Define your generation here. Generation What

ذكريات طائفية في استقبال مئوية ثورة 1919

في أسبوع عيد القيامة وشم النسيم، وفيما تقترب حثيثًا الذكرى المئوية الأولى لثورة 1919، كان السؤال الذي تردد بيننا كمجموعة من الأصدقاء المثقفين هو التالي: ما أكبر إسهام قدمته هذه الثورة في تاريخ مصر، أو في تطورها السياسي بمعنى أكثر دقة؟

كان طبيعيًا أمام مثل هذا النوع من الأسئلة عن هذا الطراز من الأحداث الكبرى أن تتباين الاجابات حسب زوايا الاهتمام، إلا أن أحدًا من الحاضرين لم يختلف مع إجابة كاتب هذه السطور على السؤال، وهي أن ثورة 1919 مثلت القطيعة على المستوى الشعبي الجمعي في مصر مع التقاليد السياسية للعصور الوسطى، التي قامت على اعتبار العقيدة الدينية هي أساس المواطنة وجوهر علاقة الولاء السياسي، لتحل محلها مبدأ الوطنية المصرية كأساس للمواطنة والولاء.

قبل الاستطراد في التفاصيل، من الضروري لفت انتباه القارئ إلى الاستخدام المقصود لتعبير «القطيعة على المستوى الشعبي الجمعي»، والقصد هنا هو تأكيد وإبراز حقيقة أن ثورة 1919 هي ما نقلت الوعي الحداثي بمشروع الدولة الوطنية من دوائر الفكر النخبوي للمثقفين والساسة التقدميين، بمعايير ذلك الزمن، إلى مستوى الجماهير الشعبية، أو المواطن العادي، في كل شارع، بل وفي كل منزل في مدينة أو قرية مصرية، مع استثناءات بالغة الندرة، لا تلغي القاعدة، من مخلفات القديم، وهي استثناءات يوجد مثلها في كل مجتمع، مهما تبلغ درجة تقدمه، على امتداد عصور التاريخ.

قبل الثورة، كانت مقولة «مصر للمصريين»، التي أطلقها وأسس لها نظريًا أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، تمثل الاتجاه الغالب بين صفوف النخبة السياسية والنخبة المثقفة، التي لم تجد غضاضة في رئاسة قبطي هو بطرس باشا غالي للوزارة، حتى في ذروة نشاط مصطفى كامل وزملائه في الحزب الوطني «القديم» دفاعًا عن الرابطة العثمانية، بل إن دفاع هؤلاء عن تلك الرابطة العثمانية كان في جوهره محاولة لتوظيف السيادة التركية على مصر لإنهاء الاحتلال البريطاني.

وعلى أية حال فقد أدى إعلان الحماية البريطانية، ومن ثم إنهاء السيادة التركية الاسمية على الأراضي المصرية، إلى إسقاط فكرة الرابطة العثمانية معها.

وقبل الاحتلال البريطاني، وفي أثناء الثورة العرابية، كانت فكرة المواطنة والوطنية حاضرة بقوة أيضًا على المستوى النخبوي، فقد أصدر المؤتمر التأسيسي للحزب الوطني (الأول)، وهو المؤتمر الذي قرر اعتبار الضباط العرابيين جناحه العسكري، تعريفًا لمن هو المواطن المصري، ينص على أنه «كل من يحرث أرض مصر، أو يتنفس هواءها أيًا ما تكن ديانته أو لونه أو عرقه»، وكان من حضور المؤتمر والموقعين على بيانه شيوخ الأزهر وبطريرك الأقباط وحاخام اليهود.

