Define your generation here. Generation What
عن النسخة 5 من «لازم مسرح».. رجلان يتحدثان عن عروض مسرحية نسائية‎
 
 

يمكننا القول وافتراض إن خامس نسخة من ملتقى «لازم مسرح» استطاعت أن تهرب من أشباح المظلومية واتهامات التهميش ولعب دور الضحية لكي تثبّت وجود المُلتَقى، كملتقَى دولى يعنى بالسؤال السياسي، وكيف يمكن أن يجد مكانه في الممارسات الفنية المعاصرة، تحديدًا «الفنون الأدائية»، خاصة في أعقاب ثورة يناير.

تقام فعاليات «لازم مسرح» فى مدينة الإسكندرية، وكانت دورته الأولى عام 2012.

تمكّن الملتقَى هذا العام من الحصول على دعم «أفاق – الصندوق العربى للثقافة والفنون»، ومن  بناء شراكات وتعاونات مع عدد من السفارات والمراكز الثقافية (المؤسسة السويسرية بروهلفيتسيا، معهد جوته، معهد الحوار الدنماركي، السفارة الهولندية، المعهد الفرنسي)، حيث ضمّ على مدار تسعة أيام (من 27 مارس إلى 4 أبريل)، وتحت ثيمة «سرديات نسائية»، 5 ورش عمل بعنوان: «الجسد الإجتماعى»، وورشة «رقص معاصر» مع مصمم الرقص والراقص محمد فؤاد، وورشة «مساحات بديلة» مع الفنان سلام يسرى، وورشة كتابة إبداعية مع الكاتبة والفنانة والباحثة زينب مجدي، وورشة «دراماتورجي» مع فيران دوردال، وورشة «تمثيل» مع ستيوارت لينش، وكذلك لقاء نقاشي مع قيِّمة الفنون الأدائية هانا بفوتشيلر عن التبادل الفني، ولقاء نقاشي من تنسيق خلود سعيد عامر لتقديم دراسة الباحثة أليكس شيندلر عن الفن بعد الثورة، وعرض فيلم ونقاش من تنظيم كاتب هذه السطور.

شمل الملتقَى تسعة عروض مسرحية. شاهدتُ منهم ثمانية عروض، وسأحاول هنا الاشتباك مع تلك النسخة من الملتقى وثيمتها عبر حوار مع عادل عبدالوهاب المدير الفني للملتقى، والتعليق والمناقشة وطرح الأسئلة حول العروض التي تمكنتُ من متابعتها.

تصل مدة كل عرض إلى حوالي الساعة، وقُدمت كل العروض على مسرح الجراج في مركز الجيزويت الثقافي بإستثناء عرض محمد فؤاد «بدون خسائر»، فكان على خشبة مسرح المعهد الفرنسي.

زينب مجدي من عرض “ناس عادية جدًا”

بدأ الملتقى بعرض زينب مجدي «ناس عادية جدًا»، حيث نجد زينب تجلس أمام لابتوب على مكتب، وإلى جوارها زجاجة مياه، وفي الخلفية شاشة بروجيكتور تعرض محتويات شاشة اللابتوب.

تحاول الشخصية الوحيدة في العرض المذاكرة والكتابة، لكن ذهنها يشرد ليحكي ويؤدي نصًا عبارة عن توليف بين أحلام و كوابيس وذكريات وحكايات وتأملات تصل إلى ذروتها في وحدات/حكايات تبدأ بالخاص (الشخصي) وتصل إلى العام (السياسى)، مرورًا بتأملات وأسئلة عن كيفية عمل الذاكرة، حيث تشبّه الذكريات ببرطمانات، أو عن ديناميكيات وعلاقات السلطة داخل الأسرة أو العائلة عبر أجيال مختلفة الحوارات المتنوعة مع الجدة/ات المختلفة، وعلاقة زينب بالأب، ومع الأم أحيانًا، أو عن التذكر كفعل خائن، وناقص غالبًا ما يستكمل بالخيال (حكايات الطفولة والجيران)، أو عن التذكر عبر الحواس، الرائحة تحديدًا، وصولًا إلى أكثر حكايات النص/ العرض تماسكًا فى رأيي، وهي قصة نفرتيتي التي رأت زينب رأسها في المتحف المصري في برلين، حيث كانت تشارك في ورشة لكتابة وإعداد نص ذلك العرض.

