Define your generation here. Generation What

الأقباط والتطبيع: العودة إلى ما لم يعد بديهيًا

يُنشر هذا المقال في إطار سلسلة «نقاشات حول المقاطعة»، التي بادر بها موقع «مدى مصر» لتشجيع الكتّاب العرب على سرد آرائهم حول مقاطعة إسرائيل والتطبيع معها.

كان الرجل قد صعد على المنبر، بعد مقدمة قصيرة من أحد إخوة الجمعية. وكانت هذه أول مرة لي أرى رجلًا أشقر بمثل هذا القرب، حيث كنت أجلس في الصف الأمامي، كعادتي في اجتماع الجمعة المسائي.

الرجل، الذي عرف نفسه باسم «القس يوناثان»، بدا لي وسيمًا جدًا، حتى أنني لم أستطع رفع عيني عنه للحظة طوال عظته. ربما كانت ملاحته سببًا إضافيًا لتعاطفي معه، وهو يروى لنا قصته، بحسن نية، سيجلب له المتاعب بعد قليل.

ولد يوناثان في كيبوتز لا يبعد كثيرًا عن الحدود اللبنانية، لأبوين تعود أصولهما لبولندا. بعد إتمامه تعليمه الثانوي، خدم في الجيش الإسرائيلي، وأصابته هذه الخبرة باضطراب كبير، لاحقه لوقت غير قصير بعدها.

 في مطلع الثلاثين من عمره، أضاء الرب طريق يوناثان، وقاده إلى أن يصبح خادمًا له، بعد تحوله من اليهودية إلي المسيحية.

في فرع جمعيتنا «خلاص النفوس»، في شرق القاهرة، كان الحديث في السياسة محرمًا، والمنبر له قدسيته، وفكرة مقاطعة من يعتليه لم تكن واردة على الإطلاق.

لكن في تلك الليلة، ضجت القاعة الصغيرة بهمهمات التذمر الخافتة. غادر عدد من الحضور أيضًا بعد قليل، محدثين جلبة متعمدة. في النهاية، سُمح للرجل باستكمال عظته، دون الكثير من اللغط، وإن كان قد دُعي بعدها للقاء مع بعض الحضور، في الدور الأسفل من الجمعية، ربما ليكون بعيدًا عن المنبر هذه المرة.

كنت أصغر الموجودين، في الرابعة عشر من عمري، وسُمح لي على مضض بحضور اللقاء.

لم يحتج الأمر للكثير من الوقت لتبين سبب التردد بشأن وجودي، فسرعان ما علت الجلبة في اللقاء، وبدأ بعض من مسؤولي الجمعية يصرخون في الرجل، والحديث عن جرائم إسرائيل، وحقوق الفلسطينيين المهدورة، وأشياء أخرى كثيرة.

وكلما حاول القس الدفاع عن نفسه، بأنه رافض لسياسات إسرائيل، وناشط في دعمه لحقوق الفلسطينيين، كانت تصدر صيحات أخرى: «إذن لماذا لا تغادر إسرائيل؟ »

كان اللقاء قد انتهى بتوبيخ شديد وُجّه للأخ الذي دعا القس يوناثان للوعظ في جمعيتنا، ولما حاول الأخ الدفاع نفسه، بالقول إنه التقى الرجل في مؤتمر روحي في قبرص لا أكثر، أُسكت عبر القول إن ما فعله يعتبر «تطبيعًا». وكانت هذه إشارة سياسية أخرى لم أتصور أبدًا أن أسمعها يومًا في جمعيتنا.

حين دعيت للمساهمة في ملف «نقاشات حول المقاطعة»، فكرت في تناول الأمر من زاوية علاقته بالأقباط، لا لمناقشة موقفهم هم تحديدًا من سؤال المقاطعة والتطبيع، لكن بالأحرى لتوظيف ذلك العرض لتوسيع المناقشة بشكل أعم، وتبيان مدى تعقيدها، وخصوصية بعض جوانبها وأطرافها، وتنوع سياقاتها وتواريخها الخاصة.

قررت أيضًا البدء بتلك القصة الشخصية، لا لشيء، سوى أنها تركت أثرًا عميقًا في قناعاتي فيما يخص مسالة التطبيع والمقاطعة، وكذا علاقة السياسي بالروحي بوجه عام.

