Define your generation here. Generation What

أسئلة ساذجة بخصوص التطبيع وإسرائيل وحل الدولة الواحدة

يُنشر هذا المقال في إطار سلسلة «نقاشات حول المقاطعة»، التي بادر بها موقع «مدى مصر» لتشجيع الكتّاب العرب على سرد آرائهم حول مقاطعة إسرائيل والتطبيع معها.

هذه قطعة كتابية تطرح أفكارًا بدائية، وقد تكون ساذجة أيضَا، تحاول الابتعاد عن التعقيدات الإقليمية والتلافيف السياسية ورياضيات الفلسفة، تعبّر عن حالة عبور غير مكتمل من موقف لآخر، قد يكون أحدهما مراهقًا، وقد يكون كلاهما كذلك.

قبل سبعة أعوام كنت أعمل لدى جريدة ذات توجهات قومية. كانت تنشر على موقعها الإلكتروني عدادًا لعدد ضحايا العدوان الإسرائيلي على اللبنانيين والفلسطينيين، بالإضافة لضحايا الغزو الأميركي على العراق. ومع بدء عصر الربيع العربي طوّرت الجريدة الفكرة لتشمل ضحايا الأنظمة العربية. ومع بدء اشتعال الأحداث في سوريا، بدأت العدادات تقفز ليتجاوز عدد الضحايا السوريين، سواء من النظام أو المعارضة، الأرقام الإسرائيلية. هنا ألغيت الفكرة تمامًا ورُفع العداد من الموقع الإلكتروني.

الحديث عن الموقف من إسرائيل ثقيلٌ ومربك. القضية تشكّل أداة بديهية للابتزاز والتنمر، وعلى نمط «من خلق الله؟»، تضم كثيرًا من التساؤلات دون إجابة، حتى باتت محرمة، هذا غير ما تحويه من أمور تتصادم مع الثوابت النفسيّة، وعادة ما يتعامل معها الإنسان على قاعدة نفسيّة أكثر منها عقلانيّة، وتصبح عُرضة لكل ما تحمله الأمور النفسية من تعقيدات، مثل الإنكار أو الإسقاط، أو حتى الهلع والبارانويا.

خلال الشهور الماضية صُعّد النقاش حول الكثير من الأمور المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

طُرح الكثير من الأسئلة: لماذا الغضب تحديدًا على القدس؟ أليست تل أبيب بالأساس أرضًا فلسطينية؟ ما الفرق بينها وبين حيفا وعكا؟ ثم، ماذا عن المدنيين الإسرائيليين؟ هل هناك مدنيون بين الإسرائيليين أصلًا؟ أليسوا جميعًا مستوطنين؟ أليسوا جميعًا أعضاء في احتياط جيش الاحتلال؟ ماذا عن السفر إلى الأراضي المحتلة، وإن كان بختم شرطة الاحتلال؟ ماذا عن مقاطعة الأعمال الثقافية والفنية الإسرائيلية أو الداعية لإسرائيل، أو المصنوعة هناك؟

لا أحاول هنا تقديم أي إجابة نهائية، وإنما أطرح فقط هذه التساؤلات، منطلقًا من وجهة النظر الماركسية التي تؤمن بحل الدولة الواحدة، دون عنصرية بين مواطنيها، بغض النظر عن هويتهم الدينية والقومية، ومنطلقًا كذلك من عوامل نفسيّة وعاطفيّة مركبة عايشها أغلب مواليد الثمانينيات، ممن تربوا على صورة فارس عودة ومحمد الدرة، وتفتح وعيهم الجماعي على مظاهرات الانتفاضة الثانية، قبل أن ينتقل هذا الوعي لاتخاذ مواقف من الوضع المحلي.

عادةً ما يبتز أصحاب نظرية الدولتين الآخرين أمثالي، متهمين إياهم بالخيانة والاعتراف بدولة الاحتلال، رغم أن حل الدولتين، وبالتعريف، يعترف بأحقية دولة الاحتلال في الوجود، طبقًا لعدد من الخطوط الجغرافية، التي تتغير حسب الموقف العام، لكنها تظل موجودة في النهاية.

دائمًا ما اقترن هذا الحل بالقبول الواضح بأسوأ ممارسات الاحتلال، مثلًا، بدفن مسألة العودة، بالتماهي مع الأساس العنصري للدولة الصهيونية القائل بضرورة تقسيم هذه الأرض، بالانتقال من سؤال الاعتراف بدولة إسرائيل إلى سؤال الاعتراف بدولة فلسطينية، تُمثَّل في بعض المحافل الدولية الثقافية أو الفنية، وربما في بعض المهرجانات السينمائية.

المآخذ السياسية والاجتماعية على حل الدولتين كثيرة، والمجال للحديث عنها دائمًا متسع ومفتوح للنقاش. الغريب أن هذا الحل كان دائمًا مرتبطًا بخطاب الدول والمنظمات الأكثر تحمسًا للمشروع الصهيوني من جهة، أو الأكثر ارتباطًا بالهزيمة من الجهة الأخرى، في محطاتها المختلفة، 48 و67 وأوسلو.

بالنسبة لي، وعلى المستوى النفسي، تعرض موقفي للقضية الفلسطينية للكثير من الزلازل خلال السنوات الماضية. قرأت في تاريخ الصراع مع إسرائيل جيدًا وعرفت مقاتلين قاتلوها، أفرادًا وجماعات، نظاميًا وميليشياويًا.