تأخذنا زينب لقصة نفرتيتي نفسها، واستعمار واحتلال رأسها، وقصة وصولها إلى برلين، وكيف تعاملت معها النازية، ووسائل الإعلام والسلطات المصرية فيما بعد.

في تقديري ربما احتاج العرض إلى تقديم مواده السمعية والبصرية على اللابتوب، كمكون رئيسي لطرح علاقة توازي، وليس مجرد ترجمة، مما قد يعمّق تلقي نص العرض.

العرض التالي كان «السياسة والحب» للفنانة الهولندية إيفا فان مانن، والذي يعد عرضًا موسيقيًا مسرحيًا يمزج بين الهيب هوب، والموسيقى الإلكترونية، والشعر، حيث تقف إيفا بمفردها على خشبة المسرح، فتحكي وتعزف وتغني أغنيات نابعة من تجارب ذاتية، تبين تلك العلاقة الملتبسة بين السياسة والحب. فتروي كيف أنها لم تتعرّض للتوقيف والمساءلة من الشرطة الهولندية لأنها تبدو «هولندية أوروبية ذات بشرة بيضاء» بخلاف صاحبها المهاجر من إحدى الدول الجنوبية، والذي تسأله وتفتشه الشرطة.

تعي إيفا كفنانة أوروبية بيضاء موقعها وامتيازاتها، وتسعى إلى تقديم نوع أغانٍ ذات رسالة صريحة وواضحة تحمل طرحًا نسويًا يتقاطع مع نقد العنصرية وتاريخ الاستعمار الأوروبي والرأسمالية وشبكات التواصل الاجتماعي التي تتحكم في حياتنا.

إحدى الأغنيات تأخذ شكلًا ساخرًا كحوار بين ذكر وأنثى، يقول رجل للمغنية كلامِك فلسفي وعميق وثوري ومباشر لا يليق بأغنية. هذه الأغنية تجعلنا نطرح ذلك السؤال المتعلق بالنقد الدائم الذي يوجه للممارسات الفنية المختلفة المعنية بـ «الطرح النضالي الناشطي السياسي» سواء كان نسويًا أو غيره، والذي يحكم عليها بأنها مباشرة وخطابية وتلقينية ذات قيمة فنية منخفضة، والسؤال هو: هل بقلب الطاولة على ذلك النوع من النقد بوصفه بالنقد الذكوري، فإن ذلك يسحب شرعيته الفنية تمامًا ويقوضه ويوقف مفعوله؟

على جانب آخر، تفاعلت مجموعة من الشباب الذكور مع الأغنيات بحماس، بالتصفيق والصياح والترديد وهو ما لم تهتم به ايفا كثيرًا، واعتبره عادل عبدالوهاب تفاعلًا مع الموسيقى، بينما رأت فيه الكثيرات من الحاضرات للعرض طفحًا للـ «تستوستيرون» بشكل زائد، ولا يخلو من شبهة تحرش.

هكذا بدء الملتقى بمقدمة لعادل عبدالوهاب، وعرضين متتالين لفنانتين كإعلان عن ثيمة الملتقى، وانحيازه لأشكال العرض «غير التقليدية» على حد قول عادل.

اختار عادل وصف «نسائية»، وليس «نسوية» لوصف ثيمة الملتقى هذا العام لأن وصف «نسائي» في رأيه أوسع، وأشمل،  ويتناسب مع عروض تلك النسخة أكثر من وصف «نسوي»، الذي يعتبره عادل وصفًا سياسيًا بشكل أكبر.

ويحدد حركات ومجموعات سياسية كما أنه لا يريد للعروض التي اختارها أن تقع فى خلط أو سوء فهم في حالة استخدام وصف «نسوي». على سبيل المثال هل تصنف تبعًا للموجة النسوية الثانية أو الثالثة وهكذا؟

من عرض: حوارات

«حوارات» هو عرض دنماركي للفنانين ستيوارت لينش، واستريد لوند، ويتناول هذا العرض العلاقات العاطفية بين رجل وامرأة بشكل يقوم إلى حد ما بعكس النمط التقليدي للعلاقة، لتبدو المرأة الجالسة أكثر قوة وعقلانية، ويبدو الرجل الواقف أكثر حركة ورقص وعاطفية، حيث يرقص رقص البوتو الياباني الذي يشمل حركات متنوعة وأحيانًا متناقضة في وقت واحد في مقابل ما تقوله المرأة.