بالطبع نستطيع العودة لما هو أبعد من ذلك في التاريخ، فنتذكر تعيين نوبار باشا الأرمني المسيحي أول رئيس لوزراء مصر من جانب الخديوي إسماعيل، أو نتذكر مقولة محمد علي باشا مؤسس الدولة الحديثة: «إنني في السياسة لست بمسلم أكثر مني مسيحي»، أو نتذكر المحاولة الطموحة للسلطان العثماني محمود الثاني لـ«الإصلاحات الخيرية»، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، والتي أبطلت نظام الذمة، وأقرّت المساواة الكاملة في المواطنة بين جميع «أهل التبعية العثمانية»، من مختلف الأديان، لكن هذه وتلك، مثلها مثل دعوة لطفي السيد وأفكار العرابيين، ظلت كما قلنا وعيًا وممارسة نخبويين، بدليل الترحيب الشعبي العارم باغتيال بطرس (النصراني) عام 1910، ما يعني أن هذه الأفكار الحداثية لم تضرب بجذورها بين جموع الطبقات الشعبية في كل صوب و حدب، سواء في مصر، أو فيما كان قد تبقى من الإمبراطورية العثمانية.

هذا بالضبط هو التحول التاريخي الذي صنعته ثورة 1919؛ إسهامها الأكبر في تطور مصر السياسي، إلى جانب إسهاماتها الكبيرة الأخرى، وهي حصرًا مبدأ الاستقلال الوطني الكامل، دون دمج مصر في مشروع خارج حدودها، سواء كان هذا المشروع إسلاميًا أو قوميًا عربيًا، ومبدأ «الأمة مصدر السلطات»، الذي كان اعترافًا كاشفًا، بلغة القانون، بدور الأمة قبل الزعماء في قيام تلك الثورة، ومسوغًا لا مهرب منه لمشاركة الأمة أو الشعب في معادلة الحكم والسياسة في مصر، من خلال حزب الأغلبية، الذي هو حزب الثورة.

كل ذلك كان دخولًا، أو إدخالًا، للحداثة السياسية من أوسع الأبواب إلى الحياة المصرية العامة، على المستوى الجماهيري، كما سبق الإيضاح. فكيف، ومتى، ولماذا إذن وقع الانتكاس في مسار دولة المواطنة الديمقراطية الحديثة، بعد أن كانت إنجازات ثورة 1919، في هذا المسار، قد تجذرت في الضمير الجمعي للشعب؟

لا جدال أن تلاعب الرجعية الممثلة في أوتوقراطية القصر الملكي وأحزاب الأقليات كان أحد أهم تلك الأسباب في العصر الليبرالي، أي قبل استيلاء ضباط يوليو 1952 على السلطة.

هنا نورد شاهدين يغنيان عن الكثير من التفاصيل؛ الشاهد الأول هو انحدار قيادات حزب الأحرار الدستوريين، ممثلي صفوة الثقافة والثروة، في دعايتهم ضد حزب الوفد والكيد له، إلى مستوى اتهامه بأنه «حزب الأقباط»، بسبب الدور البارز لسكرتيره العام مكرم عبيد. أما الشاهد الثاني فهو رعاية علي ماهر باشا، ومن ورائه الملك فاروق، لجماعة الإخوان المسلمين، ولكل الاتجاهات المشابهة، على غرار الحزب الوطني بجناحيه، وحزب مصر الفتاة، والتيار الذي كان يمثله الفريق عزيز المصري بين العسكريين.

ورغم فداحة هذه التجاوزات، فإنها لم تستطع إيقاف مسار مشروع دولة المواطنة الديمقراطية بالكامل، أو أن تعكس اتجاهه، وإن أبطأت حركته، بما سهّل لضباط يوليو في نهاية الأمر الاستيلاء على السلطة، وهنا يبدأ فصل جديد، تفاعل فيه عاملان، أديا الى أولى الانتكاسات التي تساءلنا فيما سبق: كيف ومتى ولماذا وقعت؟

العامل الأول هو الخلو الكامل لتنظيم الضباط الأحرار، الذي استولى على السلطة، من عضوية ضباط أقباط، مع وجود أغلبية من الضباط المتأثرين بإيديولوجيات الحزب الوطني ومصر الفتاة والإخوان المسلمين، بما في ذلك مجلس القيادة، الذي أقصى مبكرًا من عضويته الضباط اليساريين، مثل يوسف صديق وخالد محي الدين، والضباط الليبراليين، مثل عبد المنعم أمين.

