Define your generation here. Generation What

رجوعًا لأرسطو والمأساة: سوريا كمسرح تراجيدي

على مدار السنوات الماضية، ومن بين التساؤلات الكثيرة التي شغلت بال العرب حيال ما يحدث في سوريا، كان ثمة تعليق متكرر محتار تتناقله أقلام الصحفيين ومجاميع كثيرة من البشر في وسائط التواصل الاجتماعي. يتركز التعليق حول محاولة تأويل ما يظهر أنه صمت شعوب المنطقة تجاه صور الدمار والعنف التي تملأ الفضاء السوري، ولا مبالاتها أمام إحدى أسوأ المآسي الإنسانية التي شهدتها منطقتنا، إن لم تكن أسوأها على الإطلاق.

تبرز هذه الأسئلة كلما اشتد فصل من فصول القصف والحصار والتجويع التي تعانيها المدن والمناطق السورية، وآخرها دوما والغوطة الشرقية، ثم صبيحة اليوم، القصف الأمريكي على دمشق: كيف يمكننا، نحن العرب، المضي في حياتنا ومشاغلنا وكأن شيئًا لا يحدث في سوريا؟ كيف تعودنا على الدم السوري إلى درجة أن صور الضحايا لم تعد تثيرنا؟

وباختصار، لماذا لا نتأثر بالمأساة السورية إلا في بضع كلمات على الفيسبوك، نكتبها كنوع من رفع العتب، أو في مقال صحفي، هنا أو هناك؟

أنطلق في هذه المقالة من وجهة نظر نقيضة تمامًا لما سبق، محاولًا تبيان أنه، وخلافًا لما تعتقده هذه التساؤلات الشائعة، فقد أثرت الثورة السورية تأثيرًا بالغ الخطورة والأهمية في كل شعوب المنطقة، وسيما في الدول الملاصقة لسوريا.

الدمار الذي لحق بسوريا جراء الثورة السورية ليس مجرد صور ننظر فيها ثم نمضي، كما تزعم الرؤية أعلاه، بل كان له دور هائل في إعادة تشكيل المخيلة الثورية التي عصفت بشعوب المنطقة منذ أحداث تونس 2011. وما نراه من غياب للفعل العربي الشعبي حيال سوريا ليس لا مبالاة أو تجاهلًا أو حتى تعودًا على العنف، رغم وجود هذه العناصر عند البعض بالتأكيد، وإنما هو بحد ذاته الأثر الأساسي الذي أحدثته الثورة السورية فينا.

سوريا، بكلمات أخرى، دفعتنا نحو منطقة اللافعل، حولتنا إلى متفرجين على أحداثها وقتلت فينا أية رغبة في محاولة تغيير الوضع القائم، أيًا كان. اللافعل العربي، بهذا المعنى، هو الفعل الوحيد الممكن تجاه سوريا، بل وحتى تجاهنا.

كيف ذلك؟ قد يكون اللجوء إلى أرسطو ونظريته حول التراجيديا والتطهير ذا فائدة كبيرة في هذا السياق.

يرى أرسطو في «كتاب الشعر» أن المسرح التراجيدي يقوم على شخصيات نبيلة يتغير حالها من الهناء إلى الشقاء، لا لشر أصيل في طبيعتها، وإنما بسبب أخطاء ارتكبتها هذه الشخصيات.

أدخل أرسطو في تأويل دور التراجيديا في النفوس مصطلحه الشهير «التطهير.. Catharsis»، الذي حاول عبره شرح طبيعة الأثر الذي تتركه المسرحيات التراجيدية في نفوس مشاهديها.

من المفيد هنا الإشارة إلى أن أرسطو كان يدافع عن المسرح في وجه أستاذه أفلاطون الذي نفى الشعراء من جمهوريته، معتبرًا أن المسرح يؤدي إلى طغيان المشاعر والانفعالات الحادة التي تؤثر على الملكات العقلية لدى البشر. حاول أرسطو من جهته إثبات العكس تمامًا، متخذًا من فكرة «التطهير» مدخلًا لذلك.

