Define your generation here. Generation What

عن سوريا والعراق: تاريخ من «الكيماوي» والنفاق الغربي

لا حديث في العالم هذه الأيام سوى عن الضربة الجوية التي شنتها دول أمريكا وبريطانيا وفرنسا على بعض معاقل الجيش السوري، أو كما أسمتها بعض وسائل الإعلام السورية، «العدوان الثلاثي»، في محاولة لاستعادة الذكريات القومية ولاستحضار مصطلحات قديمة كـ«الوقوف في وجه الإمبريالية» وغيرها.

وفق ما أعلنت واشنطن، كانت الضربة الأمريكية ردًا على استخدام النظام السوري للأسلحة الكيمياوية في قرية دوما التي تسيطر عليها المعارضة بالغوطة الشرقية، ما أسفر عن مقتل حوالي الثمانين مواطنًا.

طوال سبع سنوات من الدم والنار بالساحة السورية، سقط خلالها مئات الآلاف من السوريين الأبرياء بكل أنواع الأسلحة التقليدية والمتطورة، لم تنتفض أمريكا وحلفائها، ولكنها تحركت بعد استخدام السلاح الكيمياوي، لأن أوروبا تعتبره خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه، وفق ما صرح به المتحدث باسم الرئاسة الفرنسية.

سرعة التفاعل الغربي مع كيمياوي دوما، رغم قلة ضحاياه قياسًا بجرائم سابقة للنظام السوري، تشير إلى أن الخلاف ليس على القتل، بل فقط على طريقته؛ مسموح للنظام قتل الأبرياء والمدنيين بأي عدد وأي طريقة شاء، باستثناء السلاح الكيمياوي!

ولكن، حتى مع هذا، يؤكد التاريخ، كما سنرى تاليًا، أن تعاطي الغرب مع جرائم الكيمياوي، ضد شعوب الشرق الأوسط بالذات، يقوم على المصالح، وليس على وازع أخلاقي أو قيمي كما تزعم دول «العدوان».

الكيمياوي والقانون الدولي

ظهر السلاح الكيمياوي للمرة الأولى بقوة خلال الحرب العالمية الأولى. ووفقًا لما يقوله توماس ناش، مراقب تسلح يعمل مع هيئة مقرها بريطانيا، في تصريحات سابقة لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، فإن خطورة السلاح الكيمياوي تكمن في كون آثاره لا تُرى بالعين، ولا يمكن الهرب منها، مع كونها تسبّب موتًا شديد الإيلام، مضيفًا:

«كان يفترض أن يتعلم العالم من فظائع الأسلحة الكيميائية خلال الحرب العالمية الأولى، وألا يستخدمها، لكن لم تمر سوى بضع سنوات على مجازر الحرب الأولى قبل أن تستخدمه بريطانيا ضد الأكراد العراقيين، وفي أفغانستان أيضًا، وذلك قبل حظرها نهائيًا في بروتوكول جنيف لعام 1925.»

محاولات عديدة بُذلت حول العالم لحظر استخدام الأسلحة الكيمياوية، تُوجت بتوقيع اتفاقية بهذا الشأن، لتدخل حيز التنفيذ في 29 أبريل 1997. وشملت الاتفاقية 192 دولة، في حين رفضت أربع دول فقط التوقيع عليها؛ إسرائيل ومصر وكوريا الشمالية، وجنوب السودان.

ورغم تكرار المجتمع الدولي على أنه لا تسامح مع استخدام الأسلحة الكيميائية، إلا أن الآلاف لا يزالون يقضون نحبهم بسبب استخدامها في عدد من مناطق النزاعات في العالم، خاصة أن الكثيرين لا يلتزمون بالاتفاقات الدولية ولا يعيروها أي انتباه قبل ارتكاب جرائمهم.

والغريب أن الأسلحة الكيمياوية لم تُستخدم بشكل كبير في الحروب التي قامت بها دول الشرق الأوسط، وإن كانت استُخدمت من قبل بعض الأنظمة هناك ضد مواطنيها الباحثين عن حقوقهم وحرياتهم.

كما أن الغريب في وقائع استخدام السلاح الكيمياوي بالشرق الأوسط هو تباين تعامل الدول الكبرى مع الجريمة، بصورة تكشف بشكل كبير عن نفاق المجتمع الدولي وتباين معاييره.

دراما الكيمياوي بسوريا

منذ اندلاع الأزمة السورية، وثّق محققو جرائم الحرب التابعون للأمم المتحدة 33 هجومًا كيمياويًا في سوريا، ونسبوا 27 منها إلى الحكومة السورية، وفقًا لقناة دويتش فيللا الألمانية.

لكن قناة سكاي نيوز ذكرت معلومات لم تعلن مصدرها، وبمفادها فمنذ هجوم أغسطس 2013، وقع 144 هجومًا موثقًا بالسلاح الكيمياوي، وتضمن غاز الخردل والكلورين والفسفور والسارين وغيرها من المواد السامة.

