكن خاص بهما إلى الإحساس بالغضب الشديد عندما يتم البطش والتنكيل بالزوج.

ورغم أن حصة المغرب من الربيع العربي، لم تزد عن تعديلات قانونية وسياسية هادئة، فإن أغنياء ها  لا يتورعون عن الإشارة باستخفاف للتعديلات الدستورية التي صاحبت موجة التغيير في بلدهم، وذلك في استهزاء واضح بفقراء المدينة، الذين منهم خادميهم، وسائقيهم، ورجال حراستهم. لا يجد الزوجان حلًا أوخلاصًا سوى في الخروج، حتى ولو بقطار لمدينة قريبة أُخرى، ربما تتكرر بها نفس القصة ثانية.

ورغم محاولاتي تجنب رؤية الربيع العربي و«الثورة» في كافة الأفلام، لم يحالفني النجاح مع فيلم «نهايات سعيدة»، فهو لم يكتف فقط بأن تكون الثورة في خلفيته، بل عرَض مشاهد دسمة من أحداث 2011 و 2012، ولعل أقساها كانت الصور الأولى لأحداث محمد محمود في نوفمبر 2011. ورغم الثَقل الشديد الذي انتابني عند الفرجة على تلك المشاهد، إلا أنني تعاطفت مع إصرار مخرجيّ الفيلم ندى رياض وأيمن الأمير في تقديم رؤيتهما الشخصية لأحداث الثورة المصرية. فضلًا عن حيرتهما بين الاستمرار في مصر، أو البحث عن فرصة للعمل في الخارج، ليهربا من شعور الهزيمة والإحباط الذي حاصر الجميع.

لكن لعل أجمل ما في الفيلم هي اللقطات المطولة لحورات ندى  مع والديها ومع بعض أصدقائهما، ليس فقط عن مواقفهم السياسية وعن الثورة، بل أيضًا عن الحب والزواج والعِشرة.

فلسطين وفجوة عبر الزمن

بعد مرور يومين أصل إلي مفترق الطرق، حيث يتحتم على اختيار الأفلام التي أستطيع مشاهدتها إلي جانب العروض الرسمية، فقد ضمّ المهرجان عروضًا خاصة تحت عنوان «نقطة ضوء: عن الذكورة العربية»، وكذلك عروضًا  خاصة لأفلام فلسطينية بمناسبة مرور سبعين عامًا علي النكبة.

أختار ثلاثة أفلام وثائقية عن الشتات الفلسطيني تنتمي لفترات زمنية مختلفة. أولها كان أحد كلاسيكيات السينما التسجيلية العربية وهو فيلم «المنام» للمخرج السوري محمد ملص. يستند فيلم «المنام» على سردية أهالي المخيمات لواقعهم عن طريق أحلامهم التي تتحدث فيها سيدات عجائز استشهد أبنائهن عن «الثورة»، أو تحلم  فيها طالبة بمدرسة بالمخيمات بأنها صنعت انقلابًا «من أجل الديموقراطية». أجدني أسمع مرة أخري نداءات المجتمعات العربية عن «الثورة» و«الديموقراطية» لكن هذه المرة منذ 35 عامًا.

ينساب الفيلم بهدوء ليقدم الحياة اليومية لسُكّان المخيمات الفلسطينية بلبنان، المحبوسين في بيوتهم الضيقة وحياتهم المغلقة. يسألهم مَلَص عن أحلامهم، فيتحدث البعض عن ظهر الغائبين في أحلام، سواء من غيّبهم الموت، أو الشتات وهو الأمر الذي ربما يكون طبيعيًا أومتوقعًا، لكن تتوالى الأحلام ليظهر فيها ياسر عرفات/ أبوعمار. وربما يكون هذا أيضًا منطقيًا في السياق التاريخي لتلك المرحلة.

نسمع أيضًا روايات عن أحلام يظهر بها جمال عبد الناصر والملك حسين والملك خالد بن عبد العزيز، مع كل وعود تحرير فلسطين.

يذهلني أن تكون هذه هي أحلام الرجال كبار السن، تختلط بأمنيات الواقع المستحيلة بالعودة للبيوت المهجورة، أحلام تُحكى بكل هذا الصدق في أوائل الثمانينات. شعرت عند مشاهدتي لهذا الفيلم الذي تمّ تصويره بين 1980- 1981، بعد أكثر من 35 عامًا وكأنني انتقلت في فجوة عبر الزمن.

