Define your generation here. Generation What
الجولة الثالثة.. هل حسمت الدولة مباراة «التحفظ على الأموال»؟
 
 

صدَّق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون «تنظيم إجراءات التحفظ والحصر واﻹدارة والتصرف في أموال الجماعات اﻹرهابية واﻹرهابيين»، والذي نشرته الجريدة الرسمية في عددها الصادر بتاريخ أمس، ونشر صباح اليوم، الأحد. وجاء التصديق بعد موافقة مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، على القانون المقدم من الحكومة والذي صدر برقم 22 لسنة 2018.

ويمثل القانون الجولة الثالثة من مباراة التحفظ على أموال جماعة اﻹخوان والتنظيمات اﻷُخرى، بعدما تسببت محاكم مجلس الدولة و«النقض» في تعطيل هذا التوجه عبر الطعن في صلاحيات اللجنة المسؤولة عنه خلال جولتين سابقتين. يفتح القانون الجديد الباب ﻷول مرة أمام مصادرة هذه اﻷموال، وليس الاكتفاء بالتحفظ عليها فقط. وربما يكتب مشهد النهاية لهذه المباراة لصالح الدولة.

الجولة اﻷولى

بدأت الجولة اﻷولى بعدما أصدرت محكمة اﻷمور المستعجلة حكمًا في سبتمبر 2013 بحظر نشاط جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، والتحفظ على ممتلكاتها.

وفي أكتوبر من العام نفسه، أصدر مجلس الوزراء برئاسة الدكتور حازم الببلاوي القرار رقم 1141 لسنة 2013 بتشكيل «لجنة ﻹدارة أموال جماعة اﻹخوان المسلمين»، وذلك استنادًا على «حكم الأمور المستعجلة».

ومنذ تأسيسها، توسعت اللجنة في نشاطها بشكل كبير، وأصدرت قرارات بالتحفظ على أموال ما يزيد عن 1500 شخص. لكن، في المقابل، أوقفت أحكام متتالية من القضاء اﻹداري قرارات هذه اللجنة لأن «إدارة أموال الإخوان» لها طبيعة إدارية وليست قضائية، وبالتالي لا يحق لها إصدار قرارات مماثلة بالتحفظ، ويُمكن الطعن على قراراتها أمام مجلس الدولة.

بحسب تقرير هيئة المفوضين في دعوى التحفظ على أموال لاعب الكرة محمد أبو تريكة، فإن «اللجنة اعتدت على الملكية الخاصة وانتقصت من الحقوق الدستورية والقانونية المقررة للملكية الخاصة دون سند من القانون. كما أنها اغتصبت اختصاص القضاء في هذا الشأن، لأنه وعلى فرض أن المدّعي ارتكب سلوكًا يشكل جريمة جنائية، فإن ذلك لا يبرر لجهة الإدارة التدخل بقرار إداري لحرمان المدعي من إدارة أمواله والتصرف فيها، فالمنع من التصرف أو الإدارة ينبغي أن يصدر من المحكمة الجنائية المختصة وفقًا للضوابط المقررة في قانون الإجراءات الجنائية أو كأثر مباشر للحكم بالإدراج على أي من القوائم المنصوص عليها في قانون الكيانات الإرهابية».

وأوصى التقرير بإلغاء التحفظ على أموال أبو تريكة، طبقًا لتقرير نشرته صحيفة «الشروق» في فبراير 2016.

الجولة الثانية

بسبب اﻷحكام المتتالية التي أصدرها مجلس الدولة، تعرضت شرعية اللجنة وقراراتها إلى شكوك كبيرة. وفي محاولة لتجاوز هذه اﻷحكام، قررت الحكومة إعادة إجراء عملية التحفظ مرة أُخرى. لكن هذه المرة طبقًا ﻷحكام قانون «الكيانات اﻹرهابية». وذلك بأن تُعد النيابة العامة قوائم اﻹرهابيين والكيانات اﻹرهابية والتي تُعرض على دائرة جنايات بمحكمة استئناف. إذا أقرت دائرة الجنايات إضافة هؤلاء اﻹفراد أو الكيانات إلى قوائم اﻹرهاب، يتمّ التحفظ على أموالهم.

وفي يناير 2017، أعادت محكمة جنايات القاهرة إصدار قرارات قضائية بالتحفظ على أموال 1538 شخصًا سبق التحفظ على أموالهم بواسطة اللجنة. كما أصدرت المحكمة قرارًا قضائيًا بإعادة تشكيل اللجنة في مايو 2017، لتتبعه بقرار آخر في سبتمبر 2017 بتسمية أعضائها.