كنت حينها قد شعرت بالإحراج الشديد مما حدث؛ الرجل كان ضيفنا في النهاية، وإن كان دعوته خطأ، فمن دعاه هو الأجدر باللوم. والرجل أيضًا كان أخًا لنا في المسيح، وليس للسياسة أن يكون لها مكان في بيت الرب. وحتى من باب السياسة، فالرجل ليس عدوًا بالطبع، بل وربما كان حليفًا جديرًا بالثقة، لا تجب خسارته. لكن ورغم هذا، فالأمور لم تكن واضحة حينها، وأسئلة كثيرة كانت بلا إجابة حاسمة: هل يجب أن يكون للكنيسة رأي في السياسة، وأن تأخذ مواقف داخلها بناء على مواقف سياسية مسبقة؟ وهل للأقباط أن يكون لهم موقف له «طبيعة الخصوصية» من قضية التطبيع؟ وهل تسري المقاطعة على كل الإسرائيليين، بغض النظر عن مواقفهم السياسية؟

***

«احتفظ الأقباط بالحقوق القديمة المعهودة التي وُضعت أيام المجامع الكنسية في كنيسة القيامة، وهي ستة قناديل، أربعة منها داخل غرفة القبر، واحدة في غرفة الملاك، وأخري فوق حجر المغسل. ومن الحقوق الثابتة للأقباط حقهم في إحياء احتفالات أحد الشعانين والنور المقدس…. وفي يوم الجمعة العظيمة تُفتح كنيسة القيامة خاصة للأقباط الأرثوذكس ما بين الساعة 5-7 مساء، ويطوف الأقباط بموكبهم في جميع أرجائها ويقدمون الصلوات على كافة مذابحها.»

«الأقباط في بيت المقدس»، عبد الحميد أبو النصر

لطالما كان من المثير تتبع التاريخ الطويل للعلاقات الدقيقة والحرجة بين الطوائف المسيحية، في الأماكن المقدسة في فلسطين. تاريخ معقد جدًا من الحروب والتوازنات، والمعاهدات الدولية والتدخلات الإمبراطورية، يرسم تفاصيل في غاية الدقة، بدءًا من عدد الدورات حول المذبحة في ساعة بعينها المسموح بها للاتين مثلًا، إلى عدد الشموع التي يمكن للأقباط إشعالها في زاوية ما في هيكل أحد كنائس القدس، وكذا عدد المقاعد المسموح بها للروم أو الأحباش في شرفة ما في كنيسة أخرى.

في هذا الشأن، لا يبدو تاريخ الأقباط أقل تعقيدًا، بداية من جلوس البابا كيرلس الثالث في فترة ولاية الملك العادل الأيوبي، ورسامته لأول مرة أسقفًا قبطيًا في القدس، ورسائله الغاضبة التي تبادلها مع بطريرك أنطاكيا، الذي اعتبر الوجود القبطي في فلسطين تعديًا على سيادة الكنيسة السريانية، ومرورًا بالعصر العثماني، الذي كانت رحلة الأقباط السنوية فيه إلى فلسطين، واحدة من أهم محاور بنية العلاقات بين الأقباط والمؤسسة العثمانية الحاكمة والأزهر، والمجتمعات البدوية، والقبائل العربية، على طول مسار رحلتهم.

كما تطرح فيبي أرمانيوس في كتابها «الأقباط في مصر العثمانية»، فقد كانت تلك الرحلة إلى القدس ومواكبها في شوارع القاهرة محورًا مركزيًا في ظهور الأقباط كجماعة في الحيز العام، كما كانت ساحة للصراع على تمثيل الأقباط السياسي بين الإكليروس والأراخنة «العلمانيين». وفي تواريخ أحدث، يشير الإداري الفلسطيني، واصف جوهرية، في مذكراته بين عامي 1904 و1948، في وصف شديد العذوبة، لمشهد النساء القبطيات، وهن يطلقن زغاريدهن في ليلة سبت النور في كنيسة القيامة، وهي العادة التي اشتهرن بها، وكانت تثير بعضًا من ابتسامات السخرية بين أبناء الطوائف الأخرى. ثم يشير إلى تغير الأحوال بعد الانتداب البريطاني، وهو يصف مشهد ضرب الجنود البريطانيين للنساء القبطيات بالسياط لمنعهن من دخول الكنيسة.