يبدو العرض كصورة معاصرة لمسرح درامي تقليدي يقوم على حوارات عن العلاقات، خالقًا لوحات أشبه بـ «ستاتوسات» فيسبوك، ونجدها تعبر عما نشعر به، فنضغط «لايك»، ثم «شير». ومع كونه يقوم  بعكس «النمط»، إلا أنه لايزال داخل إطار النمط، فهو يقدم تصوّره عن العنف عبر رقصة «تانجو» على الطريقة الدنماركية خالية من العنف، وينتهي بتطهير أرسطي عادي.

عرض: أوديستي

في عرض «أوديسّتي»، تقوم الراقصة الدنماركية تيلدا نودسن التي تتمتع بتناسق عضلي قوي وواضح، بالحركة والجري والتنطيط في دائرة واسعة من الجمهور على خشبة المسرح. تحكي قصة الأوديسا كاملة لتتخذ منها مادة للإسقاطات السياسية على مقررات اللحظة الراهنة بالنسبة لفنانة بيضاء أوروبية، لتقدم بشكل ساخر قضايا الإختلافات الثقافية ومعسكرات اللاجئين، منتقدة ترامب، والرجال «الدنماركيين»، وكيفية تناول هوليوود لقصة طروادة، والحديث بأريحية عن الحورية «كاليبسو» النهمة لممارسة الجنس.

من وجهة نظر عادل عبدالوهاب، يعتبر هذا العرض طرحًا جديدًا على الجمهور المصري. فهو يشبه إلى حدٍ ما في مظهره، عرضًا ارتجاليًا تفاعليًا مع الجمهور. لكن في بُعد ما، وحينما تنتهي من المشاهدة، ستشعر أن العرض كان مسكونًا بهاجس قول وعمل كل شيء، فانتهي بأنه لا يقدم أي شيء بالتقريب.. عرض مبهر حد الملل.

المحاضرة الأدائية (روزا ولويزا .. مانفيستو نسوى فى حوارات)

قُدمت المحاضرة الأدائية «روزا ولويزا .. مانفيستو نسوي في حوارات» لأريانا كوخ، وسارينا شيديجار 11 مرة فى شوارع و ساحات عامة ومتاحف بأشكال مختلفة في سويسرا و بلدان أُخرى. كما تقول الناشطة النسوية والفنانة سلمى سعيد، التى شاركت فى ورشة مع الكاتبتين السويسريتين لمدة ثلاثة أيام، وقامت بتقديم عرض كنتيجة لتلك الورشة على خشبة المسرح مع شيرين حجازي وأنا كاستانو ألمندرال.

حوّلت الورشة ترجمة النص إلى العربية من الفصحى إلى العامية، وكذلك تمّ تعديل أجزاء بسيطة من النص بما يتناسب مع أطروحات سلمى وشيرين، ولكي يكون قادرًا على عكس رؤية السياقات المختلفة السويسري الأوروبي والمصري العربي. تطمح المحاضرة / النص /العرض بداية من العنوان في تقديم طرح مغاير غير سلطوي لفكرة المانفيستو كشكل وأداء، وكمحتوى ومضمون.

كشكل وأداء، كان العرض تقليديًا إلى حد كبير في أداء وإلقاء المانفيستو (التحدث في مايك- التحدث من مستوى أعلى – الملابس – المظهر المحايد) بإستثناء لوحة رقص لشيرين حجازي تتوازى مع إلقاء جزء من المانفيستو. في رأيي احتاج العرض للعمل أكثر على أداء وإلقاء المانفيستو من أجل تقديم طرح مغاير يخلق حالة جدل.

على مستوى المضمون والمحتوى، كانت العامية اختيارًا مناسبًا يغاير التقليدية السلطوية للمانفيستو. لكن اعتماد هذا المانفيستو بشكل كبير على رفض ممارسات نمط الحياة الذكوري الأبوي (مش هعمل كذا تاني ..مش هعمل كذا تاني) يطرح السؤال: هل المسألة النسوية قائمة بالأساس على مستوى رفض الذكورية فقط؟ أو بصياغة أخرى:  تعريف النسوية كمرادف لرفض الذكورية ألا يجعل من الذكورية معيارًا ومركزًا؟ هل يمكن لمانيفستو أن يعتمد على طرح الأسئلة فقط، أكثر من تقديمه إجابات عن التناقضات التي يمكن أن تنتج داخل الخطاب النسوي ذاته، بين سياقات شمال وجنوب العالم؟ما هي إمكانية تقاطع الخطاب النسوي بأشكاله المتنوعة مع خطابات مناهضة الهيمنة الأُخرى؟ ما هي مساحة «الذاتي» في مانفيستو جماعي؟ أعتقد أن تلك المحاضرة والعرض تقدم فكرة طموحة وهامة تستحق بحث وعمل طويل وجاد لكي يمكن تقديمها في أحسن صورة.

