Define your generation here. Generation What

هل يمكن الإمساك بالمتلصصين؟ بضع نقاط عن البيانات، حرية التعبير، الذكاء الاصطناعي، وتقنين التلصص على الإنترنت

في إحدى حلقات مسلسل الخيال العلمي الإنجليزي «دكتور هو.. Doctor Who»، نرى البشر في المستقبل يزرعون في أدمغتهم شريحة تمكنهم من الحصول على الأخبار والمعلومات والتواصل مع الآخرين، أو أن هذا ما يظنون، حتى يكتشف «سيد الزمن» أن الأخبار والبيانات يجري تعديلها لتوجيه أدمغة هؤلاء البشر، وأن الشريحة المزروعة تُستخدم في الاتجاه العكسي للتعرف على أفكار ومشاعر الشخص، بهدف السيطرة عليه.

هل يماثل هذا المستقبل البعيد ما نعيشه على الإنترنت؟ وبالذات على شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك؟

قد يكون هذا ما توحي به فضيحة فيسبوك/ «كامبردج أناليتيكا» المثارة مؤخرًا في البرلمان البريطاني، والكونجرس الأمريكي.

وقائع:

تعود وقائع الفضيحة المُثارة إلى عام 2014، حيث منح فيسبوك لألكساندر كوجان، الباحث في علم النفس بجامعة كامبردج البريطانية، حق عرض تطبيق صممه ذلك الباحث، ليطلب من 300 ألف مستخدم على فيسبوك الإجابة على استبيان، والموافقة على إتاحة جانب كبير من بياناتهم يجمعه ذلك الاستبيان المبرمج.

لا يكتفي برنامج كوجان، المسمى «هذه حياتك الرقمية»، بجمع ما يتيحه المستخدمون المتفق معهم على فيسبوك، وإنما يتابعهم أثناء تصفحهم مواقع أُخرى على الإنترنت، حتى بعد خروجهم من فيسبوك. والأخطر أن البرنامج يجمع أيضًا بيانات أصدقاء المستخدمين الذين وافقوا على استخدامه، حتى لو لم يكن هؤلاء الأصدقاء على علم بذلك.

يُقال إن عدد المستخدمين الذين جُمعت بيانات عنهم يصل لأكثر من 87 مليون مستخدم.

كان الاتفاق الأصلي بين كوجان وفيسبوك يتعلق ببحث أكاديمي يجريه كوجان، لكن الأخير اتفق مع «كامبردج أناليتيكا»، وهي شركة بريطانية/ أمريكية للاستشارات السياسية، على تسليمها البيانات المجموعة باستخدام برنامجه.

بدورها، استخدمت شركة «كامبردج أناليتيكا» البيانات لتقديم مشورة انتخابية لبعض السياسيين، منهم تيد كروز، عضو مجلس الشيوخ بالولايات المتحدة والمرشح السابق للرئاسة، وربما دونالد ترامب.

الغريب أن الموضوع أُثير في صحيفة «الجارديان» في ديسمبر 2015، وقرر فيسبوك وقتها وقف التعامل مع كوجان، كما طالب «كامبردج أناليتيكا» بإزالة البيانات التي حصلت عليها الشركة عن طريقه، ثم يبدو أن الجميع تناسى الموضوع.

هدأت القضية لأكثر من عامين، ولكن في 17 مارس 2018 نشرت كل من صحيفتي «النيويورك تايمز» و«الجارديان» تحقيقًا مشتركًا حول الموضوع، يقوم على إفادة كريستوفر وايلر، الموظف السابق بشركة «كامبردج أناليتيكا».

نتيجة لهذا التصعيد، اضطر مارك زوكربرج، رئيس شركة «فيسبوك»، لإصدار بيان يقدم فيه الوقائع من وجهة نظره، كما اعتذر للمستخدمين الذين جُمعت بياناتهم، محاولًا إلقاء اللوم من الناحية الأخلاقية على كوجان و«كامبردج أناليتيكا».

امتدت توابع الفضيحة لتجبر كلًا من مجلس الشيوخ ومجلس النواب الأمريكيين ومجلس العموم البريطاني على مناقشة الموضوع، واستدعى المجلسان الأمريكيان زوكربرج للشهادة أمامهما.