وعندما عادت اللجنة للعمل مرة أخرى، اصطدمت قراراتها بعقبة أخرى؛ فتقدم عدد من المتحفظ على أموالهم بطعون على هذه القرارات أمام محكمة النقض. وبالفعل، قررت الأخيرة في كثير من الحالات قبول هذه الطعون، وإلغاء القرارات بما يعني رفع التحفظ على اﻷموال.

خلال اﻷسبوع الماضي فقط، قضت محكمة النقض ثلاث مرات بإلغاء إدراج متهمين على قوائم الإرهاب في ثلاث قضايا مختلفة هي «ولاية سيناء»، و «اللجان النوعية بالفيوم»، و«المتهمين بقتل الصحفية ميادة أشرف وتأسيس لجان نوعية في منطقة عين شمس»، وإعادتها إلى دوائر جنايات أُخرى.

كما تنظر محكمة النقض طعونًا على قرار محكمة الجنايات في يناير 2017، قدمها عدد من المتحفظ على أموالهم، من بينهم لاعب الكرة محمد أبوتريكة. وفي تقريرها، أوصت نيابة محكمة النقض بقبول الطعون وإلغاء قرار التحفظ.

وبحسب ما نقلت صحيفة «الشروق» عن التقرير، اعتبرت نيابة النقض أن قرار الجنايات «لم يبيّن بوضوح الوقائع والأفعال التى اقترفها المتهمون»، كما «لم يبيّن الأدلة الدالة على ذلك بيانًا يوضحها ويكشف عن قيامها، وذلك من واقع التحقيقات والمستندات المعروضة عليه من النائب العام واكتفى في ذلك كله بعبارات عامة معماة ومُجهلة». وأوصت نيابة النقض بإلغاء قرار اﻹدراج على قوائم اﻹرهاب وبالتالي رفع التحفظ على اﻷموال.

كما هددت توصية نيابة النقض شرعية اللجنة مرة أُخرى، وذلك عبر اعتبارها أن قراري الجنايات بتعيين وتسمية أعضاء اللجنة «صدرا كونهما أثرًا مترتبًا على قرار الإدراج ويدوران معه وجودًا وعدمًا، بحيث لا يتصور صدورهما إلا إذا صدر قرار الإدراج». وبالتالي، «لا تكون لهما قائمة إذا ما ألغي القرار المذكور»، بحسب التقرير.

تسبب المسار القضائي الجديد في هزيمة اللجنة في الجولة الثانية من التحفظ على «أموال اﻹخوان». لكن القانون الجديد قد يمثل حلًا نهائيًا لهذه اﻷزمات المتكررة.

الجولة الثالثة

وحينما أقر مجلس النواب، الأسبوع الماضي، القانون الجديد، بدأت الجولة الثالثة، وذلك في محاولة لتجاوز عقبات الجولتين السابقتين. فيما يتعلق بطبيعة اللجنة، وتنص المادة الثانية من القانون على أن اللجنة «ذات طبيعة قضائية».

وشهدت مناقشة القانون في المجلس خلال اليومين السابقين على إقراره جدالًا حول ما إذا كانت اللجنة التي تتشكل بمقتضى القانون ذات طبيعة قضائية أم إدارية، بسبب اختيارها بواسطة السلطة التنفيذية متمثلة في رئيس الجمهورية، وبسبب الأحكام القضائية المتعددة التي اعتبرت اللجنة السابقة ذات طبيعة إدارية، وليست قضائية.

وطالب عدد من النواب أن يكون قرار ندب أعضاء اللجنة من القضاة من المجلس الأعلى للقضاة، وليس من رئيس الجمهورية ضمانًا لاستقلال اللجنة، إلا أن المستشار محمود فوزي، مستشار رئيس البرلمان، قال إن النص الحالي، الذي يشترط موافقة مجلس القضاء الأعلى، «يحقق الغرض».

لكن رئيس مجلس النواب علي عبد العال أوضح أن اللجنة ستكون ذات تشكيل قضائي، وخلال الجلسات، وأضاف  أن ترشيحات القضاة في هذه اللجنة من وزير العدل، فضلًا عن إصدار قرارات جمهورية بهذه الترشيحات، فيكون بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء، مما يتوافق مع الدستور.

واعتبر عبد العال أن رئيس الجمهورية يرأس كافة السلطات في الدولة في كل دساتير العالم، ومن ثم في مصر.