ما يفعله المسرح التراجيدي، بحسب أرسطو، هو أنه يخلّص المتفرجين من مشاعر الشفقة والخوف التي تعتمل في صدورهم؛ الشفقة على مصير البطل التراجيدي، والخوف من أن يصيبهم ما أصابه.

بعكس أفلاطون إذن، يرى أرسطو أن المسرح التراجيدي لا يزيد من منسوب العاطفة لدى الإنسان، بل يخلّصه ويطهّره منها.

في مسرحية «أوديب ملكًا»، على سبيل المثال، وهي أشهر المسرحيات التراجيدية الإغريقية، فإن مشاهدي المسرحية يشفقون على مصير أوديب الذي قتل أباه وتزوج أمه خطأ، قبل أن يفقدها ويفقأ عينه، وهم في الوقت ذاته يخافون من مصير أوديب هذا، فيحرصون أشد الحرص على تجنب الأخطاء التي ارتكبها والتي أدت به إلى هذا المصير التراجيدي.

ما أريد قوله من كل هذا هو أن سوريا تحولت للأسف إلى مسرح تراجيدي، وحولتنا نحن العرب إلى مشاهدين نتفرج على هذه التراجيديا الممتدة، ونختبر التطهير ذاته الذي وصفه أرسطو.

لا خلاف لدى الجميع في مدى الحزن الذي ينتابنا ونحن نرى صور الضحايا والدماء، والشفقة على مصير الأبرياء الذين قضوا أو هجّروا من ديارهم. لكن الكثيرين يغفلون عن الأثر الآخر المدمر لأحداث سوريا: الخوف.

نحن مرعوبون من أن يصيبنا ما أصاب سوريا. صمتنا ولافعلنا وعمانا وصممنا أمام سوريا ليس تجاهلًا، بل خوف. نحن مكترثون أشد الاكتراث لما يحدث في سوريا، ولذلك لا نفعل أي شيء. الرعب السوري شلّنا؛ الأردن مرعوب. لبنان مرعوب. مصر مرعوبة. حتى فلسطين، رغم كل ما فيها، مرعوبة؛ أثناء زيارتي الأخيرة قبل سنتين سمعت بأذني فلسطينيين يقولون إن وضعهم، رغم بؤسه، يظل جيدًا إذا ما قيس بسوريا.

كُتبت تحليلات كثيرة حول الحراك الذي شهده الأردن مثلًا منذ بداية الثورات العربية عام 2011. حاولت فرضيات عديدة شرح سبب خمود الحراك بالتدريج؛ لماذا لم يتحقق شيء ملموس على الأرض، لماذا تناقصت أعداد المظاهرات إلى أن وصلت إلى نقطة الصفر بعد عام 2012. تحدث علماء السياسة عن خصوصية المشهد الأردني؛ الطبيعة المختلفة للنظام، صعوبة التركيبة الديمجرافية الأردنية، قدرة النظام على استيعاب معارضيه، تشرذم المعارضة، الضربة التي تعرض لها الإخوان المسلمون في مصر وأثرها عليهم في الأردن. قد يكون كل ذلك صحيحًا. لكن ثمة شيئًا آخر لا يقاس كميًا: الخوف. أرسطو سيطل برأسه هنا. الأردنيون نظروا إلى جارتهم الكبرى وما حدث لها فأصابهم الصمت. المشهد السوري أصبح مجازًا لما يمكن أن يكون عليه الحال إذا ما تطورت الأحداث. في البدء، إذن، وفيما قبل البدء، كان الصمت.

المفارقة المحزنة في الحالة السورية أن خروج السوريين في بداية ثورتهم كان حدثًا مسرحيًا صادمًا بامتياز. كنا نتهامس بصمت، نوشوش بعضنا ذاهلين، بعد أحداث تونس ومصر، عن إمكانية أن يحدث شيء ما في سوريا. أي شيء. سوريا التي تحول المشهد السياسي فيها لعقود إلى شعب متفرج في أغلبه ونظام حديدي يمثل ما يريد من خطابات بغية إحكام قبضته على البلاد. أتذكر تمامًا أن مجرد التفكير في حدث سوري قريب كان انتصارًا، إشعارًا بأن الجدار سيهدم.

