Define your generation here. Generation What
البرلمان يُعدل «الزراعة»: الأرز المتهم الأول بإهدار المياه.. والحبس ضمن العقوبات
 
 

وافق البرلمان في جلسته العامة، الأحد الماضي، على تعديلات قانون الزراعة، بعد مناقشات محتدمة حول تغليظ العقوبات على المزارعين المخالفين، والتي تصل إلى الحبس ستة أشهر وغرامة تصل إلى عشرين ألف جنيه. مشروع القانون الذي قدمته الحكومة بعد أن وافق عليه مجلس الوزراء في ديسمبر 2017 يهدف إلى ترشيد استهلاك المياه خاصة في المحاصيل الزراعية الشرهة للمياه، وعلى رأسها الأرز، وتحسين فاعلية الأراضي الزراعية.

التعديلات تشمل ثلاث مواد من قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966، المواد المعدلة هي: المادة الأولى، حيث تم إقرار دور لوزير الري والموارد المائية بالتنسيق مع وزير الزراعة في اتخاذ القرارات بشأن حظر زراعة محاصيل معينة في مناطق محددة. والمادة الثانية، التي أقرت تحديد مناطق لزراعة محاصيل معينة دون غيرها من الحاصلات الزراعية بالتنسيق بين الوزارتين، وأخيرًا المادة 101 الخاصة بالعقوبات، والتي كانت تنص على غرامة تتراوح ما بين 20 إلى 50 جنيهًا على الفدان الواحد للمزارعين المخالفين للمواد 1،2،3،4 من القانون، لتصبح العقوبة بعد التعديل الحبس ستة أشهر، وغرامة تتراوح بين ثلاثة آلاف و20 ألف جنيه، بحسب اليوم السابع.

كانت الحكومة قد بدأت في فبراير الماضي خطة لترشيد استهلاك المياه، وذلك عبر الحد من زراعة ثلاثة محاصيل شرهة للمياه وهي الأرز، قصب السكر، والموز، وقررت تقليص مساحة الأرز المزروعة إلى 723 ألف فدان، بدلًا من مليون و70 ألف فدان في العام الماضي.

تطبيق هذا القرار، بعد إصدار القانون، بما يشمل فرض عقوبات على المزارعين المخالفين، أثار غضب المزارعين في 18 محافظة، تقرر تقليص مساحة الأرز المزورع بها.

بعد إقرار القانون صرح المتحدث الرسمي لوزارة الزراعة، حامد عبد الدايم، في مداخلة هاتفية مع أحد القنوات الفضائية، أن الدولة تعاني من مشكلة نقص المياه، والقانون يساعد على ترشيد الاستهلاك.

يأتي إقرار هذا القانون بعد أيام من إعلان كلًا من وزير الخارجية السوداني، إبراهيم الغندور، ونظيره المصري، سامح شكري، فشل المفاوضات حول سد النهضة الأثيوبي، والتي جرت بداية أبريل الجاري في أديس أبابا بحضور وزراء الخارجية والري ورؤساء أجهزة المخابرات لدول مصر والسودان وإثيوبيا. ورغم دعوة مصر لاحقًا الدولتين لاستئناف المباحثات في القاهرة، إلا أنها لم تُجر حتى الآن.

بينما نفى وزير الري، محمد عبد العاطي، اليوم السبت، علاقة تقليص زراعة الأرز بسد النهضة قائلًا: «إحنا من قبل بداية سد النهضة ونسعى لتخفيض مساحات الأرز لتوفير مياه الري حفاظًا على مقدرات مصر من مياه النيل خاصة مع الزيادة المستمرة في السكان، فمحصول الأرز للأسف يستهلك مياه كثيرة يمكن الاستفادة منها في زراعات أخرى، ولذلك تم تقنين زراعة الأرز وتحديد مساحات زراعته لعدم إهدار المياه».

يصف  الخبير والمهندس الزراعي وعضو لجنة التضامن الفلاحي، بشير صقر، تأثيرات القانون بـ«الرديئة»، وأن الضرر الأكبر سيقع على صغار المزارعين، بينما كبار المزارعين سيتمكنون من التحايل على عقوبات القانون.