مفردات:

البيانات الضخمة (big data)

يُقال إن البشر ينتجون حاليًا، كل 48 ساعة، كمية من البيانات تعادل ما أنتجوه منذ بدء الحضارة حتى عام 2003.

لا أعلم مدى دقة هذه المقولة، لكن الحضارة البشرية، والقائمة على تسجيل الوقائع والأحداث، لم تكن تسجل إلا القليل غير العادي منها، فلا نجد في البرديات المصرية القديمة مثلًا سجلًا ليوميات الفلاحين سوى في «شكاوى الفلاح الفصيح».

اليوم نسجّل – أو تُسجَّل لنا – كل حركاتنا وسكناتنا، ما نراه هامًا وما لا نراه كذلك. ففضلًا عما يكتبه كل منّا من رسائل إلكترونية ومحادثات وخواطر، يُسجَّل لنا كل زر إعجاب نضغط عليه على فيسبوك، أو تويتر، أو إنستجرام، كل ولوج لموقع على الإنترنت، وتسجل البنوك كل معاملاتنا، بينما تسجل الكاميرات المنتشرة في الشوارع العديد من تحركاتنا.

أكثر من ذلك، فإن تليفوناتنا الذكية (الأذكى منا؟) تسجل مكالماتنا، وتحركاتنا، والصور التي نلتقطها، حتى ما نسميه «سيلفي». وتنتج عن ذلك كميات ضخمة من البيانات المخزنة على أنواع مختلفة من الوسائط الرقمية، أغلبها متصل بشبكات معلومات تتيح الاسترجاع والبحث في تلك البيانات.

تمثل ضخامة البيانات المتاحة مشكلة، في حالة كنا نبحث عن معلومة معينة، لكنها تمثل ميزة لو كنّا نرغب في معرفة معلومات مفصلة عن البشر بشكل عام.

الشركات، وبالذات شركات البيانات

تتعلق الفضيحة بشركتين تعملان في مجال البيانات، الأولى هي شركة فيسبوك العملاقة، والتي يديرها ويملك حصة كبيرة منها مؤسسها مارك زوكربرج البالغ 33 عامًا. تملك هذه الشركة أيضًا شبكتي «واتس آب ..WhatsApp» و«سناب تشات .. Snap Chat».

يمكننا وصف الشركة بأنها «شركة جامعة للبيانات»، حيث تجمع البيانات من مستخدمي فيسبوك وواتس آب وسناب تشات وإنستجرام، لكنها أيضًا، وحسب ادعاءات لم ينكرها زوكربرج أثناء مثوله أمام مجلس النواب الأمريكي، تتعقبهم أثناء دخولهم على مواقع أخرى لا تملكها الشركة.

أما الشركة الثانية فهي شركة «كامبردج أناليتيكا»، وهي شركة لتحليل البيانات بهدف معرفة أذواق وأفكار المستخدمين، والتأثير عليهم. الشركة مملوكة جزئيًا لعائلة روبرت ميرسر، وهو خبير في الذكاء الاصطناعي يعمل في البورصة، وكان قد تبرع بمبلغ 11 مليون دولار لمرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة في 2016.

«كامبردج أناليتيكا» هي إحدى الشركات التي تستخدم البيانات الضخمة، وعلم النفس لتكوين «صورة نفسية.. Psych profile» عن الأشخاص، تُستخدم لتوجيه الإعلانات لهم بالصورة المناسبة. طورت الشركة هذا الأسلوب لاستخدامه في الاستقطاب السياسي للناخبين، كما استخدمته بالفعل في حملات تيد كروز، ودونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وفي التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كذلك.

ما يميز «كامبردج أناليتيكا» ليس فقط نجاحها الملحوظ، وإنما أيضًا اتجاهها اليميني المحافظ.

هناك العديد من الشركات الأُخرى، تعمل في مجال جمع البيانات وفي مجال تحليلها لاستخدامات تجارية أو سياسية، وأهمها «جوجل»، التي تملك – إلى جانب محرك البحث الشهير الذي يعتبر أقوى وسائل جمع البيانات عن مستخدمي الإنترنت – «جي مايل»، و«يوتيوب»، ونظام تشغيل «أندرويد»، وخرائط جوجل وغيرها، بالإضافة للشركة الجديدة «أوث..OATH» والتي تملك ياهو، وأميركا أون لاين، وهاف بوست.

التصوير النفسي (Psychographics)

هو مجال بحثي جديد يستخدم البيانات الضخمة للناس لتكوين صورة نفسية تشمل انحيازات الشخص، تفضيلاته، رغباته أو طموحاته.

يدرس الباحثون في هذا المجال سلوك الشخص على الإنترنت باعتباره سلوكًا متحررًا بدرجة كبيرة من الضبط الاجتماعي، وبالتالي يدل أكثر من غيره على تكوينه النفسي.

ثنائيات:

تفتح القضية المثارة وردود الأفعال عليها العديد من مجالات المقارنة، فيما يلي بعضها:

السياسيون/ رجال الأعمال

يحسد السياسيون رجال الأعمال على ثرواتهم، وكذلك على تحررهم النسبي من التقيد بنظرة الآخرين لهم، ويطمحون عادة لاستخدام قسم من ثروات رجال الأعمال في حملاتهم السياسية (وربما في حياتهم الخاصة). كما يحسدون رجال الأعمال على قدرتهم على التأثير في الواقع، والناتجة عن قدراتهم الاقتصادية.

عادة ما يحاول السياسيون إخضاع رجال الأعمال، عن طريق استخدام سلطة الدولة. ولكن الجديد هو أن رجال الأعمال أصبحوا الآن أقدر على التأثير في السياسة من ذي قبل، نتيجة تغوّل صناعة الإعلام من جانب والوسائط الجديدة، وبالذات شبكات التواصل الاجتماعي، التي أثبتت قدرتها على التأثير السياسي في أكثر من موقف، من جانب آخر.

يشعر رجال الأعمال بأن السياسيين لهم اليد الطولى، بما يملكونه من جيوش وسجون ومحاكم، أو قدرة على تسيير المحاكم بسن القوانين المناسبة. ويلجأ رجال الأعمال عادة لشراء السياسيين، بل وشراء حكومات بأكملها، بهدف امتلاك طرفي القوة. كما يتجه بعض رجال الأعمال بين الحين والآخر للعمل المباشر بالسياسة، مثلما فعل دونالد ترامب.

تقع مصالح أغلب المواطنين بين الطرفين، فالمواطن يحتاج لأن تكبح السلطة السياسية جموح رجال الأعمال حتى يستطيع العيش، وفي نفس الوقت يوفر رجال الأعمال للمواطنين ملاذات آمنة من بطش الحكومات، مثل وسائط التواصل الاجتماعي نفسها.

الذكاء الاصطناعي/ البيانات الضخمة

يحتاج التعامل مع البيانات الضخمة لبرامج تصنّفها وترتّبها، وذلك للبحث في تلك البيانات عن معلومات بعينها. لكن الباحثين اكتشفوا أن المعلومات التي يُراد اكتشافها في رُكام البيانات الضخمة قد ترتبط بمعلومات أُخرى بشكل غير ظاهر مسبقًا.

مثلًا: قد يرتبط ذوق الشخص في اختيار الملابس بصور علقت في ذهنه من طفولته، وبالتالي يمكننا استنتاج ما يعجبه من ملابس، لو اطلعنا على ما يحتفظ به من صور قديمة.

اكتشاف العلاقات بين المعلومات وبعضها أمر يحتاج إلى «ذكاء»، لكن ضخامة البيانات تستبعد قدرة الإنسان، أذكى الكائنات على ما نظن، على اكتشاف تلك العلاقات، لذلك تلجأ الشركات لابتكار برامج حاسوبية تتعلم ذاتيًا من البيانات التي تقابلها بهدف اكتشاف العلاقات الخفية بينها.

البيانات الضخمة توجب استخدام الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي يتكون بالتعلم من البيانات الضخمة.

