Define your generation here. Generation What
«البحث عن أم كلثوم».. أسئلة على هامش الأسطورة
 
 
مشهد من فيلم «البحث عن أم كلثوم»
 

بدلًا من السؤال: ما الذي يمكن أن تراه مخرجة إيرانية، لا تُجيد اللغة العربية، في أم كلثوم / كوكب الشرق؟ أريد أن أنطلق في هذه القراءة لفيلم «البحث عن أم كلثوم» (شرين نشأت- 2017) من سؤال آخر هو: هل يمكن لأم كلثوم أُخرى أن تظهر في زمننا هذا؟

إن أي محاولة للإجابة على هذا السؤال تستدعي الكثير من التأمّل في الحالة الكلثومية الفريدة عربيًا. بينما تحاول شيرين نشأت، مخرجة الفيلم، أن تمارس شيئًا من التأمّل بعين الغريبة التي ترى ما لا يراه المقربون، وتسأل بدورها ما الذي دفعته أم كلثوم في سبيل هذا التحقق، وأي وجوه اختارت التضحية بها في سبيل خلود وجه واحد لها؟

بطلة الفيلم «ميترا» هي مخرجة إيرانية مفتونة بأم كلثوم تسعى لعمل مشروع سينمائي عنها، دون أن تُجيد اللغة العربية. وتنجح في الحصول على التمويل اللازم من أوروبا، لأن أم كلثوم اسم متفق عليه، يرقى إلى مستوى البديهيات، خارج حتى نطاقه الجغرافي والتاريخي. لكن هذه الموافقة مشروطة بأن يكون المُنتَج النهائي «إيجابي»، بمعنى آخر بديهي، لا يُسائل الأسطورة، لكن يُضيء المزيد من أبعادها، كأنه يسمح بتجديد عهد السينما مع أيقونتها.

قد تكون ميترا هي المعادل الفني للمخرجة شيرين نشأت صاحبة «البحث عن أم كلثوم»، الفيلم الذي يروي حكاية عن محاولة صناعة فيلم، مخرجته هي ابنة زمننا هذا، وتعرف ماذا يعني أن يكون المرء امرأة، كما تعرف بالتبعية ماذا يعني أن تكون امرأة في عالم شرقي تسوده تقاليد دينية، تضع النساء على الحافة، على أقل تقدير، خوفًا من الفتنة.

على أرض هذا العالم، تتحرك ميترا لعمل اختبارات لاختيار ممثلات وممثلين لمشروعها، بين هؤلاء المتقدمات تكون غادة، أو ياسمين رئيس. تُغني بصوت قوي أغنية لكوكب الشرق. لكن أيضًا بخوف وبحذر، وبغير راحة فهي مدفوعة دفعًا من قِبل أصدقائها للوقوف هنا على المسرح أمام ميترا وبقية فريق العمل.

بعد الاختبار، ودون أن تعرف حتى النتيجة، تغادر غادة لتعود إلى وظيفتها في المدرسة كمُعلمة للأطفال، قانعة بالأدوار الاجتماعية المحددة سلفًا في القاهرة في قلب الزحام الشديد، وطغيان الأصوات الجهورية الذكورية، حيث لا يمكننا أن نأخذ الكلام عن احترام النساء بشكل جاد، والتحرش وحده كدليل يكاد يصرخ في وجوهنا جميعًا، إذا من أين يأتي كل هذا الإجلال الذي تتمتع به السيدة أم كلثوم في القاهرة حتى بعد وفاتها؟

ياسمين رئيس تقبل دور أم كلثوم في المشروع الكبير لميترا على مضض، إنها ليست فقط «غير واثقة» من إمكانياتها، لكنها لا ترى جدوى من أي نجاح.

 

مشاهد قليلة نرى فيها شوارع مدينة القاهرة، فالفيلم تمّ تصوير معظم مشاهده في المغرب، بلد عربي آخر، لديه آلام مزمنة بخصوص النساء (لا يمكن تعيين هذه الآلام هنا في حدود هذه المساحة)، إن غادة أو ياسمين رئيس تقبل دور أم كلثوم في المشروع الكبير لميترا على مضض، إنها ليست فقط «غير واثقة» من إمكانياتها، لكنها لا ترى جدوى من أي نجاح.

تسير الأمور بصعوبة، لكنها تسير وتؤدي لنا غادة نفسها جنبًا إلى جنب مع أم كلثوم (قوة أداء ياسمين رئيس لا يمكن تجاهلها على الإطلاق). كفتاة موهوبة عانت أم كلثوم بالتأكيد من ارتباك البدايات، مثل غادة التي تصارع، إضافة إلى ذلك شعورها بالحيرة إزاء الرؤية التي عليها أن تُجسدها لأم كلثوم كي تُرضي بها المخرجة. يهاجم النص السينمائي الذي تعمل عليه ميترا عنصرًا من داخله هو أحمد، الشاب العربي الذي لا يمكننا أن نستنتج من لهجته إلى أي بلد عربي حقًا ينتمي.