وعمومًا فقد كانت أغلبية أعضاء مجلس القيادة من ذوي الفكر المحافظ، بل والرجعي، فيما عدا جمال عبد الناصر نفسه.

أما العامل الثاني فهو اختيار منهج الحكم الشمولي، بما أدى إليه من حل الأحزاب ومحدودية، بل وشكلية، العمل السياسي والبرلماني والانتخابي.

كانت محصلة تفاعل هذين العاملين، في المرحلة الناصرية من حكم ضباط يوليو، هي عدم اتساع دولتهم العميقة، بكل مؤسساتها الرئيسية، في أي وقت من الأوقات، ولو دون قصد واع، لمشاركة غير المسلمين، والمقصود هنا هم الأقباط.

ومع تولي أنور السادات السلطة خلفًا لعبد الناصر، بدأ فصل آخر جديد، هو ما لا نزال نعيش تبعاته.

خلفيات السادات الفكرية والحركية معروفة بالطبع، فالرجل كان أولًا من تلاميذ ومعاوني الفريق عزيز المصري ذي النزعة الفاشية المتدينة، وكان ثانيًا من مؤسسي الحرس الحديدي، كتنظيم سري من الضباط يوالي الملك لاغتيال قيادات الوفد ثأرًا لحادث 4 فبراير، الذي فرض فيه المندوب السامي البريطاني على الملك، بقوة السلاح والتهديد بالعزل، استدعاء الوفد وزعيمه لتشكيل الحكومة عام 1942. وثالثًا: كان السادات من المتعاونين بقوة، وطبقًا لهذه الخلفيات، مع جماعة الإخوان المسلمين.

بهذه الخلفيات فوجئ السادات بجناح قوي في نظام عبد الناصر يصارعه على السلطة، وهذا الجناح محسوب على الاتحاد السوفييتي، في وقت كان فيه الرئيس الجديد يعتقد في قرارة نفسه، كما صرح فيما بعد، أن كل مشاكل جمال عبد الناصر، ومشاكل مصر، خصوصًا هزيمتها عام 1967، جاءت بسبب عداء ناصر للولايات المتحدة، أو مناكفته لها على حد تعبيره.

وعليه فإن كل المشاكل، في رأيه، سوف تُحلّ بالانفتاح على الولايات المتحدة وأصدقائها في المنطقة، وفي مقدمتهم الملوك الثلاثة الكبار؛ فيصل في السعودية، والحسن الثاني في المغرب، وشاه إيران. وبالطبع فقد استشعر السوفييت الخطر من هذه التوجهات، كما استشعره أصدقاؤهم في الداخل المصري.

وهنا يحكي الصديق والزميل الكاتب الصحفي عبده مباشر أنه كان في بعثة صحفية مطولة في موسكو عام 1971، عندما زار السادات العاصمة السوفييتية، وأنه فوجئ باستدعاء الرئيس له مع الزميل الراحل عبد الملك خليل، المراسل العتيد للأهرام هناك، إلى لقاء خاص في منزل السفير يحيي عبد القادر ليسألهما: «كيف يفكر القادة السوفييت في مصر، وفي رئيسها الحالي على وجه الخصوص؟» مضيفًا أنه استمع الى رؤية السفير، وغيره من الدبلوماسيين، ويريد الآن استكشاف مايعرفانه وما يستنتجانه بحسهما الصحفي، خصوصًا مع طول مدة بقاء عبد الملك في موسكو، وصلاته الواسعة والعميقة بكل المسؤولين فيها.

يضيف عبده مباشر إن عبد الملك خليل أجابه في عبارة قاطعة ومركزة: «يا ريس السوفييت يخططون لانقلاب ضدك.»

كيف يستعد السادات إذن لمواجهة هذا المخطط وإحباطه؟ إنها اللعبة القديمة التي لعبها نجيب ثم عبد الناصر من قبل؛ الصفقة مع الإخوان المسلمين.