التقنين/ حرية التعبير

أثناء استجواب زوكربرج أمام الكونجرس الأمريكي، لوّح بعض النواب بحتمية تقنين مسؤوليات شركات البيانات عن بيانات المستخدمين.

تضمن التلويح بالتقنين جانبين: حق المستخدم في سرية بياناته، أو على الأقل بعض البيانات التي تعتبر حساسة، وضرورة منع الأعمال المخالفة للقانون على شبكات التواصل الاجتماعي.

يثير ذلك عدة تساؤلات: كيف تُمنع الأعمال المخالفة للقانون دون تعقب المستخدمين ومتابعة بياناتهم؟ في ظل تعقد الشبكات وضخامة البيانات، يبدو من الواضح أن الجهات القانونية الرسمية لن تتمكن من ملاحقة الأعمال المخالفة للقانون على تلك الشبكات، فهل يمكن إذن إيكال ذلك لشركات البيانات، التي تملك المعرفة التقنية اللازمة؟ ثم أين تقف الملاحقة؟ هل تمكن ملاحقة خطاب الكراهية على شبكات التواصل؟

أشار العديد من المعلقين لكون السياسيين المحافظين يخشون أن يؤدي التقنين والتعقب والملاحقة للإضرار بالعديد من أنصارهم. وهناك أيضًا جانب تجاري، فشركات البيانات، مثل جوجل وفيسبوك، تقدم خدمة مجانية للمستخدمين مقابل استخدام بياناتهم (في الإعلانات الموجهة مثلًا). كيف نوقف تلك الشراكة؟

ما تقدمه من بيانات/ ما يعرفه فيسبوك عنك

ثنائية أُخرى تتعلق بملكية البيانات. أنت تكتب بيانات معينة، وربما يكون لديك الحق في الاحتفاط بسريتها، أي منع فيسبوك من بيعها لآخرين، لكن فيسبوك وبرمجيات الذكاء الاصطناعي يعرفون عنك أمورًا أُخرى لم تقلها، بل ربما لا تعرفها عن نفسك. عن طريق التعقب والتحليل واكتشاف التشابهات، تستنتج تلك البرمجيات معلومات عن شخصيتك، ومع تقدم استخدام علم النفس والذكاء الاصطناعي يبدو أن تلك المعلومات تصبح أكثر دقة. هل هذه المعلومات ملكك؟ هل يحق لك أن ترفض أن يبيعها فيسبوك لآخرين؟

البحث الأكاديمي/ البحث التجاري

أسس ألكساندر كوجان عدة شركات لتقديم الاستشارات في مجال بناء الصور النفسية وتحليل البيانات الشخصية وبناء الاستبيانات المبرمجة، كما باع خبراته لشركات أُخرى، منها «كامبردج أناليتيكا». واتهمت إدارة «فيسبوك» كوجان بأنه خدعها عندما حصل على تصريح بجمع البيانات لأغراض الدراسة الأكاديمية، ثم باعها لـ «كامبردج أناليتيكا».

للرد على هذا الاتهام أصدرت جامعة «كامبردج» بيانًا لتأييد كوجان، أكدت فيه أن الأخير لم يخلط بين الأكاديمي والتجاري.

أرى البيان مخادعًا لأنه يتجاهل النقطة الأساسية؛ كون كوجان حصل على حق جمع البيانات من مستخدمي فيسبوك لأغراض أكاديمية، ثم باع ذلك الحق لشركة تستخدم البيانات لأغراض أخرى، ولكن عمومًا: كيف، وأين، نضع الخطوط الفاصلة بين الأكاديمي والتجاري؟ أكاديمي مثل كوجان يبني خبرته في العمل البحثي، ثم يبيع تلك الخبرة في السوق التجارية، هل يمكننا الفصل بين الجانبين؟

لا يزال المستقبل أمامنا.. يا للهول!

من المتوقع أن تزداد قدرة البرامج على بناء الصور النفسية وعلى اكتشاف مشاعرنا وهمسات نفوسنا بشكل كبير خلال الأعوام المقبلة، ولا أظن أي تقنين بإمكانه حمايتنا من ذلك.

اعلان
 
 
هاني مصطفى الحسيني