من فيلم المنام

بعد «المنام» كان هناك عرض لفيلم قصير من إنتاج منتصف السبعينيات للمخرج الفلسطيني مصطفى أبو علي عن المصور الفلسطيني هاني جوهرية، والذي كان يعمل مصورًاا وحدة أفلام فلسطين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. يحمل الفيلم لقطات نادرة من بداية ومنتصف السبعينيات لقيادات ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية. وفي تناقض تام مع سردية أبناء المخيمات الصادقة عن «الوطن» حمل فيلم أبوعلي السردية التقليدية الرسمية المليئة برطانة خطابات القيادات والزعماء. لكنني كنت مأخوذة بتجربة «وحدة أفلام فلسطين» والتي كان شعارها المصور «اللوجو» عبارة عن كاميرا وبندقية أو مدفع مندمجين، فهي تجربة تستحق البحث، خاصة في علاقتها بنوع «السينما المقاتلة» التي ظهرت في أماكن متعددة من العالم في تلك الحقبة التاريخية.

وفي عودة إلي الحاضر الفلسطيني شاهدت فيلمين مختلفين تمامًا، لكن يظل بهما بعض التشابهات، وهما الفيلم الوثائقي «السطح» (2006) لكمال الجعفري. والفيلم الروائي «واجب» (2017) لآن ماري جاسر. يتشابه الفيلمان فقط في شيء واحد، وهو أن أحداثهما تدور في المجتمعات العربية الباقية في مدن فلسطين 1948، حيث يصوَّر الأول بين مدينتي يافا والرملة، و يدور الثاني في مدينة الناصرة.

قدم فيلم «واجب» بلغة سينمائية هادئة وخفة ظل كافة التناقضات التي يشعر بها شاب عربي يخرج من مدينته غاضبًا، ويضطر للعودة إليها. هو لا يزال يحمل بداخله غضب من المدينة وتفاصيلها وأهلها لكنه ومن خلال الرحلة يكتشف ببطء، أن بداخله أيضًا مساحة من التسامح مع هذا الواقع وتفهُّم لهذا السياق الخانق، وتدريجيًا يعيد بناء علاقته المتوترة مع أبيه.

في فيلم «واجب» تبدو الناصرة مثل أي مدينة عربية أخري، شوارعها تبدو لي شديدة الشبه بشوارع مدينة « عمان». المجتمع المسيحي المحافظ الذي يعيش بها لا يختلف كثيرًا في مفرداته عن مجتمع مسيحي مصر الجديدة في «القاهرة». رغم أن الوجود الإسرائيلي يظل حاضرًا في الخلفية بالطبع. شعرت وكأن آن ماري تنزع  الرومانسية حول مفهوم «الوطن»، فهو هنا ليس كما تمّ تصويره في بعض أشعار محمود درويش.

لعل من أجمل مشاهد الفيلم محادثة تليفونية بين الأب الذي أمضى كل حياته بالناصرة مع أحد القيادات ذات التاريخ النضالي، والذي يعيش بأوروبا منذ سنوات والذي يسأله عن أحوال «الوطن»، فيبدأ بوصف أشجار البرتقال والجبال والصيادين. بينما تظهر علي الشاشة صور مدينة الناصرة، حيث لا توجد أشجار برتقال أو صيادون يرمون بشباكهم على شاطئ المتوسط. توجد فقط مدينة عادية ضاقت بأهلها، تراكمت فيها أكوام القمامة وتكاثرت فيها السيارات وأزمات المرور، يتعايش أهلها مع الوجود الإسرائيلي وتتصاعد الأسئلة حول مشروعية التعايش مع الاحتلال الإسرائيلي داخل المجتمعات العربية الضيقة في أراضي فلسطين 1948.

أما فيلم «السطح» فهو وثائقي يحكي واقع وحياة فلسطينيي الداخل، في مدينتَيّ الرملة، ويافا. وذلك في  صورة أكثر قتامة من «واجب». البيوت المهدَّمة التي لا يمكن إعادة بنائها، ويصبح ترميمها مهمة شاقة وشبه مستحيلة، وقصص الخروج والهروب بزوارق الصيادين هربًا  من المذابح في 1948.