أحد هذه الزلازل: في المظاهرات التي أعقبت قرار ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، شاهدت مقطعًا مصورًا نشرته صديقة لي تحت تعليق يقول «انظروا ماذا يفعل بنا جيش الاحتلال». أظهر الفيديو عربة جيب للجيش الاسرائيلي تطارد متظاهرًا حتى تصدمه فيسقط لوهلة على الأرض حتى يلحق به الجنود ويعتدون عليه.

في لحظات استدعى عقلي مشهدًا دار في عام 2011، وعقب يوم من ذكرى حرب أكتوبر المجيدة 2011. في المشهد المستدعى كانت مدرعة تركض وراء متظاهرين سلميين تدهسهم وتطحن عظامهم، بوعي وإمعان وبتحديق في الضحايا.

لم تنجح إسرائيل في نشر وباء الكوليرا بين سكان لبنان أو فلسطين أو سوريا أو مصر. ولكن السعودية فعلت ذلك في اليمن، من خلال حلف عسكري يشمل دولتنا.

يبدو أن البعد النفسي الرابط بين فكرة التوحش عمومًا، وبين الاحتلال الإسرائيلي خصوصًا، تغير فيه شيء ما؛ لم يعد كما السابق. ثمّة من يحكموننا، وهم من السكان الأصليين لهذه الأرض، من نفس القومية ولهم نفس اللون والأصل الدين، ولكنهم متوحشون بما لا يقارن مع أكثر خيالاتنا سيكوباتية.

قد يرى البعض أن الاحتكام للعوامل النفسية والعاطفية في الموقف من القضية الفلسطينية سذاجة وسطحية. أعتقد أن هؤلاء، ومع الانتقال للجانب السياسي، سيتأكدون من سطحية الأسئلة المطروحة الآن وبدائيتها.

بحسب ما أعتقد، فللقضية الفلسطينية حل واحد فقط؛ تأسيس الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية التي يعيش فيها سكان الأرض جميعًا دون تمييز عرقي أو ديني. والوصول للوضعية التي تمكننا من طرح هذا الحل/الحلم على الأرض يستلزم سلوك الكثير من الطرق، من بينها بالطبع الحق في المقاومة المسلحة لجيش الاحتلال.

علاقتنا مع قضية الاحتلال تفرض الكثير من الإجراءات: علينا رفض السفر إلى الأراضي المحتلة، علينا عدم حمل ختم الاحتلال على جوازات سفرنا، علينا عدم الاستماع للموسيقى الإسرائيلية، علينا عدم قراءة أعمال الإسرائيليين، أو ترجمتها، إلا وفق قاعدة «اعرف عدوك»، علينا مقاطعة كل من سافر إلى هناك، كل من روّج للذهاب هناك، وتتسع الدائرة؛ علينا أن نقاطع من لا يريد المقاطعة.

يبدو أن جل الإجراءات المفروضة على الموقف المقاوم للاحتلال في رأيي مصدرها الأساسي هو التحليل القومي للقضية، إسلاميًا كان أو عروبيًا، ولا علاقة له أبدًا بما ندعيه عن الأمل في الدولة الواحدة، إن كنّا نأمل في دولة واحدة تضم مواطني إسرائيل ومواطني فلسطين، والسكان المهجرين في دول الشتات.

حسنًا، لم يعد أحد يقول إننا بعد الانتصار على الأيدولوجية العنصرية الإسرائيلية، سنرمي السكان ذوي الأصول الغربية في البحر المتوسط. لكن لماذا يتوجب علينا، عندما نصل لنقطة الحل هذه، التعامل مع هؤلاء وكأنهم ظهروا فجأة ؟ لماذا تتوجب علينا مقاطعة كل ما يتعلق بهم، بما فيه إسهامهم في التكنولوجيا أو الفن أو المعمار أو الصحافة؟ أتحدث هنا عن الإنتاج الإنساني، لا عن الدعاية الصهيونية الداعية لنفس الحل الذي يطرحه القوميون، الدولتيون، عندنا، وإن كان بشروط مختلفة.

وبمناسبة الحديث عن الإنتاج المعرفي المروّج للعنصرية الإسرائيلية، فيما سيضر القضية تعاملنا مع هذا الإنتاج؟ هل ستتحرك مشاعرنا الانسانية في اتجاه مغاير لما اعتادت عليه؟

حسنًا، لقد تغيرت بالفعل عندما عايشنا بأعيننا جرائم أبناء قوميتنا.

هل الأسس التي بُني عليها موقفنا من القضية مرتبكة لدرجة أن تتأثر بالدعاية الإعلامية؟ في الواقع، إن كانت ذلك، فعلينا أن نقبل بأن موقفنا لم يكن سليمًا من الأساس.

يبدو لي أن مناهضة خطاب ما تستدعي النظر له جيدًا والتحديق فيه وتشريحه تفصيلًا ومن ثم مناهضته. لا يقبل العصر الحالي، بسيولة الاتصالات وانفتاح المجال المعرفي فيه، بالمواجهات العمياء. يجب أن تنطلق المواجهة  من المعرفة أولًا. والمعرفة عادةً ما تبدأ بالشك وطرح الأسئلة التي يحاول الجميع الهرب منها.. والسؤال الأساسي هنا هو: ماذا نريد من القضية الفلسطينية؟

بعد الإجابة على هذا السؤال سنرى إن كنّا نريد قتل الأجيال المولودة على أرض فلسطين التاريخية، أم أن البعض صادق بالفعل عندما يقول إنه مع الدولة الديمقراطية الواحدة.

اعلان