من عرض :أرض بلا كلمات

منذ عام 2009، تقدم المخرجة الألمانية لوديا زيميكه عرض «أرض بلا كلمات» عن نص مسرحي بالاسم نفسه للمؤلفة الألمانية الحائزة على العديد من الجوائز ديا لور، والذي كتبته بعد زيارة كابول عاصمة أفغانستان في 2005.

مونودراما تتقمص من خلالها الممثلة لوسي اليسون شخصية فنانة تشكيلية متأثرة بأفكار الفنان الأمريكي من أصل روسي مارك روثكو عن «التعبيرية التجريدية»، حيث تكون الألوان والخطوط والأشكال أكثر حرية وأقدر على التعبير عندما تعبّر عن الذات الداخلية على سطح اللوحة الأبيض الأملس مباشرة، وليس عندما تكون محاكاة للواقع، أو مفاهيم رسمية تقليدية، أو تمثيل لأشياء.

وفجأة، تنتقل الى مدينة كـ «كابول أو أي مدينة شرق أوسطية تتعرض لحروب، لماذا؟ لانعرف» عبر موسيقى شرقية تقليدية وتتغير كل أفكارها عن الفن حين تبدأ معاناة الفنانة مع ويلات وصدمات الحرب من عنف وفقر وجوع والنساء المحجبات، تهرب منها الكلمات والمعانى، ولا تجد سوى أن تطبع ملامح الهلع على وجهها، على طين النحت، ثم تعود مرة أخرى لأوروبا و ترتدي فستانها، وتحاول تجاوز الألم واستعادة حياتها.

طوال العرض، نرى الممثلة تسعى جاهدة إلى التقمص والتماهي مع شخصية العرض لكي نتعاطف معها كجمهور. فنانة أوروبية تعاني في كابول أو أي مدينة شرق أوسطية تعيش حربًا، كأن الحرب فى الشرق الأوسط كلها واحدة، ليتحوّل التجريد من التعبير الفني إلى المدن وناسها أمام معاناة الفنان. دون أي تعقيد للسياقات الإقتصادية السياسية لتلك الحرب، ودون أي مسافة تأخذها الفنانة لتسأل ما الذي أتى بها إلى هنا؟ لتسائل موقعها من تلك الحرب، ومن الناس الذين تتحدث عنهم. فقط نجد هالة معاناة الفنانة، ومركزية عذابها وضياع لغتها ومحاولة تعافيها.

عرض الراقص ومصمم الرقص محمد فؤاد: بدون خسائر

من المفارقات الطريفة المثيرة للتفكير  في «لازم مسرح» هذا العام، أن أهم عروض الملتقى فى رأيي هي عروض الرقص المعاصر المصرية، التي تعكس رؤية عادل عبدالوهاب عن المسرح المعاصر الذي يكسر الحائط الرابع. ما يساهم في تغيير حالة التيبس والركود في عروض الرقص المعاصر، ليس في مدينة الإسكندرية فقط. ولكن في مصر عمومًا بالأونة الأخيرة.

يبدأ محمد فؤاد عرضه «بدون خسائر» من انتاج مهرجان «دي كاف» (مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة)، بأبسط الطرق، وأكثرها مباشرة بأن يلقى بيانًا عن أن العرض الذي سوف يقوم بتقديمه، ليس عن ترامب، أو الرأسمالية، أو التحرش، أو بحث رقص، أو اللاجئين، أو أي حزمة من موضوعات عروض الرقص المعاصر، أو الفن المستقل المعاصر عمومًا، والتى تتفق مع مؤسسات التمويل والجهات المانحة، ثم يخيّر الجمهور لمدة 30 ثانية إذا كان يريد أن يستمر فى حضور العرض.