وتداعيات الذكريات لجيل الأجداد حول رحلات الهروب والعودة، وكيف يتمّ سرد تاريخ مدينة يافا من منظور إسرائيلي، وكأنها لم تكن مدينة فلسطينية، بل مجرد ميناء ذو تاريخ عاد لأحضان إسرائيل. الآن أسماء الشوارع فيها هي أسماء كبار العلماء اليهود الأوروبيين مثل روبرت كوخ، وأخيرًا المشاهد الطويلة الخانقة والمفزعة للرحلة من داخل أراضي فلسطين 1948 إلي الضفة  الغربية مرورًا بالجدار العازل. يظهر الجعفري وصديقته كنقطتين صغيرتين إلى جانب الجدار شديد الضخامة، فلم أكن أتصوره بهذه الضخامة. طريق طويل ملتف يحده يمينًا الجدار العملاق ويساره السلك الشائك، في مشهد كاشف ومؤثر يعكس كل الضيق والحبس الذي يعانيه ليس فقط أبناء الضفة، بل أيضًا أبناء المدن، الجيوب العربية الصغيرة داخل أراضي فلسطين 1948.

مرزاق علواش: الهدية

أنتظر دائمًا عند حضوري مهرجان أو فاعلية سينمائية مكثفة شيئًا ما أصفه بـ  «الهدية»، والتي تكون فيلمًا يأسرني تمامًا، وعلامة الأسر هنا ألا أبحث عن هاتفي المحمول إطلاقًا، ويا حبذا لو كانت الهدية هي اكتشاف مخرج جديد، تصبح مجموعة أفلامه كنزًا مستقبليًا على قائمة المشاهدة.

اكتشاف «وحدة أفلام فلسطين»، أسعدني كباحثة علوم اجتماعية بالأساس، أما «هدية» المهرجان فكانت اكتشاف  المخرج الجزائري «مرزاق علواش»، حيث استطاع المهرجان عرض النسخة المُرمَّمة للفيلم الجزائري «عُمر قتلته الرجولة».

يعود إنتاج الفيلم لعام 1976، واكتشفت أنه من أكثر الأفلام شعبية في الجزائر، ولا يزال يتمّ عرضه على شاشة التلفزيون الرسمي هناك.

في المهرجان، أيضًا، حَلَّ علواش ضيفًا علي المهرجان هذا العام، وتمّ عرض فيلمه قبل الأخير «مدام كوراج» (2015)، والذي كان اختياره مع فيلمه الأول اختيارًا ثاقبًا. فبدت مشاهدتهما كرحلة زمنية، ليس فقط في سينما علواش البديعة، بل في واقع وشكل المجتمع الجزائري علي مدار أربعين عامًا.

مشهد من الفيلم الجزائري «عُمر قتلته الرجولة» ويعود إنتاج الفيلم لعام 1976

في الفيلمين يكون البطلان الرئيسيان، هما شاب يسمّي عُمَر، وفتاة تسمّى سلمي يحاول الشاب الوصول إليها، في مجتمع يعيش فيه الرجال في عالمهم الذكوري المعزول. لكن الفرق شاسع بين عُمَر السبعينات، وعمر المعاصر.

فعُمر «قتلته» كما يسميه أصحابه هو ابن جزائر السبعينات التي كانت لا تزال تعيش في آمال دولة ما بعد التحرر من الاستعمار، ووعودها بأن المستقبل يحمَل الخير،  فجاء الفيلم بلغة سينمائية منسابة وهادئة، يعرض تفاصيل حياة عوالم الرجال في تلك الحقبة. في أحياء الطبقة المتوسطة والأقل من المتوسطة، وفي إطار يبدو ساخرًا، حتى أن لجنة المشاهدة وقتها اعتبرته فيلمًا كوميديًا كما أخبرنا علوش في النقاش بعد الفيلم.

أما عُمَر الشاب المراهق في 2015 فهو عُمر آخر؛ ابن جزائر ماتت فيها السياسة والحياة والأمل خاصة بعد تجربة «سنوات العشرية السوداء» الدامية. يرزح عُمَر تحت قهر الفقر، يعيش في حي عشوائي في بيت صفيحي يستخدم أقراص الشجاعة أو «كوراج» المخدِّرة ليستطيع مواجهة الشارع والمجتمع وحياته العصيبة. فيلم أكثر قسوة، فرغم أنه يتبع النوع الروائي، إلا أنه يبدو أحيانًا، وكأنه وثائقي لتشابهه الدقيق مع الواقع.

لكن رغم كل القسوة في «مدام كوراج» والمشاعر المتفجرة والمفارقات في «عُمر قتلته الرجولة»، فلدي علواش قدرة بديعة على توليد قدر عالٍ من الرقة من قلب القسوة والطبقات المتعددة والمتداخلة لأفلامه. تلك الرقة الممزوجة بلغة سينمائية سلسة وحوار بسيط هي السمة الأساسية لسينما علوش التي تحتاج مشاهدة طويلة ومتعمِّقة.