ثمة روح بريختية كانت تسيطر على عقولنا في الأيام التي كنا نسمع فيها عن دعوات لتحركات في سوريا. الألماني الكبير برتولت بريخت كان ينظّر لمسرح ملحمي، يتحرك فيه الجمهور ولا يعود ساكنًا، يهدم الجدار الرابع بينه وبين خشبة المسرح والممثلين.

في سوريا تحديدًا، حمل سعد الله ونوس راية بريخت ونظّر وكتب مسرحيات يكون فيها الجمهور جزءًا من الأداء المسرحي، لا متفرجًا خاملًا يجلس على خشبة المسرح في انتظار التطهير الأرسطي. دعا ونوس إلى جمهور وقح، متسائل، قلق، غاضب، متشنج، يثور على المخرج والممثل ويسائل خطاباتهما، ومات ونوس دون أن يرى أثرًا حقيقيًا لمشروعه في سوريا.

خرج السوريون، سنوات بعد وفاة ونوس، حطموا الجدار، أرادوا أن يكتبوا نصهم، لكن النص لم يكتمل. وبدلًا من أن تحقق الحركة البريختية هذه أهدافها، وبدلًا من أن يُهدم الجدار بالكامل، إذا بجدارات تبنى، وإذا بنا نحن نعود إلى اللحظة الأرسطية ذاتها، نتفرج على رعب المذابح، نئن ألمًا وحسرة، ويتوقف فعلنا عند الأنين. يصبح الجدار أعلى، يصبح حقيقة شبة مطلقة، ونعود أدراجنا، نتطهر أرسطيًا، ونخشى حتى أن نسأل متى سينتهي كل هذا.

لكننا حتى اللحظة لم نستفسر عن طبيعة الخطأ الذي ارتكبه السوريون كي يحل بهم كل هذا الخراب. نعود إلى أرسطو.

في النموذج التراجيدي سالف الذكر، شرح أرسطو أن البطل التراجيدي يتحول من الهناء إلى الشقاء بسبب أخطاء معينة ارتكبها. اختلف النقاد كثيرًا في تأويل كلام أرسطو. ما الخطأ الذي ارتكبه أوديب مثلًا كي يحل به هذا المصير المرعب؟

بعضهم رأى أنه النزق الشديد الذي جعله يقتل أباه دون قصد، ودون أن يعرف أنه أبوه. آخرون رأوا أنه كبرياؤه الذي أعماه عن ربط الخيوط التي كانت تظهر أمامه حول أصله ومصيره. مهما كان رأيُنا، فلا بد للتراجيديا كي تكتمل أن يكون ثمة خطأ يرتكبه البطل التراجيدي.

ما الخطأ الذي ارتكبه السوريون إذن؟

حاول السوريون، أو بعضهم على الأقل كي لا نُتهم بالتعميم، أن يتلمسوا معنى أن يقول الواحد «لا». أين الخطأ في هذا؟ وهل هناك خطأ تراجيدي أصلًا في الحالة السورية؟

كان المشهد أشبه بتجربة في الثورة، محاولة لخرق الصوت الواحد، سعي نحو فضاءات أخرى لا يظللها الأسد وزبانيته.

ثمة تأويلات لا نهائية للثورة السورية وأسباب إجهاضها، سرديات متصارعة بعدد المشاركين فيها. البعض يختار الحل الأسهل ويقول إن الخطأ كان الخروج دون التأمل في تعقيد الوضع السوري. هذه سذاجة يعيننا عليها التفكير بأثر رجعي الآن.

قد يكون الخطأ في عسكرة الثورة. ربما. قد يكون في قبول التدخل من كل مكان وزمان وجهة. ربما. لم تبق جهة لم تفسد الفرح السوري الذي لم يكتمل. ربما. قد يكون خطأ السوريين أنهم تأخروا كثيرا في الخروج. ربما. قد يكون خطأهم أنهم بالغوا في أحلامهم. ربما. قد يكون خطأهم أنهم محكومون من عصابة ديكتاتورية قل مثيلها. ربما. أما اليقين الوحيد فهو أن خطأ السوريين كان أنهم وُجدوا أصلًا في هذا الزمن القاتل للأحلام.

اعلان