للوهلة الأولى، قد تبدو تلك الإشارات والشذرات التاريخية العابرة، خارج الموضوع الذي يناقشه المقال، لكنها في الحقيقة تقع في صلبه. فذلك التاريخ يكشف عن عمق وتشابك علاقة الأقباط وغيرهم من الطوائف المسيحية في المشرق العربي الكبير، بالأماكن المقدسة في فلسطين وزيارتها، وعن كون تلك العلاقات لا تحمل ثقلًا روحيًا فقط، بل وشائج تاريخية وعاطفية وسياسية راسخة، بل وأن ذلك التاريخ هو ما يرسم جانبًا من موقف الكنيسة القبطية من سلطات الاحتلال الإسرائيلي اليوم.

مثلًا، خلافات تاريخية طويلة بين الأقباط والرهبان الأحباش، على «دير السلطان» في القدس، كانت سلطات الاحتلال هي من حسمتها لصالح الكنيسة الإثيوبية، في أبريل عام 1970. وكانت تلك الواقعة السبب الرئيسي وراء صدور قرار المجمع المقدس القبطي في عام 1980، والذي ألزم الأقباط بشكل قاطع بعدم زيارة القدس والأراضي المقدسة، ورفض البابا شنودة لسياسات التطبيع مع إسرائيل بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد.

ورغم أن موقف الكنيسة القبطية حينها من التطبيع يظل مشرفًا، إلا أنه لا يخلو من معضلات. فهل للكنيسة، مجددًا، أن تأخذ مواقف سياسية؟

وإن اتفقنا أن الكنيسة، كمؤسسة، من حقها أخذ قرارات في علاقاتها مع الغير، والتي ستتأثر حسمًا بتقديرات وعوامل سياسية، فهل من حقها فرض موقفها هذا على عموم الأقباط؟ وإن سلمنا جدلًا بهذا، فمن يأخذ تلك القرارات، الإكليروس أم العلمانيون؟ ووفق أي آلية؟

لكن تلك الأسئلة متأخرة جدًا. ففي نوفمبر من عام 2015، زار البابا تواضروس القدس، ليقود قداس جنازة الأنبا إبراهام، مطران الكنيسة القبطية هناك. وكانت هذه أول زيارة لبطرك قبطي للقدس، منذ عام 1948. وفي أقل من عام، وصلت أربع زيارات رسمية من الكنيسة القبطية للقدس، ضمت أحداها، في مارس 2016، ستة مطارنة أقباط. ومرت تلك الزيارات جميعًا عبر تل أبيب، وبتصريح من سلطة الاحتلال بالطبع.

وفي العامين الماضيين، وصل حوالي خمسة آلاف زائر قبطي إلي الأماكن المقدسة، جميعهم عبر مطار بن جوريون، وبتنسيق كامل بين الكنيسة وجهاز الأمني الوطني في مصر، والسلطات الإسرائيلية بالطبع.

لكن، ورغم أن ذلك يعد تحولًا جوهريًا في موقف الكنيسة والأقباط من مسألة المقاطعة، إلا أن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى افتراض أن الكنيسة القبطية كانت ملتزمة بعدم التعامل مع المؤسسات الإسرائيلية بشكل كامل في الماضي.

كانت الكنيسة المصرية تمتلك وتدير عشرات من الكنائس والمدارس والمؤسسات الخدمية في يافا وأريحا والناصرة ونهر الأردن، لا القدس وحدها، وتخدم بضعة الآلاف من منتسبيها من الأقباط المصريين والفلسطينيين.

بل وشهدت فترة التسعينيات ومطلع الألفية، توسعًا في ممتلكات الكنيسة القبطية، التي امتدت لتشمل افتتاح حضانات للأطفال على سبيل المثال. ولم يكن هذا ممكنًا بالطبع سوى باستصدار التصاريح اللازمة من السلطات الإسرائيلية، والتعامل معها بشكل دوري.

يعيدنا هذا كله لأسئلة قريبة إلى ما بدأنا به: هل يتوجب على الكنيسة التخلى عن إدارة ممتلكاتها، وعن رعيتها في الأراضي المحتلة، كي لا تُتهم بالتطبيع؟ وهل عليها إرغام الأقباط على عدم زيارة القدس؟

***

مرة أخرى، يبدو أن تلك الأسئلة قد تجاوزها الزمن والواقع.

لكن الأخطر من هذا، أن الواقعة التي بدأ بها مقالي؛ المواجهة مع القس يوناثان وما تثيره من أسئلة، قد جرى تجاوزها أيضًا، رغمًا عنا. فالإخوة الغاضبون من زيارة الإسرائيلي، قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا، كانوا ينتمون لجيل ناصري، لا يشبه أجيال اليوم في الكثير. ولا أعني هنا بكونه «ناصريًا»، كونه متشربًا لخطاب معاداة الإمبريالية، بل أنه جيل من الأقباط، كان يشعر بمصريته، وبألا شيء يميزه عن معارك المصريين ومصائرهم.

اليوم، لم يعد هذا الحال بأي شكل؛ يشعر كثير من الأقباط، إن لم يكن أغلبهم، باغترابهم في وطنهم. بل أن بعضهم، يرى في إسرائيل نموذجًا وحلًا لمعاناتهم، يعرفون أنه مستحيل، حيث تأسيس وطن على أساس طائفي، مثل إسرائيل، قد يمثّل نهاية لاضطهادهم من وجهة نظرهم.

والبعض الآخر يرى في إسرائيل، مقارنة بالأوضاع في مصر، دولة علمانية، تحترم التعدد وجديرة بالتقدير. بل وما يسبب المزيد من الصدمة، أن نسبة معتبرة من الأقباط لا يعرفون أن هناك فلسطينيين مسيحيين بالأساس، وبالتالي لا يعرفون شيئًا عن معاناتهم تحت الاحتلال، ولا نضالهم ضده، وتقاسمهم لكل هذا مع بني وطنهم من المسلمين.

بل وحتى هؤلاء الذين يعرفون بوجود فلسطينيين مسيحيين، فبينهم من يسقطون معاناتهم مع الطائفية في مصر على مسيحيي فلسطين، ولديهم قناعات مفادها بأن مسيحيي فلسطين كانوا مضطهدين، حتى قامت إسرائيل وأنقذتهم.

من جهة لاهوتية، ورغم أن معظم الطوائف التي ينتمي لها الأقباط لا تؤمن بفكرة الملك الألفي، فقد تسرب اللاهوت الألفي إلى كثير من الأقباط، ومعه أفكار المسيحية الصهيونية، التي ترى في إقامة دولة لليهود في فلسطين خطوة أولى نحو مجيء المسيح الثاني على الأرض.

بالنسبة لهؤلاء فإن إسرائيل ليست عدوًا تنبغي مقاطعته، بل علامة نبوية يجب الابتهاج بها روحيًا.

في وسط كل هذا، وبينما يبدو التطبيع مع إسرائيل واقعًا أكثر حضورًا وثقلًا، يومًا بعد يوم، كيف يمكننا الاستمرار في معركة المقاطعة، دون السقوط ضحية معارك دون كيشوتية متخيلة؟ وهل يمكننا هذا، في سياق طبّعت فيه الدولة والنظام السياسي بالكامل علاقاتهما مع إسرائيل، وتبدو فيه الكنيسة متماهية بالكامل مع سياستهما، ويحتكر إكليروسها التمثيل السياسي للطائفة بالكامل، بينما قطاع كبير من الأقباط يشعر باغتراب عميق في وطنهم، وينظر بعين الرضا نحو إسرائيل؟

يبدو أن الخطوة الأولى نحو إجابة هذا السؤال، هو الاعتراف بهذا الواقع، والاعتراف بأن معارك فتح المجال العام داخليًا، والفصل بين النظام والكنيسة، وكسر احتكار الأخيرة لتمثيل الأقباط، ومعالجة الصدع الطائفي، هي معارك مستقلة بذاتها، وفي الوقت نفسه متشابكة إلى أقصى حد مع معركة المقاطعة ومناهضة التطبيع، ولذا فلا يمكن خوض أي من تلك المعارك دون الأخرى.

لكن ذلك الميل الواقعي ينبغي أن يدفعنا للإقرار بأن الأقباط سيستمرون في زيارتهم للقدس، وربما يكون عليهم الاستمرار فيها، كي يعرفوا بأنفسهم بأن هناك فلسطينيين مسيحيين ومسلمين وغيرهم، وأن يروا معاناتهم بأنفسهم، وربما أن يدعوهم إلى زيارتهم في كنائسهم في مصر واعتلاء منابر جمعياتهم، هذه المرة.

لكن وإن كان بضع ألوف من الأقباط سيزورون الأماكن المقدسة كل عام، سواء برضانا أو بغيره، فمن الأفضل أن يذهبوا إلى هناك، وهم واعون ومقتنعون بأن اضطرارهم للتعامل مع سلطات الاحتلال هو شرٌ تحتمه الضرورة، بدلًا من أن يكون سببًا للابتهاج.

معارك طويلة ضد التطبيع، ربما يكون عليها البدء من أساسيات قد تبدو لنا بديهية، لكنها لم تعد كذلك بالنسبة للكثيرين.

اعلان