رحلة وراء الكواليس: ماذا عن الدورة رقم 10؟

وسط ماراثون المشاهدة هذا، ومع ازدياد الأُلفة مع مدينة برلين، وجدتُ عندي الوقت لإرضاء فضولي عن رحلة مبرمجي المهرجان. وفي صباح مشمس غير معتاد في برلين تحدثت مع  فادي عبد النور، المدير الفني للمهرجان عن الرحلة التي مرّ بها المهرجان منذ 2009 وحتى الآن، والذي انطلق تزامنًا مع عام إعلان القدس مدينة الثقافة العربية.

المهرجان، استطاع رويدًا رويدًا أن يفرِض وجوده كمساحة للفيلم العربي والثقافة كذلك في العاصمة الألمانية، ليصل عدد الأفلام المتقدمة للعروض الرسمية هذا العام إلي نحو 650 فيلمًا، تتنوّع بين التسجيلي والروائي، والطويل والقصير، لمخرجين وسينمائيين عرب، سواء من إنتاج مؤسسات في بلادهم، أو حتي لو اشترك في الإنتاج في أحيانٍ كثيرة جهات إنتاج عالمية.

ضحكت كثيرًا من مفارقة وجدتها في برنامج عروض الدورة الثانية للمهرجان في 2011، ففي عزّ انفجار أحداث الربيع العربي، جاء البرنامج الموازي للعروض الرسمية تحت ثيمة «الفكاهة في السينما العربية». فعرَض كلاسكيات السينما العربية الكوميدية، كـ «غزل البنات» و«غريب في بيتي» و«الآنسة حنفي»، وفيلم «الدجاج» للمخرج السوري عمر أميرالاي. وازدادت المفارقة بعرض فيلم «إمبراطورية غوار» للممثل السوري دريد لحام  الذي لم يخفِ دعمه للنظام السوري.

في عز انفجار أحداث الربيع العربي، جاء البرنامج الموازي للعروض الرسمية تحت ثيمة «الفكاهة في السينما العربية». فعرَض كلاسكيات السينما العربية الكوميدية

حكي لي فادي أن المهرجان استطاع خلال السنوات التسع الماضية فَرْض وجوده في برلين، وأن يخاطب جمهورًا واسع الطيف من سُكّان المدينة التي يقطنها جنسيات متنوعة من أوروبا، وكذلك عدد كبير من الشباب العربي الذي تزايد عدده مؤخرًا في المدينة التي تزداد جاذبيتها يومًا بعد يوم.

من حين لآخر يقدّم المهرجان برنامجًا موزايًا للعروض الرسمية تحت عنوان «نظرة استعادية»، وفيه يعيد النظر في أعمال ممثل أو مخرج عربي صاحب مساهمة مهمة في السينما العربية، فسعدت أن المهرجان يوفر لجمهور العربي تحديدًا متعة مشاهدة الأفلام القديمة على شاشات السينما.

كنتُ سعيدة للغاية بأن اللغة الإنجليزية هي لغة النقاشات حول الأفلام والحوارات مع الضيوف المتنوعين، فأنا لا أفقه شيئًا في اللغة الألمانية. أخبرني فادي أن استخدام الإنجليزية كان خيار فريق المهرجان ليتسنى لهذا الجمهور المتنوع الذي لا يتحدث الكثير منه الألمانية مشاهدة الأفلام، والاقتراب من عوالم السينما العربية الكلاسيكية والحديثة، الجماهيرية والمستقلة أو التجريبية.

عندما سألتُ فادي عن الدورة المقبلة من المهرجان، والتي أصبح لدي شغف لمعرفة المزيد عنها فربما يحالفني الحظ وأتمكّن من حضورها أيضًا، أخبرني بأنه، وكافة فريق العمل، لا يعلمون كيف ستكون ملامح السنة المقبلة. فريق البرمجة المثابر لا يزال يتابع الإنتاج السينمائي العربي الجديد في كل مكان، ومنسقوه الفنيون يعملون بجد على بناء شبكات الثقة والعلاقات مع المؤسسات الألمانية المختلفة لتدّعم استمراره، كذلك يحاولون بناء قنوات اتصال مع الجهات العربية في برلين، ليزداد دعمها للمهرجان. لكنهم في كل الأحوال، حريصون علي أن تكون السنة العاشرة للمهرجان ذات طابع  مختلف، لتعكس نٌضْج الرحلة التي مرّ بها عبر سنواته العشر.

اعلان
 
 
يارا شاهين