أما «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، وبحسب موقع «المدن» فقد ذكرت في تقرير لها أن قوات النظام السوري نفذت 214 هجومًا كيمياويا ضد المعارضة، فيما تسبب بمقتل ما لا يقل عن 1421 شخصًا، بينهم 187 طفلًا و244 سيدة، دون محاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم.

في حين رأت منظمة هيومان رايتس ووتش أن سوريا شهدت، منذ بداية الأزمة، 85 هجومًا بالأسلحة الكيمياوية، كان النظام مسؤولًا عن معظمها.

ولكن الهجمات الكيمياوية الأخيرة بسوريا هي وحدها ما حظيت، ودون غيرها، باهتمام دولي ورد فعل سريع من جانب القوى الكبرى، أو هكذا يبدو الأمر.

هجوم السابع من أبريل الذي قصفت فيه الطائرات السورية بالأسلحة الكيمياوية مدينة دوما، ما أدى إلى مقتل حوالي الثمانين شخصًا على الأقل، قوبل بردود فعل دولية سريعة؛ أدانه الرئيس الأمريكي ترامب والفرنسي ماكرون، بل وكتب ترامب على تويتر «الرئيس بوتين وروسيا وايران مسؤولون عن دعم الأسد الحيوان.. سيكون الثمن باهظًا»!

لم يتأخر الرد العسكري على هجوم دوما كثيرًا، فبعد سبعة أيام فقط من الجريمة، وبعد أن حدّدت منظمة منع انتشار الأسلحة الكيمياوية العنصر القاتل في الهجوم بأنه غاز السارين، شنّت واشنطن ولندن وباريس عملية عسكرية سريعة على مواقع تابعة للجيش السوري، فيما يمكن اعتباره التعاطي الغربي الأسرع مع السلاح الكيمياوي خلال 2017.

وبعد يومين فقط من الحادث قصفت مدمرات أميركية، بـ59 صاروخًا من طراز توماهوك، قاعدة الشعيرات السورية، والتي يُعتقد أنها مكان انطلاق الطائرات السورية.

ورغم سرعة رد الفعل الغربي تجاه الجرائم الكيمياوية بسوريا، إلا أن منظمة هيومان رايتش ووتش اعتبرت في تقرير لها أن الجهود الدولية لمنع الأسلحة الكيمياوية باءت بالفشل، ولم تسفر عن أي نتائج إيجابية، لافتة إلى أن الأمم المتحدة ومنظمة الأسلحة الكيمياوية لم يضاعفا جهودهما لردع النظام، كما أن مجلس الأمن الدولي يراقب تلك الجرائم في صمت.

بعيدًا عما يحاول قادة الغرب تسويقه للرأي العام العالمي، حول حزمهم تجاه السلاح الكيمياوي في سوريا، فالوقائع تشير إلى أن رد الفعل الغربي ربما كان باتفاق مع موسكو، الراعي الرسمي للنظام السوري، وهو ما كشف عنه مسؤول بالبنتاجون عقب القصف الأمريكي الأخير على سوريا.

عمومًا، بدا أن هناك اتفاقًا في سوريا على مسلسل درامي يرضي الجميع، ويخرج منه الجميع منتصرًا؛ واشنطن تعلن أنها انتقمت للضحايا الأبرياء، كما تعلن دمشق أنها أوقفت «العدوان الثلاثي».

كيمياوي العراق والعار العالمي

في الرابع عشر من أبريل من كل عام، يحيي الأكراد بشمال العراق ذكرى حملة «الأنفال» التي نفذها نظام البعث بحق أكراد العراق، تلك الحملة التي سعى فيها نظام صدام حسين لحل غير تقليدي للقضية الكردية؛ إبادة الشعب الكردي عن بكرة أبيه!

رغم خوض صدام حسين لحروب كثيرة، إلا أنه لم يستخدم فيها الأسلحة المحرمة، لا خلال حربه مع إيران أو الكويت ولا في مواجهة التحالف الدولي في حرب الخليج الثانية، فقط استخدمها في إبادة المواطنون العراقيين من أبناء القومية الكردية، ليكون له السبق كأول زعيم عربي يقتل شعبه بالكيمياوي!

«علي الكيمياوي» ليس اسم سائق توكتوك بالقاهرة، أو صاحب دولاب مخدرات بأحد عشوائياتها، بل هو مسؤول عربي بارز كان، حتى سنوات قليلة، ملأ السمع والأبصار.

علي كيمياوي، كما اشتهر في وسائل الإعلام بعد سقوط النظام العراقي، أو «علي حسن المجيد» كما هو مدون ببطاقة هويته، كان مسؤولًا كبيرًا بحزب البعث في عهد الرئيس السابق صدام حسين، واشتهر بهذا الاسم لكونه المسؤول عن «حملة الأنفال» التي استُخدمت فيها كل الأسلحة المحرمة، وخاصة السلاح الكيمياوي، في قصف القرى الكردية بشمال العراق، ما أسفر وقتها عن مقتل أكثر من خمسة آلاف مواطن بقرية حلبجة وحدها، وعن مقتل 100 ألف كردي، دُفن الكثير منهم أحياء، وتدمير أكثر من ألفي قرية كردية، حسب تقرير منظمات حقوقية.

