Define your generation here. Generation What

«مسيرات العودة»: حين يستجير بالمقصلة المحكومُ بالإعدام

حتى ربيع عام 2014، اعتاد الحزام الزراعي الضيق في غزة، والمحاذي لشريطها الساحلي مع البحر الأبيض المتوسط، أن يكتسي بدرجات متفاوتة من اللون الأخضر، تضبط مستويات خضرته نوعية المحاصيل المزروعة فيه، كبيارات الحمضيات ومزارع الخضار وكروم العنب، أو ما يتبقى من مساحات مشاع يجول فيها الرعاة بقطعان ماشيتهم.

عنب غزة الذي لطالما تباهى أهلها بجودته، والذي عُثر على مخطوطات من حضارات مختلفة تشيد بالنبيذ المستخرج منه تاريخيًا، كان أول المحاصيل التي أصابها الجفاف.

قيل وقتها إن أحواض المستوعبات «المؤقتة» لمياه الصرف الصحي، التي ترفض إسرائيل السماح للمنظمات الدولية بإدخال المضخات والأنابيب اللازمة لمعالجتها، قد فاضت على الكروم وأحرقت دواليها.

تلا ذلك فشل لمختلف المحاصيل وتصحر في المراعي، وعادت الاجتهادات تتقصى تفسيرات تراوحت ما بين رد الأمر برمته للتغير المناخي وسوء استخدام الأسمدة الكيماوية، والزحف العمراني للغزيين الذين تخطى عددهم المليونين في قطاع جغرافي محاصر لا تتعدى مساحته الـ365 كم مربع، وانتهت إلى التفسير الذي لقي ترجيحات حذرة من جهات دولية تراعي حساسية العلاقة مع إسرائيل، من أن أطنان الصواريخ والمتفجرات المهولة، التي قصفت إسرائيل بها المناطق الزراعية والمكشوفة في العقدين الأخيرين، بذريعة استخدامها من قبل المقاومين الفلسطينيين في حفر الأنفاق وكمنصات لإطلاق صواريخهم المحلية تجاه المستوطنات الإسرائيلية، هي ما أتلفت التربة وشبّعتها مخلفاتها بالمواد السامة والمسرطنة.

لدى استنطاقها من قبل فريق تلفزيوني يجول كغيره من الفرق الصحفية متصيدًا قصصًا عن وقائع عيش الغزيين البائسة الزاخر بها دفتر يومياتهم، تجيب عجوز بدوية يغمر الأسى ملامحها، وتتوسط قطيع ماشيتها النحيلة في إحدى المراعي المتصحرة، قائلة لمحدثها بشرود وبنبرة يائسة ومنهكة تصلح كنغمة موسيقية في خلفية كل مشاهد العذاب الغزي: «والله هذا يوم الكيامة!»

في حياة فلسطينيي قطاع غزة، يتبدى «يوم القيامة» كلحظة زمنية ممتدة، يصعب الاتفاق على نقطة محددة تؤرخ لبدايتها، وإن كان من السهل الإقرار بحقيقة أن الأسوأ فيها لم يأت بعد.

سنوات المقتلة

بعد سبعة أعوام، كانت وقتًا مستقطعًا تلا الانتفاضة الأولى، عرف فيه قطاع غزة بعد توقيع اتفاقية أوسلو استقرارًا نسبيًا هشًا، عادت غزة مجددًا، باندلاع «انتفاضة الأقصى» في عام 2000، لعادتها القديمة؛ الاشتباك المباشر مع الموت من المسافة صفر، اشتباك من دون عازل أو متراس، وبحماسة رأى البعض، ولا يزال، أنها بلا عقل يضبط حسابات الربح والخسارة فيها!

فصل الاشتباك هذا، الذي لا تزال لحظته تمتد حتى الآن، من غير أن تلوح في الأفق أي نهايات مرتقبة لها، نصبت إسرائيل فيه لفلسطينيي قطاع غزة مقتلةً مفتوحة ومستمرة تعج بالدم والأشلاء على مرأى ومسمع العالم، وأشكالًا وصنوفًا من الألم والعذاب توفّر للإعلام الدولي مادة خصبة يسد بها أي فراغ في نشراته الإخبارية، حين تشح الأنباء الآتية من باقي المناطق المشتعلة.

في سنوات المقتلة، اختبر الغزيون كل شيء تقريبًا، فالانتفاضة التي بدأت كهبّة فلسطينية استعارت من التراث النضالي الوطني التقليدي مفردات بداياتها، سرعان ما اكتست بثوب إسلامي كان جديدًا على الفلسطينيين، تماشيًا مع إرهاصات الظرف الدولي والإقليمي وقتها، الذي صدّر إليها أدبيات وطرائق الفصائل الجهادية، التي ظهرت بعد الحرب على أفغانستان والعراق في الخطابة والتحشيد الشعبي وحتى في اللباس أحيانًا. بل إن الحمأة الدينية لم تقتصر مفاعيلها على الجماعات الإسلامية الفلسطينية فحسب، وإنما تسرب بعض رذاذها ليصيب أقسامًا من قواعد القوى العلمانية التاريخية.