فيما أشار النائب بهاء الدين أبو شقة، رئيس اللجنة التشريعية والدستورية في البرلمان، إلى أن المادة 239 من الدستور نصّت على أن يصدر مجلس النواب قانونًا بتنظيم قواعد ندب القضاة وأعضاء الجهات والهيئات. وبحسب طرحه، فإن هذه المادة الدستورية تعتبر أساسًا تستند إليه الطبيعة القضائية للجنة، دون أن يوضح علاقة المادة الدستورية بتشكيل اللجنة.

ومع صدور القانون بشكل نهائي، تبتعد «لجنة التحفظ على اﻷموال» عن الأزمات القضائية التي واجهتها في مجلس الدولة ومحكمة النقض كذلك. وتستبدل اﻹجراءات التي نظمها قانون «الكيانات اﻹرهابية» للتحفظ على اﻷموال وإدارتها بإجراءات بديلة.

كيف تعمل اللجنة الجديدة؟

ينظم  القانون الذي صدر في 18 مادة الإجراءات القانونية للتحفظ على أموال «الجماعات اﻹرهابية»، وإنشاء لجنة ذات طبيعة قضائية تختص دون غيرها باتخاذ كافة اﻹجراءات المتعلقة «بتنفيذ الأحكام الصادرة باعتبار جماعة أو كيان أو شخص ينتمي إلى جماعة إرهابية».

وتتشكل اللجنة من سبعة أعضاء من قضاة محكمة الاستئناف يصدر بندبهم قرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء، بحسب المادة الثالثة من القانون.

وتتولى اللجنة «أعمال حصر الأموال الخاصة بجميع تلك الأحكام أيًا كانت صورتها، ولها اتخاذ كافة الإجراءات التي تكشف عنها والاستعانة بكافة الجهات التي ترى الاستعانة بها في هذا الشأن»، طبقًا لنص المادة الرابعة.

يتسائل أحمد حسام، المحامي ووكيل عدد من الذين تقدموا بطعون في قضية إدراج 1538 متهمًا على قوائم اﻹرهاب، حول هذه اﻷحكام التي يشير إليها القانون.  وبحسب المحامي، لم يوضّح القانون طبيعة هذه اﻷحكام.

ويشير حسام إلى أن الاحتمال القائم هو قرارات محكمة الجنايات بإدراج أشخاص على قوائم اﻹرهاب التي نظمها قانون الكيانات اﻹرهابية، بسبب أنها القرارات الوحيدة التي تسمح بالتحفظ على اﻷموال. ويرى المحامي أن غموض القانون يسمح على اﻷرجح بإساءة تطبيقه.

استنادًا إلى هذه «اﻷحكام»، تتقدم اللجنة بحسب القانون الجديد بطلب للتحفظ على أموال هؤلاء الأفراد إلى قاضي اﻷمور الوقتية، وتتولى اللجنة إدارة هذه اﻷموال واﻷصول إذا وافق قاضي اﻷمور الوقتية عليها.

كما استبدل القانون الجديد جهة التظلم ضد القرارات لتصبح أمام محكمة اﻷمور المستعجلة بديلًا عن «القضاء اﻹداري»، كما حدث مع الجولة اﻷولى، و«محكمة النقض، كما حدث في الجولة الثانية. وفي حال رفض محكمة اﻷمور المستعجلة الطعن على قرار التحفظ، يُصبح «حكم» التحفظ «نهائيًا».

وبهذا، يفتح القانون الجديد الباب ﻷول مرة أمام مصادرة هذه اﻷموال ونقلها إلى الخزينة العامة للدولة، وليس التحفظ عليها وإدارتها فقط، ودون انتظار ﻷحكام نهائية تدين هؤلاء اﻷشخاص في أي تهم تتعلق باﻹرهاب.

ويلاحظ حسام أن «مئات من هؤلاء اﻷشخاص، من بينهم أبوتريكة على سبيل المثال، لم يوجه إليهم أي تهمة في أي قضية تتعلق باﻹرهاب، ولم يسبق حتى أن طلبت النيابة معظمهم للتحقيق في أي قضية أو تهمة منها».

يضيف حسام أن توقيت صدور القانون يرتبط باﻷحكام التي أصدرتها محكمة النقض بإلغاء قرارات اﻹدراج عدة مرات خلال اﻷيام الماضية، وقبل أن تصدر حكمها في طعنين من بينها طعن قرار أبو تريكة.

وعلى الرغم من غموض القانون، إلا أنه يبدأ جولة جديدة قد تشهد انتصار الحكومة في هذا الملف بعد سنوات من تعطله.

اعلان
 
 
رانيا العبد 
محمد حمامة