كان ذلك ضمن عملية أسماها النظام العراقي «الأنفال»، على اسم السورة القرآنية، في محاولة من نظام البعث الاشتراكي لكسب التعاطف الشعبي والإقليمي، وتصوير الصراع مع الأكراد بوصفه صراعًا دينيًا وليس قوميًا، ولاتهام الأكراد بالردة على الدين، بهدف تبرير إبادتهم.

«راح أضربهم بالكيمياوي وأموتهم كلهم… الدولي؟ إنعل أبو الدولي، لأبو اللي يفزع من كل دول الله»، بهذه العبارة اعترف علي الكيمياوي باستخدام الغازات السامة والكيمياوية ضد الأكراد في ثمانينيات القرن الماضي، في تسجيل صوتي متداول نشرته مصادر عراقية.

وقعت الحملة بينما كانت الحرب العراقية الإيرانية موشكة على نهايتها، وقدرت منظمة هيومان رايتس ووتش عدد القتلى في الحملة بحوالي 100 ألف، وذلك استنادًا إلى وثائق حصلت عليها بعد حرب الخليج الأولى، بحسب موقع بي بي سي.

الغريب في الأمر أن كل جرائم صدام تجاه أكراد العراق، والتي وصلت لحد الإبادة الجماعية واستخدام الأسلحة الكيمياوية، لم تحرك ساكنًا لدى المجتمع الدولي في ذلك الوقت، فضلًا عن الدول العربية.

قال برادوست ميتاني، الكاتب الكردي وأحد معاصري هجمات الأنفال، لـ«مدى مصر»، إن الغاز الذي استخدمه صدام كان بعضه من أمريكا وأوروبا وأكثره من الاتحاد السوفييتي، والذي كان صدام بمثابة طفل مدلل لديه، ضمن اتفاقية «الصداقة السوفيتية العراقية»، كما كان صدام حليفًا لحلف وارسو الشيوعي، وعضوًا بمؤتمر عدم الانحياز الذي رعاه فيدل كاسترو والسوفييت.

وبحسب جوناثان براندل، صاحب كتاب «أمة في شقاق»، فإن صدام لم يكتف بشن هجوم واحد، بل شن في العام 1987 هجمات متكررة بالأسلحة الكيمياوية على أكراد العراق، ففي أبريل من هذا العام وقع أول هجوم بالأسلحة الكيمياوية ضد المدنيين الأكراد، وعلى امتداد الثمانية أشهر التالية استخدم النظام غازاته السامة ضد ستين قرية كردية، دون خشية من عواقب تلك الأعمال، في ظل عدم صدور أي إدانة حازمة وعلنية من أي العواصم الكبرى في العالم.

أما بخصوص الموقف العربي من تلك الجريمة، فقد كشف ميتاني أن الجريمة تزامنت مع انعقاد المؤتمر العالمي الاسلامي بالكويت، ولم يتفوه وقتها أحد، بل أن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات تساءل وقتها: «هل تريدون من صدام رش الكرد بالورود؟»

في كتابه، ذكر براندل أنه حتى وقوع الغزو العراقي للكويت، امتنعت الأجهزة التابعة للأمم المتحدة عن إصدار أي بيان ينتقد الانتهاكات العراقية لحقوق الانسان، كما امتنعت عن الضغط على بغداد لوقف هذه الممارسات، لكن غزو صدام المفاجئ للكويت، بهدف ضمها للعراق، دفع المجتمع الدولي لإدانة انتهاكات بغداد بشدة وبصراحة!

وبحسب راندل، الذي كان متواجدًا بكردستان وقت وقوع حملة الأنفال، فإن ما يلفت النظر هو زعم حكومات الدول الغربية أنها كانت تجهل انتهاكات صدام حسين لحقوق الإنسان قبل غزوه للكويت في العام 1990، في محاولة لتبرير تغاضيها عن سياساته.

ولفت براندل النظر إلى أن الحكومات الغربية الحريصة على مصالحها في السوق العراقية لم تكتف بجريمة الصمت، بل عمدت إلى الدفاع عن صدام حسين والتحايل على اتفاقية جنيف التي وقّع عليها العراق لحظر الاسلحة الكيمياوية، زاعمة أن الاتفاقية لم تنص على وجوب امتناع الدول الموقعة عليها عن استخدام الأسلحة الكيمياوية ضد مواطنيها، وبالتالي فليس بإمكان الأكراد المطالبة بإدانة بغداد!

ويرى براندل أن الدول الغربية كانت ترى أن الدور الذي يلعبه العراق في مواجهة الأصولية الإيرانية يشكّل مبررًا كافيًا لغض الطرف عما يرتكبه صدام من تجاوزات خلال الحرب.

ختامًا، يبقى السلاح الكيمياوي، كمادة، هو البريء الوحيد في ظل أنظمة مستبدة لا تراه سوى أداة قتل وتأديب لمعارضيها، وفي ظل مجتمع دولي لا يرى للإنسان قيمة، خاصة إذا كان قدر ذاك الإنسان أن يكون شرق أوسطيًا.

اعلان
 
 
محسن عوض الله