Define your generation here. Generation What
«شعور أكبر من الحب».. المثقفون لا يملكون الإجابات
 
 

«ماذا يمكن أن تحكي لنا أشباح احتجاجات الماضي؟» يتساءل فاصل مكتوب على الشاشة في فيلم المخرجة اللبنانية ماري جيرمانوس سابا «شعور أكبر من الحب» (2017)، الفائز بجائزة لجنة التحكيم للاتحاد الدولي لنقاد السينما  (فيبريسكي) في الدورة السابعة والستين لمهرجان برلين  السينمائي، والذي يعرض هذا الأسبوع بالقاهرة في إطار الدورة الثانية لمهرجان أيام القاهرة السينمائية.

استغرق «شعور أكبر من الحب» من الكاتبة / المخرجة اللبنانية ماري جيرمانوس سابا، حوالي سبع سنوات في صنعه، وقامت المونتيرة المصرية لولي سيف بعمل المونتاج له. يمزج الفيلم المقابلات الشخصية مع اللقطات الأرشيفية ومقاطع من أفلام حربية لبنانية ليحكي قصة إضرابين، أحدهما في شركة تبغ بالجنوب اللبناني والآخر في مصنع بسكويت (غندور) ببيروت، وذلك في أوائل سبعينيات القرن الماضي. هذان الإضرابان اللذان يحكي عنهما الفيلم، غائبان إلى حد كبير عن الذاكرة الجمعية للبلد، بسبب فشلهما وفشل الحركة الثورية الأكبر المحيطة بهما، وكذلك بسبب بدء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.

درست صانعة الفيلم ذات الخمسة وثلاثين عامًا الدراسات الاجتماعية والجغرافيا في الولايات المتحدة قبل أن تقضي سنوات عديدة في أمريكا اللاتينية كمُنظِّمة للعمال المزارعين وكمنتجة في تليفزيون محلي. وقد قررت صانعة الفيلم بعد اكتشاف المزيد عن انتفاضة 1972 في لبنان والثورة التي كادت أن تشعلها، تحركها الانتفاضات التي قامت في المنطقة العربية عام 2011، والتي دفعتها إلى أن تتساءل: هل نكرر نفس الحركات؟ هل تقربنا هذه الحركات من العدل والمساواة؟ وماذا يمكننا أن نفعل مع الرغبة في التغيير والاتحاد الآن؟

بوضعه نفسه في سياق التراث اللبناني القوي لصناعة الأفلام الحربية، يفتح فيلم سابا سبلًا للتأمل حول الفشل الجماعي لليسار في لبنان عن طريق مجاورة لقطات من أعمال صانعي الأفلام النشطين في السبعينيات، مثل كريستيان غازي ومارون بغدادي، مع لقطات حديثة للعمال الذين شاركوا في الإضرابين وهم يعيشون حياة هادئة في أماكن لم تتغير كثيرًا بعد أربعين عامًا. يجمع الفلاحون أوراق النبات ليبيعوها لشركة التبغ، التي لا تزال تحتكر الصناعة حتى الآن. وعندما تأخذنا المخرجة إلى مصنع (غندور) عبر فيلم حربي قديم، ندرك عبر قطعات المونتاج أنه يوجد في المكان الذي يقف فيه مول بيروت الآن.

جزء كبير من فيلم «شعور أكبر من الحب» مُكرَّس لعدد من الروايات عن فاطمة خواجة، وهي فتاة في سن المراهقة ماتت شهيدة الإضراب، وتم استغلال قصتها – كإنسانة مولودة في الجنوب المنتج للتبغ نزحت لتعمل في مصنع (غندور) – من قبل (الحزب الشيوعي) و(منظمة العمل الشيوعية) للحصول على مكاسب سياسية.

تتحدث ماري سابا مع أعضاء من الحزب ومع زملاء فاطمة وعائلتها وجيرانها، والذين يسرد كل منهم رواية مختلفة عن اشتراكها في الإضراب؛ بداية من أنها كانت عضوة قوية في الحزب، إلى أنها حتى لم تعمل أبدًا في المصنع. رغم أن تعدد الروايات وتضاربها، خلق بعض الارتباك أثناء مشاهدة الفيلم، إلّا أنه مكَّن ماري سابا من تفادي تحويل فاطمة إلى شخصية رومانسية، ومن الإشارة إلى أسئلة أكبر حول استغلال ذكرى الشهداء؛ وهي النقطة التي تُحسب للفيلم.

على غرار فيلم « برّه في الشارع» (2015) لياسمينا متولي وفيليب رزق، تستخدم ماري سابا أيضًا إعادة التمثيل في فيلمها متعدد الطبقات، فتأتي برجل عجوز، لتصوّره وهو يقود سيارته المرسيدس القديمة متجولًا في جنوب لبنان مستخدما مُكبِّر صوت يدعو فيه المارة إلى عدم قبول الوضع الراهن، وإلى التمرد والانضمام إلى الإضراب في مصنع التبغ. لكن لا أحد حتى يجفل لمرأى احتجاجه الوحيد.

 

1

من جانب آخر، يمكن اعتبار فيلم (شعور أكبر من الحب) فيلمًا نسويًا. بحثت سابا عن النساء اللاتي اشتركن في الإضرابين وظهرت الكثيرات منهن في الفيلم الوثائقي، ليتحدثن عن عملهن الحركي، لكن ليتحدثن أيضًا، عن الدور المفروض عليهن كـ«صانعات ساندويشات» للمحتجين. إحدى الشخصيات الرئيسية هي نادين، أرستقراطية انضمت إلى (منظمة العمل الشيوعي) مساعدة في حشد عاملات المصنع، والتي انتقلت بعد ذلك إلى فرنسا عند اندلاع الحرب. في مشهد فاتن تجمعها سابا مع العديد من نشطاء السبعينيات الآخرين الذين أجرت معهم مقابلات شخصية ليتأملوا في كيف كانت أحلامهم في ذلك الوقت، وكيف هو الواقع الآن، وأين سار بهم الطريق في الاتجاه الخاطئ. تقول نادين: «ليس المثقفون هم من يملكون الإجابات. إذا كان هناك أحد سيعرف كيف السبيل إلى الخروج من الموقف الذي نحن فيه الآن، فإن العمال هم الذين سيأتون بهذا الحل».

بتضمينها نصوصها الخاصة وأسئلتها داخل الفيلم، تخلق سابا سردًا شخصيًا مشحونًا يبدو فيه تاريخ لبنان عالمًا مصغرًا لمصير المنطقة بأكملها. مع سقوط البلاد التي قادت هبَّات 2011 في الحرب الأهلية أو الانقسامات الاجتماعية والسياسية العميقة، يبدو فيلم (شعور أكبر من الحب) وثيقة للتأمل المُلّح في كيفية تجنب أخطاء الماضي، وكذلك للتأمل في ما يمكن أن يكون عليه دور السينما. يشير عنوان الفيلم إلى ذلك الشعور  الذي سيتعرف عليه الكثيرون ممن شاركوا في الاحتجاجات أو الإضرابات، لكنه يتركنا لنتساءل إذا كان ذاك الشعور كافيًا لخلق تغيير حقيقي.

كتب أعضاء لجنة تحكيم جائزة فيبرسكي : ساسيا كويتسير، رشا حسني، روديجير سوشلاند عن فيلم سابا: «السينما الوثائقية في أفضل حالاتها، هذا الفيلم مثير وفاتن ومحفز..« وأنه: «مليء بالسوداوية، لكنه مليء بالأمل، والتوق لمستقبل أفضل. » شخصيا لا أرى الفيلم عملًا متفائلًا بنفس القدر، وإنما أراه كإسهام هام في الحوار حول ما يمكن أن تكون عليه البدائل الأفضل.

اعلان
 
 
روان الشيمي