مفاعيل الاحتفاء بطغيان حضور العنصر الديني على حضور باقي العناصر، وصلت ذروتها حين فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، التي أفضت نتائجها إلى حالة استقطاب سياسي حاد وعنيف، أسس لبداية ارتداد لقطاعات واسعة من فلسطينيي القطاع عن مربعات التأييد للإسلاميين ونزع لهالات القداسة عنهم، في تحول شبيه بما اختبره المصريون وغيرهم بعدها ببضع سنوات بعد وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم.

تتوج الاستقطاب بجولة احتراب أهلي قصيرة حسمت أمر السيطرة التامة على قطاع غزة لصالح حركة حماس، لينتقل مستوى التهديد والاستهداف الإسرائيلي له إلى مستويات أفظع، طالت أدق تفاصيل الحياة اليومية للغزيين؛ ظلام دامس، قيود على إدخال الأموال والسلع ومستلزمات الطبابة والمواد الغذائية الأساسية، حصار بري وبحري وجوي مطبق، وقبل كل ذلك فاتورة دم وألم أكبر تحصّلها إسرائيل من شرايين وقلوب الغزيين بلا حساب، وأحيانًا بتشجيع مستتر من الآخرين.

البحث عن الحياة في أحضان الموت

في محاولات الالتفاف الدموية على الموت والحصار، سعى الغزيون بكل الطرق لشق دروب تأتي بالحياة إليهم وتنقلهم إليها، بإصرار ملحمي ورمزي، وصل حد حفر الأرض والصخر بأظافرهم للنفاذ إليها ولو بنفق!

وكلما زاد إصرارهم على الارتباط بالحياة، كانت تزيد جرعة النار التي تداوي بها إسرائيل فائض كبريائهم، فشنت عليهم ثلاث حروب طحنت عظام الصغير قبل الكبير فيهم، حرصت خلالها على تسوية ما تبقى من أرصدة حياة لديهم بالتراب، مغرقة كل بيت في غزة بالدم والدموع.

ورغم كل الدمار والموت وانعدام الحيلة، ظل الغزي على دينه في المكابرة، حتى لو لم يبق بجعبته ما يتحدى به عدوه سوى الجلوس على ركام بيته غارقًا في جراحه ومآسيه، مبتسمًا للكاميرا وهاتفًا: «انتصرنا!»

خارج حدود الأسوار والسياج والمناطق العازلة التي تطوق غزة، يندهش باقي الفلسطينيين والعرب من حجم الجنون والعناد الذي تبديه غزة؛ البعض يشجعها عليه، والبعض يؤنبها على شططها ويسدي لها النصائح المعلبة، وآخرون يتواطئون مع عدوها عليها.

رغم ذلك، وفي كل جولة نزال، ينتصب الكبرياء الغزي أشد صلابة وبسالة وجنونًا، ويخط دروبًا جديدة للمواجهة مع الموت يستعصي على الآخرين فهمها.

في الشهور الأخيرة، وبعد جولات ومبادرات سياسية مخادعة عن قرب انتهاء محنتهم، استهلكت ما كان قد تبقى من خلايا عصبية لدى الغزيين، ولم تفض إلا لمزيد من الإفقار والتجويع الحرفي لهم، من الأخ والصديق والعدو على حد سواء، وابتزازهم بلقمة عيشهم وحليب أطفالهم، من دون حتى أن يقال لهم ما الثمن المطلوب منهم لإطفاء نار الجحيم الذي يطوقهم من كل جانب، كبرهان مادي على أن المطلوب هو حياتهم ووجودهم الفيزيائي بحد ذاته، عاد الغزيون ليبتدعوا شكلًا جديدًا للاشتباك مع الموت، خلاصته: «هيا بنا نعدو إلى الموت، علنا نجد في طياته بعضًا من الحياة المفقودة»، في رهان منهم على فتح كوة في دائرته باستخدام لحمهم الحي لا سواه، سيما وأنهم قد استنفدوا وجربوا كل الوسائل، ولم يبق لديهم سوى حيواتهم ليبارزوا الموت بها، ومرة أخرى من المسافة صفر، في مشهد بدا ضربًا من الجنون ومغرقًا في رومانسيته إلى حد لجم الكثيرين عن وعظهم بأبجديات الربح والخسارة.

منذ سنوات تقف غزة وحيدة، منبوذة، جائعة، متسخة، جريحة ومنفردة، تغذي، بأشلائها ودموعها وشظف عيشها، خزان العاطفة لدى الآخرين نحو «فلسطينهم الحبيبة»، وتوفر لهم من عظمها ولحمها ما يسد حاجتهم لصنع ابتهالات حبهم لفلسطين.

ولكن لا أحد يريد غزة، فهي عصية على الترويض، مجنونة، لا يمكن ضبط سلوكها، ولا إخضاعها لمعايير ومحددات صورة «فلسطينهم» التي يحبونها.

سيظل فعل أبنائها وعنادهم يقول لهم: «لو أن فلسطين حقًا شجرة زيتون فإن جذرها في غزة.»

اعلان