بعدها يقدم مقطوعة رقص تعتمد على التفاعل مع الموسيقى المؤلفة لها، ثم يحيي الجمهور، ويخبره أن تلك المقطوعة ليست عملًا أصيلًا، ولكنها نتاج عروض قام بها من قبل أو حركات تعلمها من راقصين آخرين، في إشارة واضحة ضد أسطورة هالة وأصالة الفن، ثم تبدأ دورة رأس مال فعلية.

يطلب فؤاد من الجمهور أن يقوم أحدهم بالترجمة مقابل تعاطي أجرًا، ثم يسأل إذا كان أحد من الجمهور يريد أن يشاهد مقطوعة الرقص مرة أخرى، فعلى أحدهم أن يدفع مالًا ليعيد العرض بشكل أشبه برقصة «ستريبتيز»، ثم يقوم بالعرض لفرد واحد مقابل المال.

بعدها يأتي فرد من الجمهور ليضربه على خدّه مقابل المال، ثم يطالب أحدهم بمال أكثر بكثير من أجل قبلة، لكن صوت خفي (صوت الرقابة) يقول إن هذا المشهد غير مناسب، لأنه منافٍ للنظام والآداب العامة. تتسامح الرقابة مع العنف ولا تتسامح مع القبلات.

بعد ذلك، يطلب فؤاد أفرادًا من الجمهور لتنفيذ حركات معينة على المسرح. يصعد البعض بالفعل، ويطيعونه وينفذون بعض الحركات، ويأخذون المال مقابل ذلك.

هكذا، وباستثناء المشهد الأول، الذي يلقي فيه فؤاد بيانه كشخصية فنان يبدو متعالٍ أخلاقيًا على المشهد الفني، يقوم بعدها بكسر كل التوقعات، محولًا بيانه إلى ممارسة فنية جمالية تبدو قاسية ووحشية أحيانًا، يقدم من خلالها دورة رأس مال كاملة بأموال فعلية لا ترد، مقابل خدمات داخل إطار الفن، سواء كان سائدًا أو مستقلًا فلا يهم. الجميع داخل دورة رأس المال بأشكال مختلفة، الفنان المنتج والمستهلك بدوره في أشكال انتاج أخرى، والجمهور المستهلك، والذى يمكن أن يكون منتجًا أو مشاركًا فى العملية الإنتاجية الفنية، ليصبح عرض محمد فؤاد يطرح تساؤلات حول نظام الإنتاج الفنى المستقل المعاصر من داخله، طارحًا كل الموضوعات التي تحدّث عنها في بداية عرضه، لكن في شكل ممارسة فنية دون كلام كثير.

من عرض يا سم

حاز عرض «يا سم» لشيرين حجازي على العديد من الجوائز حتى الآن، وبالإضافة لعرض «مانفيستو نسوي»، أفصح عادل عبدالوهاب عن سعادته لأنه استطاع تقديم العرض في الإسكندرية ضمن فعاليات الملتقى لهذا العام تحديدًا بعد ما تمّ إلغاء عرض نانسي نعوس في آخر لحظة، وذلك لعدم حصولها على الفيزا. يفكك العرض الرقص الشرقي وفقًا لأحكام فقهاء ورجال الدين الإسلامي.

يطرح العرض ممارسة فنية جمالية على شكل استراتيجية مواقفية تخريبية للصور المهيمنة النمطية للرقص الشرقي والرقص البلدي الفولكلوري التي تنتجها الثقافة الأبوية الذكورية في المسلسلات والأفلام ومهرجانات وزارة الثقافة للفنون الشعبية التي تقدم الجسد الأنثوى كمصدر الغواية، والجسد الذكورى كمصدر القوة والضبط والتحكم، تلك الصور التي قد تتسبب في منطق التحرش حيث الجسد الذكوري «القوي» يستبيح وينتهك الجسد الأنثوي «الضعيف».

يحاول العرض هدم ذلك المنطق وإعادة تحويل مسار تقنيات وحركات الرقص الشرقى في مسار آخر.

لنجد بدل رقص، ليست على معيار الغواية. كما نجد ثلاثة أجساد أنثوية متنوعة لثلاث عارضات ليست على معيار الذكورية، يقمن بالرقص على إيقاع طبلة صابرين الحسامي، التي انتزعت إتقان وضبط إيقاع الطبلة من احتكار الرجال.

كما يقمن بتقديم صولوهات رقص بالشخاليل على الطبلة، ثم يقمن بالتحطيب بالعصيان الذي يحتكره الرجال وفقًا لارتجالهن مع الموسيقى، فنرى العصا كقضيب متخيل تنكسر مركزيته على خشبة المسرح.