يضيف صقر لـ«مدى مصر» أن هذه التعديلات في الحقيقة ليس لها علاقة بترشيد استهلاك المياه، ولكنها في خدمة مستوردي الأرز الذين لديهم علاقة جيدة بكبار المسؤولين، ولا يريدون الاكتفاء بالإنتاج المحلي الذي سيفرض أسعارًا مخفضة لبيع الأرز في السوق، مشيرًا إلى أن هناك محاصيل عدة تصنف باعتبارها مستهلكة للمياه غير الأرز، كالقصب والذرة.

بينما يرى الخبير في علم الاجتماع الريفي والباحث المشارك في معهد بحوث التنمية بجنوب فرنسا، صقر النور، أن «تقليص الأرز سيضر بالسيادة الغذائية لأنه محصول الحبوب الوحيد الذي يفوق فيه إنتاجنا استهلاكنا كما أنه سيزيد من المضاربة على الأرز المصري، ولن يكون متوفرًا بالأسواق، وأتوقع أن يزيد سعره بشكل كبير، فخفض الكميات سيزيد من الطلب على التصدير وسيقوم التجار بالاستحواذ على الأرز لتصديره أو لبيعه بأسعار مرتفعة. في المقابل سيتم استيراد أنواع رديئة لسد حاجة السوق المحلي وقد لا تناسب هذه الأصناف لا الذوق ولا المطبخ المصري وسيؤدي ذلك بالتبعية إلى تدهور في المنظومة الغذائية الهشة في مصر».

حبس الفلاحين

كان جدلٌ قد أثير حول تغليظ العقوبات على المزارعين أثناء مناقشة التعديلات بالبرلمان، حيث صرح النائب أسامة شرشر أنه وعشرين نائبًا آخرين قد قدموا طلبًا بإعادة مداولة مادة الحبس بعد إقرار القانون، قائلًا للوطن إنه «إذا كان اتجاه الدولة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي هو رفض حبس رجال الأعمال، فكيف يكون هناك تشريع لحبس الفلاحين الذين يمثلون رجال الإنتاج، وخط الدفاع الأول عن الدولة المصرية، مع ضرورة إزالة المخالفة فور وقوعها دون الانتظار لحين صدور حكم قضائي، حرصًا على المياه ومن أجل مصلحة فلاحي مصر».

بينما أعلن تكتل 25-30 البرلماني رفضه عقوبة الحبس «الاختيارية»، مقترحًا أن تتضاعف الغرامة في حال تكرار المخالفة. وقال بيان للتكتل: «نذكر الحكومة والأغلبية أنهم كثيرًا ما رفضوا عقوبة الحبس للمستثمرين ولم نعترض على ذلك، إلا أنهم وافقوا على عقوبة الحبس للفلاح، وكنا نأمل أن نهتم بالفلاح وزيادة الدعم الموجه له في الموازنة الجديدة وعودة الدورة الزراعية والسعي لاستخدام سلالات جديدة سواء الأرز (الجاف) والقمح».

من جانبه، أعلن نقيب الفلاحين، عماد أبو حسين، رفضه للتعديلات، لأنها لم تنصف الفلاح وبها «ظلم واضح وصريح»، لافتًا إلى أن مشروع القانون يمنح وزير الزراعة واستصلاح الأراضي سلطة استثناء تطبيق نصوصه على المزارع والحقول المخصصة لأغراض إجراء التجارب والإكثارات الأولى للمحاصيل كما جاء في تعديلات المادة الثانية، مضيفًا أن العقوبات التي يصفها بالقاسية «هتخرب بيت الفلاحين والمزارعين»، مشيرًا إلى أن هناك ظلم سيقع على الفلاحين جراء التعديلات التي أقرها البرلمان، والذى من المفترض أن يكون مدافعًا عن الفلاح وليس ضده، على حد قوله.

وكان المتحدث الرسمي لوزارة الزراعة قد أضاف في مداخلته أن الهدف من القانون ضبط زراعة المحاصيل وليس توقيع العقوبة.

يرى النور أن «تغليظ العقوبة على الفلاحين المخالفين هو استمرار للممارسات السلطوية للدولة، وهذا يتناقض تمامًا مع السياسات الزراعية الليبرالية التي تنتهجها الدولة منذ أن حررت القطاع الزراعي عام 1992».

ويقترح النور استبدال العقوبات الصارمة بإغراءات ومكافآت زراعية للفلاحين في المساحات غير المخصصة للأرز، وإرشادات بمحاصيل بديلة، وتقاوي ذات جودة عالية، وتحسين للتربة، وتوفير الأسمدة، «لو استبدلت الدولة القمع بالامتيازات قد يحدث هذا تحولًا تدريجيا بطريقة لا تضر بسبل عيش البشر أو البيئة»، يقول الباحث.

الأرز متهمًا

حظي محصول الأرز باهتمام كبير أثناء المداولات بالجلسة العامة للبرلمان، رغم أنه هناك محاصيل أخرى شرهة للمياه مثل القصب والموز، ما دفع النائب إبراهيم القصاص للقول: «الموز يستهلك كميات كبيرة من المياه أيضًا، لكن من يزرعونه هم المستثمرون، لكن الأرز يزرعه الفلاحون»، بينما أشار نائب آخر أن هناك أراضٍ لن تصلح للزراعة إلا بعد زراعة الأرز بها، الأمر الذي دفع رئيس مجلس النواب، علي عبد العال، للرد بأن «المسألة ليست الأرز والسكر، فأنتم لا تقدّرون خطورة هذا الكلام، كأن عندنا ميّه عايزين نوزعها يمين وشمال، نزرع رز ونزرع غيره، مصر تعاني من فقر مائي».

«تخفيض المساحة المزروعة من الأرز إلى 700 ألف فدان قرار غير حكيم نظرًا لأن المساحة المزروعة العام الماضي كانت 1.8 مليون فدان، رغم أن المساحة المحددة من قبل الدولة 1.2 مليون فدان. ما تطلبه الدولة هو أقل مرتين ونصف عن واقع الأرز المنزرع العام الماضي. تحاول الدولة فرض ذلك دون طرح تساؤلات عن أسباب زيادة المساحة واستمرار زراعة الأرز بكثافة. افترضت الدولة أن سبب عدم الالتزام الفلاحين بقراراتها هو غياب العقاب الرادع ولذلك قامت تغليظ العقوبة»، يقول النور.

في هذا السياق، دعا عبد العال وزيرا الري والزراعة للحضور إلى البرلمان لعرض خارطة توزيع «عادلة» للحاصلات الزراعية، وفق المتوفر من المياه.

يقول بشير صقر إن هناك حوالي تسع محافظات تزرع الأرز، من ضمنها  البحيرة، كفر الشيخ، دمياط، الدقهلية، الغربية، الشرقية، الفيوم، والأرز بالنسبة للمزارعين ليس فقط أمرًا مجزي اقتصاديًا، وهم على خبرة بطرق زراعته، ولكنه مفيد أيضًا للأرض الزراعية مرتفعة الأملاح.

ففي محافظة الفيوم، على سبيل المثال، لأنها أراضيها منخفضة، تترسب بها الأملاح، يقوم المزارعون بزراعة الأرز ليس فقط للربح الاقتصادي، ولكن أيضًا لـ«غسل الأرض»، فدون ذلك لن يتمكن المزارعون حتى من زراعة محاصيل أخرى، حيث أن الأرض الزراعية ستفسد، وبالتبعية ستفسد المحاصيل المزروعة، بحسب صقر.

يضيف صقر، أن محاولات السيطرة على المساحات المزروعة من الأرز تسبق مشكلات المياه، «في العام 2008 قررت وزارة الزراعة منع زراعة الأرز في بعض المناطق بثلاث محافظات، هي الفيوم، الشرقية، والغربية، إلا أن بعض مزارعي الفيوم لجأوا للقضاء، وحصلوا على حكم بالسماح لهم بزراعة الأرز، وحين قاموا بتنفيذ الحكم، قامت السلطات بتجريف الأراضي المزروعة، وحبس بعضهم».