أحمد يرى أن أم كلثوم هذه التي في الفيلم ليست أم كلثوم التي يعرفها، إنها امرأة أُخرى عادية، ويمكنه أن يستخف بها، كما يفعل مع النساء الأخريات. هذه ليست أم كلثوم، لذا يهاجم ميترا، ويُضحِك عليها الناس بلغته (العربية) التي لا تفهمها هي، وما يفعله سيمر بلا ثمن، فميترا في النهاية مجرد امرأة. هل يرى رجال العالم العربي أم كلثوم كامرأة حقًا؟

ميترا ليست آتية فقط من إيران، إنها آتية أيضًا من أمومة غير متحققة مع ولدها «نيما»، بسبب ظروف عملها خارج إيران، يصل الأمر إلى حدّ بعث رسائل كراهية تداهمها أثناء التصوير، رسائل تشبه ما يفعله معها أحمد، هناك الكثير من العصيان الذي يكون على ميترا أن تصمد في وجهه، كي تتضح شخصية أم كلثوم أمامها. الشخصية التي يتمّ اقتيادها ذات يوم، ودون أن تعرف السبب، إلى مقر القيادة العسكرية، ثم تكتشف أن عليها أن تقوم بالغناء فقط كهرم رابع لمصر، تتخلص الفنانة من ذعرها على العتبة وتقف وتشدو بجلالٍ كصوت البلد ما بعد ثورة يوليو، وكما طلبوا منها.

في أحد المشاهد تُقاد إلى مقر للقيادة العسكرية لتكتشف أن عليها الغناء -فقط- كهرم رابع لمصر

تتعدد اللغات واللهجات في «البحث عن أم كلثوم»،  ويمكننا رؤية أن لغة الفيلم مُصابة بالتبعثر ذاته الذي نراه في كلام شخصيات الفيلم. تتمّ إدارة استديو التصوير في المغرب باللغة الإنجليزية، وأحيانًا بالفرنسية، فيما تتحدث ميترا نفسها بالإيرانية مع زميلها أمير خان، وبالإنجليزية مع غادة، هذه الإنجليزية قريبة من السطح، وبسيطة دائمًا ولا تقول شيئًا، هذا بينما نعرف كمشاهدين أن أم كلثوم تغني بالعربية، كما نسمع أغانيها المعروفة في الفيلم ذاته.

لكن من ناحية أُخرى، وفي لغة الفيلم السينمائية، ترتبط فعليًا عملية «البحث» هذه بالصمت لا بالكلام. هناك استمرار للغة الصورة الشعِّرية عند شيرين نشأت منذ عملها الأول «نساء بلا رجال» (2010)، بينما الحوار ضنين. لا يوجد الكثير مما يُقال، والقليل المتبقي يجد أن الصيغة الأنسب له هي الأسئلة الداخلية المُعذبِّة، والآخرون لا يريدون سماعها على أي حال.

أيضًا يتواصل في «البحث عن أم كلثوم» المزاج السوداوي الذي ولد منه  «نساء بلا رجال»، والذي يلجأ إلى الطبيعة وإلى الأحلام كذلك، وهو مزاج لا يمكن لأحد أن يتهمه بالانفصال عن العالم الذي نحياه.

أم كلثوم غير قابلة للهزيمة

في لحظة ما تقرر ميترا أن هذا المشروع لم يعد يرضيها، لأنها لا تصدق أن الثمن المدفوع في حالة أم كلثوم كان ثمنًا عاديًا يمكننا أن نتجاهله. في حالتها هي كمخرجة امرأة فهي تدفع ثمنًا لا يمكن احتماله، تغيّر ميترا قليلًا في قصة أم كلثوم التي يحفظها الجميع، وتختلق لها لحظة ضعف.

الانحراف الذي أجرته على القصة الأصلية لم يعجب أحدًا، لا طاقم الإنتاج، ولا الممثلين، وبالتأكيد لن يعجب المشاهدين فيما بعد. غادة هي الوحيدة التي ستتعاطف مع ألم مديرتها الشخصي، بفهم عميق لروح ذلك الانحراف الذي قضت به على أسطورة أم كلثوم. مَنْ الذي سيصدق أن أم كلثوم قد فقدت صوتها يومًا في عزّ جيشانه على خشبة المسرح قدام الجمهور العريض، وقبلت أن تمر بزمن من الخيبة والتعب والسأم ولو كان قصيرًا؟

لم تقل لنا شرين قط إنها تصنع عملًا تسجيليًا بهدف تقديس أسطورة أم كلثوم، المقدسة أصلًا، بل حاولت فقط أن تطرح بضع أسئلة متشككة، ومتعجلة في زمن قصير نسبيًا على أسطورتنا غير القابلة للمساس. هذا اللعب السينمائي المغامر المستند على التجربة الشخصية في تقاطعها مع التجربة العامة، ينتهي بما يشبه الاعتذار من جانب ميترا / شيرين نشأت عن الفوضى التي يمكن أن تكون قد سببتها للمشاهدين الآمنين. في المنام، وكخاتمة للفيلم، نشاهد مجادلة على شاطئ البحر الهائج بين ميترا وأم كلثوم، وذلك في محاورة ساخرة وحميمية، لا تنتمي أبدًا لهذا العالم.

اعلان