تردد العارضات عبارات التحرش، ثم يقمن بعمل صولوهات تقليدية إلى حد ما عن حركات التحرش و الإعتداء والإغتصاب، قبل أن ينتقلن بسرعة لإطارات تعكس تعبيرات وحركات الصور النمطية عن البنات التى تتعرض لتحرش ولا تتكلم و لا ترى أحدًا، و تخجل من التحدث بالموضوع، ثم بسرعة أيضًا، نجد العارضات تتمردن على تلك الإطارات والصور النمطية لتقدمن رقصة جماعية قوية ومبادرة وشجاعة.

أعتقد أن السرعة و التلاعب بالزمن فى الثلث الأخير من العرض يحتاج لأن يكون أبطأ، وأكثر ذاتية، في شكل صولوهات أو بورتريهات حركة ورقص ذاتية، تعكس ثقل ذلك الوقت بعد حركات الإعتداء والتحرش.

تبدو تلك النسخة من ملتقى «لازم مسرح» هذا العام بثيمة سرديات نسائية كردة فعل على حالة الزخم الثقافي والسياسي والنقاشي بعد حملة me too، وفتح نقاشات أوسع حول النسوية وقضايا التحرش والاعتداءات الجنسية والرضا في دوائر السياسة والمجتمع المدني، لكنها أيضًا تقف أمام تساؤل إشكالي، حول عدم وجود لجنة اختيار معلنة مع عادل عبدالوهاب تضم فنانات مسرح أو كاتبات أو قيّمات فنون أدائية لاختيار عروض تلك الدورة كدلالة على الوعي بموقع وامتياز الاختيار. وذلك ليعالج الملتقَى إشكالية التمثيل المطروحة دائمًا.  وهناك تساؤل آخر يخص أن غالبية عروض الملتقى أوروبية بيضاء، وليس من بينها على سبيل المثال عروض لفنانين أو فنانات عرب أو أفارقة يقيمون في أوروبا.

عادل عبد الوهاب المدير الفنى لملتقي “لازم مسرح”

يقول عادل إن ثيمة «سرديات نسائية» تشغله ويريد تقديمها منذ 2017، قبل حتى ذلك الزخم، ولم يتمكن نظرًا لأزمة التمويل وقتها كما أنه يؤكد أن قرارات اختيار العروض في «لازم مسرح» ليست قراراته بشكل فردى، فهو دائمًا ما يستشير ندى عبدالوهاب المدير التنفيذى للملتقى، وأحيانًا عمر عادل، المدير البصري لملتقى  «لازم مسرح»، كما أنه دائم التواصل مع الفنانين والفنانات الذين عرضوا في «لازم مسرح»، وأغلبيتهن فنانات يتشاركن مع الملتقى آراءهن ومجهودهن وأوقاتهم.

فيما يخص نقطة أن غالبية العروض أوروبية، يقول عادل عبدالوهاب إن ذلك يعتمد على كم العروض التى استطاع أن يراها ليختار منها وطبيعة التمويل المتاح، فالملتقَى حتى الآن ليس لديه «البنية التحتية» التى تجعله شريكًا فى إنتاج عروض، أو أن يضم مختارات متنوعة من العروض، وهو أمر لا يتوافر لأي ملتقى/ حدث فني في مصر.

حاول عادل مثلًا أن يقدم في «لازم مسرح» عرضًا لفنانة هولندية (نصف مصرية) عن نينا سيمون وأغانيها وحياتها، وكذلك عن العنصرية، لكنه لم يتمكن من ذلك. ومن ناحية أخرى، حاول أن يطرح حلولًا مثل أن يعتمد على عروض «مونودراما» أو «ديو»، تقوم على المواجهة بين الفنانين والجمهور على خشبة عارية، مع ديكور بسيط، ما يفتح المجال لأشكال مسرحية جديدة وغير تقليدية أمام الجمهور المصري المتنوع بتنوع الثيمات المختلفة كل عام.

هذا بالفعل مايمكننا أن نختتم به عن خامس نسخة من «لازم مسرح» هذا العام. فقد تمكّن جمهور متنوع فى الأعمار والخلفيات، من النساء والرجال، من حضور مختلف عروض الملتقى التى استطاعت أن تثير بعض النقاش، وتطرح العديد من الأسئلة كذلك.

اعلان
 
 
علي حسين العدوي