ينفي صقر علاقة تحجيم زراعة الأرز بمشكلة المياه، موضحًا أن هناك طرق تم ابتكارها من مزارعين وباحثين مصريين تسمح بزراعة الأرز باستخدام طرق ري لا تستهلك مياه كثيرة، بل وأنه هناك سلالات أرز يمكن زراعتها في الصحراء.

ويوضح أنه في العام 2004، ابتكرت نوال خميس، مهندسة زراعية من الفيوم، طريقة للري تدعى «المصاطب» عوضًا عن طريقة الغمر بالمياه، والتي توفر حوالي خمسة آلاف متر مكعب مياه للفدان، ففدان الأرز يحتاج بطريقة الغمر إلى تسعة آلاف متر مكعب، بينما بطريقة المصاطب يستهلك الفدان ثلاثة آلاف متر مكعب فقط، وقامت بتطبيقها في أرضها الزراعية وبعض الأراضي بالفيوم، ورفضت وزارة الزراعة تعميم الأمر، كذلك اخترع، سعيد سليمان، أستاذ الوراثة في كلية الزراعة، منذ سنوات سلالة أرز تدعى سلالة الجفاف، واختبر زراعتها في أراضٍ صحراوية بطريقة الرش، ورفضت أيضًا الوزارة اعتماد هذه السلالة.

منع زراعة الأرز لا يضر فقط المزارعين وأسرهم، إنما يضر أيضًا مضارب الأرز والمستهلكين بالنهاية، بحسب صقر، الذي يعتبر أن موافقة البرلمان على تعديلات هذا القانون، «إما لجهل أو لمصلحة».

يوضح النور، أن ربط زراعة الأرز بالمياه أمر قديم بدأ مع الحقبة الناصرية، وزادت النداءات لتقليل المساحة المزروعة منه مع تنامي مشروعات استصلاح غرب وشرق الدلتا والتي تحول الكثير منها إلى منتجعات سكنية مزروعة بملاعب الجولف وحمامات السباحة والزراعة الترفيهية، وكان الهدف توجيه المياه إلى الحاصلات التصديرية، والآن يتم الهجوم على المحصول من أجل مواجهة الأزمة المترتبة على بناء سد النهضة، ولكن بحسب النور، هناك مبالغة مقصودة في تقدير أثر زراعة الأرز على استهلاك المياه.

لكن مع ذلك، يرى النور أن الدولة تتجاهل إهدار المياه عبر «التوسع في عمليات الاستصلاح، وكميات المياه المهدرة عبر البخر في البيئات الصحراوية، خاصة أن غالبية الترع غير مغطاه وبعضها غير مبطن، بالإضافة إلى الاستمرار في إنتاج الأعلاف وتصديرها، فهناك آلاف الأفدنة بالمناطق المستصلحة خاصة بالعوينات تصدر مجمل إنتاجها إلى مزارع الأعلاف بالخليج».

يختتم النور أن المشكلة ليست في قرار تقليص الأرز، ولكن في غياب فتح نقاش مجتمعي حول المياه والتقاسم العادل للمسؤولية بين الفئات المجتمعية المختلفة، فهناك أزمة مياه، ولكنه يتساءل لماذا يتحمل فلاحو الدلتا وحدهم أعباء هذه الأزمة؟ مشيرًا إلى إمكانية توفير المياه عبر الاستثمار في صيانة وإصلاح شبكة مياه الشرب وشبكات الري والصرف، أو عبر تبطين الترع والمصارف وتنظيفها والاستثمار في زراعة بيئية مستدامة، والتوقف عن إهدار المياه في مشروعات مثل توشكي والعوينات ومشروع السلام وغيرها من مشروعات الاستصلاح، فالمسؤولية الاجتماعية على الجميع أن يتحملها.

اعلان
 
 
هدير المهدوي