يخرجون من المعتقلات، وتبدأ الدعاية المكثفة للتحذير من خطر الشيوعية على الإسلام، فيرتدع من يفكر في الانقلاب أو يخطط له، أو يتصدى هؤلاء الخائفون على «الإسلام» للانقلاب في حالة وقوعه، خاصة وأن السادات، بكل الخلفيات الفكرية والحركية التي ذكرناها، وبتحالفاته الإقليمية، وبتحريره للإخوان من سجون عبد الناصر، والسماح لهم بقدر كبير من حرية الحركة، يروق لهم أكثر من عبد الناصر بمئات المرات، إن لم يكن هو النقيض الكامل له بالنسبة لهم.

ومع الوقت، كان لا بد من ثمن يدفعه الرئيس نفسه ونظامه السياسي للإخوان، وسائر تنظيمات الإسلام السياسي، ولا نقصد هنا الوصول إلى حادثة اغتياله.

كان هذا الثمن انحياز الدولة للأفكار والممارسات الرجعية على حساب الأفكار الحداثية والتقدمية، وهو ما جرى بتوسع بعد حرب أكتوبر 1973، في الخطاب السياسي، والكتابات الصحفية، والأعمال التليفزيونية والسينمائية، وشيوع ثقافة التحيز ضد الأقباط في المؤسسات العامة، وعلى منابر المساجد، وظهور تعبيرات من عينة «أخلاق القرية» و«كبير العائلة» و«أفنديات القاهرة»، و«الفشكول» التي وصف بها الرجل نفسه مقولات اليسار حول الجدلية التاريخية والصراع الطبقي، وانتهاء بإشراف الدولة نفسها، من خلال أمانة التنظيم في الاتحاد الاشتراكي، على تشكيل ودعم ونشر الجماعات الإسلامية في كافة جامعات مصر بلا استثناء، مما هو ثابت ومعروف ولايحتاج إلى تفصيل.

هكذا وُضعت القواعد لهيمنة التيار الرجعي، وإحياء تقاليد العصور الوسطى، لتفقد مصر، وحتى الساعة، أهم وأنفع ما كسبته من ثورة 1919.

سؤال ختامي: هل ما سبق ذكره من خلفيات للرئيس السادات، ومن اختياراته وحساباته السياسية، يكفي لتفسير الانقلاب الشامل في الحياة العامة المصرية على قيم الحداثة السياسية، وأهمها المواطنة والوطنية بغض النظر عن الدين أو اللون أو العرق؟

هناك من قالوا إن السادات كان متعصبًا بالفطرة في دخيلة نفسه، وبطريقة تربيته، مقدمين شواهد على هذا، منها إعجاب والده بالقوميين الأتراك المتشددين، ومنها أنه كان يعبر عن مثل هذا التعصب أمام أصفيائه، وأنه نصح أحدهم ذات مرة بتشغيل شيوعي «مسلم» في مؤسسته وعدم تشغيل قبطي، ليمتد التمييز ضد الأقباط من مؤسسات السياسة والأمن إلى كافة مؤسسات الدولة والمجتمع، من الجامعات إلى النوادي الرياضية، ومن المساجد إلى الأسواق.

وأما ما تلا السادات، طوال أعوام حكم مبارك الطويلة والمملة والعقيمة وحتى اليوم، فليس سوى تتابعات وتبعات لانقلابه ذاك، وللأساس الذي وضعته الفترة الناصرية لأبنية الدولة العميقة.

وبينما بشرت ثورة يناير 2011 بكسح كل هذا الركام، وإقامة دولة المواطنة العصرية ومجتمع العدالة الاجتماعية، جاء انتصار الثورة المضادة، سواء في المرحلة الإخوانية القصيرة أو مرحلة دولة يوليو العميقة الحالية، ليوقف المسار الحداثي، بل ويعكس الاتجاه.

مع ذلك تبقي حركة التاريخ غلابة، ولن يشادّها أحد إلا غلبته، مهما يطل الأمد.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد