Define your generation here. Generation What
«كاتبات الخزانة»: هل الكتابة فعل كشف أم إخفاء؟
 
 

تُستخدم كلمة «خزانة» في الثقافة الغربية للتعبير عن الموقف الذي يتبناه شخص ما حيال حياته الجنسية، سواء كان مثليًا، أو مزدوج الميول الجنسية، أو عابر جنسيًا. و«الخروج من الخزانة» يعني أنه يقرر عدم الكذب أمام الأصدقاء والرفاق، وألا يمارس أي شكل من أشكال التمويه عن هويته الحقيقية، بينما تعني حياة «الخزانة» نفسها أن الشخص لا يعبر عن هويته الجنسية أمام الناس، وربما حتى قد يتزوج ويدخل في علاقة مقبولة اجتماعيًا، بينما يعيش حياة ثانية في السرّ.

تلجأ إصدارة «اختيار» الأخيرة «كاتبات الخزانة»، بالإحالة إلى سياق مشابه لما درجت عليه الثقافة الغربية في استعمال المصطلح، وتختار أن تفتتح عددها هذا بنص مترجم لغلوريا آنزالدو «التكلم بألسنة … رسالة إلى كاتبات العالم الثالث»، وهو مقطع من كتابها «هذا الجسر يُدعى ظهري» الذي  صدر عام 1981. غلوريا (1942-2004)، هي أحد أهم المُنظِّرات لخطاب تيار النسوية المثلية، والنظرية الكويرية، ونسوية ما بعد الاستعمار في العالم.

تستهلّ غلوريا نصّها بـ«عزيزاتي النساء ذوات البشرة الملونة، رفيقاتي في الكتابة»، مواصلةَ فيما يشبه الرسالة المفتوحة التحريض على الكتابة بوصفها فعل مقاومة/ فعل اختلاق مكان وسط منظومة اجتماعية لا تجد أمكنة للعديد من النساء.

«ذوات البشرة الملونة» هُن مَنْ ينتمين إلى طريقة في التفكير تتحمل العنصرية ولسن بالضرورة نساء يملكن هذا اللون من البشرة، إنهن النسويات والمثليات والمنتميات إلى طبقات اجتماعية أقل، إنهن مَنْ لا يملكن السلطة وليس لهن علاقات مع مَنْ يملكونها، تقدم غلوريا نظرية عن الوجود تصدر من الإحساس بالقوة على الرغم من الاختلاف الذي يخلق الكثير من الصدامات مع المجتمع، وجود يوحي بالوحدة في حضور الكتابة، في الواقع سأعود إلى نصوص غلوريا المنشورة بشكل متكرر في «كاتبات الخزانة» كلما تقدمتُ في قراءة الدورية.

«اختيار» كما تُعرِّف نفسها هي «مساحة مفتوحة تجمع الأفراد المهتمين/ات بمناقشة قضايا النوع الاجتماعي وتوثيق/تطوير الإنتاج المعرفي الخاص به باللغة العربية»، يعمل القائمون على اختيار على عقد ورش عمل وحلقات دراسية تنتهي كل مرة إلى إصدارة مختلفة. وقبل «الخزانة» كان هناك «إنترنت نسوي» وأربعة دوريات غير منتظمة الصدور إلى جانب «قاتلات البهجة»، هذه الدرويات أو التدوينات التي يتم جمعها بعد نقاشات وعمل تحت عنوان واحد، لا تصدر ورقيًا، إنها فقط متاحة عبر موقع «اختيار» على الإنترنت.

قبل أن أتكلم عن الدورية، سأتوقف قليلًا أمام نظرية «النسوية المثلية» التي أحتاجها هنا كمدخل لقراءة الدورية، كذلك هي الأيدولوجية التي تنتمي لها الكاتبة التي يُعتبر نصها الأول هو رصاصة بداية المعركة.

النسوية المثلية

النسوية المثلية هي أكثر أنواع النسوية راديكالية، لا لأنها تنفي الرجل من علاقة حميمة ومتوقعة مع جسد المرأة الحقيقي وجسدها المجازي، إنما لأنها تُعيد خلق العقلية التي يُشاهد من خلالها العالم بعيدًا عن بديهيات «النوع الاجتماعي» كما قررتها المؤسسات من قبل، إنها تفترض للجسد الواحد (رجلًا أو امرأة ) هويات جنسية متعددة وليست فقط مختلفة، وبالتالي فإنها لا تقنع بالأدوار المُقررة تاريخيًا لهذا الجسد، ولا تمتثل لما يُقال لها عن الإشباعات المتاحة له، في هذه المساحة لا يوجد فكرة أو تاريخ أو إنتاج ثقافي دون مساءلة.

تشرح الفكرة قليلًا سو إلن كيس في دراستها [l1] «النسوية والمسرح» – الصادرة عن المركز القومي للترجمة عام 2016 – وهي أيضًا تُقدم لنفسها بوصفها «نسوية مثلية» كما يحدث في «كاتبات الخزانة» ومع أن مُترجم هذه الدراسة حجاج أبو جبر يستخدم مصطلح مصطلح «سُحاقية» بديلًا عن مثلية (وهو المصطلح الذي ابتدعه العرب القدماء لوصف مشهد يتخيلونه عن الممارسة الجنسية بين امرأتين) ومع أن مصطلح «سُحاقية» هنا ليس بريئًا، ولا محايداً على الأقل، إلا أن المترجم ينقل بأمانة فيما بعد انتقاد سو الشديد للمنظومة الذكورية الأحادية المُهيمنة على رواية التاريخ، وتتمثل بشكل واضح في عمل أرسطو المرجعي «فن الشعِّر»، بمعنى آخرـ ترى النظرية أن العالم لم يظلم النساء فقط، لكنه ظلم الرجال أيضًا حين لم يعترف بالاختلافات الفردية بينهم، وحين رتب عليهم مجموعة من المظاهر والسلوكيات والإشباعات ونفّر من كل ما هو دونها، كما فعل مثلًا أرسطو لما وضع بصراحة قواعد العمل المسرحي بناءً على مشاهدته لمسرحيته المُفضلة «أوديب ملكًا» لسوفكلس (492 ق.م)، قيود لم يتحرر المسرح منها، ولا المجتمعات، لكن طبعاً ليس بالنسبة للجميع.

الخطاب العربي فيما يخص «النسوية المثلية» هو خطاب شحيح للغاية، والخطاب المصري يكاد يكون غير موجود، التجاهل نفسه حاصل مع النظرية الكويرية Queer theory التي تضطلع بتفسير العالم وفقًا لرؤية مثلية، وتحاول تفكيك الفلسفة البطريركية التقليدية التي تنهض عليها المجتمعات فتلغي من جديد خصوصية التجارب.

تشترك كلُ من «االنسوية المثلية» و«االنظرية الكويرية» في رفض الوجود المفروض بالقوة من قِبل سياسات التاريخ مصطنعة تاريخ بديل يُعبر عن تجارب لا يتم التعبير عنها عادة. من ناحية تُعتبر مثلية النساء موضوعًا مهجورًا  ليس لأنه مُحرَّم، فعلى العموم لا تحظى مثلية النساء في الشرق بالاهتمام الذي تحظى به مثلية الرجال (وهو اهتمام سلبي بالتأكيد وغير متزن في طرحه). لكن لأن النسوية العربي تدور  منذ عشرات السنين في فلك خطاب قديم يتناول موضوعات بعينها، مثل ( نظرة المجتمع – غشاء البكارة – الموقع من العلاقة مع الرجل إلخ..)، وعلى الرغم من أنها قضايا مازالت خلافية في علاقة المرأة بالمجتمع، إلا أنه لم يحدث أن تمّ تصعيد هذا الخطاب، بمعنى ما لم تولد النسوية المثلية عربيًا بعد أو على الأقل لم تخرج من الحضانة، كما لم تدخل النظرية الكويرية إلى حيز النقاشات الجادة باللغة العربية بعد أيضًا.

قد يكون من المفيد الآن أن نطل على إصدارة «اختيار» المُعنونة «كاتبات الخزانة».

رصاصة بداية المعركة

غلوريا آنزالدو (1942-2004) مؤلفة أمريكية وشاعرة وناشطة نسوية

كان من المُحبط بالنسبة لي وأنا أتحرك بين العنوان الثوري «للخزانة» وبين سطور نص غلوريا المُفجر لطاقات الكتابة والتمرد أن أنتقل إلى نَفَسْ آخر من الحكي، مع أن النَفَسْ الأول لم يُكن قد أُشبع بعد.

لقد تصورتُ أنني بصدد قراءة رؤية نسوية مثلية، أو على الأقل نسوية طازجة لديها الجديد مما يُمكن أن تُفسر به العالم ونفسها.

ننتقل في الإصدارة من «رسالة إلى كاتبات العالم الثالث» إلى تدوينات لكاتبات يُعبِّرن عن أنفسهن باللغة العربية مباشرة، عن طريق البوح يُمررن القليل جدًا من آلامهن ولا يكون سهلًا هذا التمرير، وبينما يتحدثن بصدق عن علاقتهن بالكتابة مثلًا: «ما يؤلمني أن فعل الكتابة ليس فعل امتلاء كما ظننت يومًا» ص 22، فإنهن يستخدمن خطابًا قلقًا من ذاته، من حريته المُحتملة ومن احتمال فقدانه لغشاء البكارة، طهارته أمام المجتمع، المجتمع الذي مازال يعيش في رأس المرأة نفسها، ويأكل ويشرب، ويتحكم، ويحتل معظم مساحة البوح التي تطلقها التدوينات، على الرغم من تواصل الكتابة حول حادثة ما مُخيفة وتتعلق بالجسد، أو سؤال، وعلى الرغم من توقيعهن للنصوص أحيانًا بأسماء ثنائية، وأحيانًا اسم واحد مُجهَّل، شعرتُ أني لم ألتقِ فعليًا بواحدة منهن في غرفة الكتابة الرحبة، كأنهن على مسافة ورؤوسهن إلى الحائط، لقد قرأن ما كتبته غلوريا، لكنهن لم ينزلن إلى القاع بعد، هناك ارتباك واستنزاف وإجبار أحيانًا على الكتابة، وأقول إنهن بالتأكيد قد فعلن أقصى ما بوسعهن، بعض هذه النصوص مكتوب باللهجة العامية ويتطرَّق إلى علاقة مع الأم والأب والتجربة الجنسية الأولى، وفي نصوص أخرى اعترافات برؤية قاتمة للعالم وللآخر الرجل «… ولكن هل لتجربتي تلك مساحة للطرح؟ هل يمكن أن تكون تجربتي، والتي تتشابه مع تجارب نساء أخريات، دافع لوضع حرية أجسادنا على أولوية أجندة النضال؟ هل يرى الرفاق التقدميين الثوريين محاربي النظام تجربتي سياسية وأن ألمي نابع من قهر سياسي اجتماعي؟».

ذكِّرني الاقتباس الأخير كثيرًا بروح أروى صالح في عملها المُهم «المبتسرون»، الذي لم يُناقش بعد بما يكفي، ولم تُناقش رؤيته الجالدة للذات وللآخر الرجل البرجوازي والمثقف، تكتب مثلًا «غريب أن تنتبه دُفعة واحدة، تتذكر في لحظة أن المشوار الذي قطعت فيه العُمر بدأ دون حُب لموضوعه الفعلي! المُعلَن، المُشترك (النضال السياسي)، بل تحت عبء باهظ بالإحساس بالواجب حقًا!».

مَن أنا لأكتب؟ وما الذي سيحدث لو كتبت؟

«امرأة أخرى، مثلية أخرى، خائفة أخرى تتهرب من الكتابة التي أصبحت عبء (مكون من العجز والقيود، عبء علاقة جميلة يثقلها الخوف والقلق)، تحملُ غضبٍ قادرٍ على تدميرها الشخصي، تكره ما يفعله بنا الخوف، وعواقبه على أفعالنا. أدرك اللحظة التي يقرر عقلي فيها الكتابة عن ذاتي كغائب، أكره عندما يظهر ضمير الغائب في كتابتي في اللحظة التي أكون اقتربتُ قليلًا فيها من الغوص داخل ذاتي، داخل حقيقة أتجنبها، داخل ما يؤلمني. أدرك اللحظة التي يقرر فيها عقلي دون إذني أن يهمشني».

عبر تدوينتين تقريبًا تطل التجربة المثلية خائفة ومُستحيّة في «كاتبات الخزانة»، مساحة قصيرة للغاية، إشارات للتجربة أكثر مما هي التجربة حقًا، كتابة هدفها الأول الإخفاء ووسيلتها اللعثمة، ومع أن تدوينة «صدَفَة» مُجهلة، فهي لا ترغب واقعيًا أن تقول أي شيء، وبالطبع ليس لأنها فارغة، الصدف كيان مغلق على ذاته ويعتقد أن حلم التواصل بعيد جدًا، تُكمل تدوينة أخرى «يمكن سواء التواصل حتمي»، قاضيةَ بذلك على الحلم، ومُتفاديةَ محاولات غلوريا في نصوصها القصيرة الموزعة على طول الإصدارة بحثّ النساء الملوّنات من كل الأعراق والجنسيات والميول الجنسية على أن يتحدثن.

لقد غلب على النصوص العربية والمصرية في الدورية شعورًا بهوان التجربة الشخصية «مَنْ أنا لأكتب؟» ربما إذا استثنينا شهادة راوية صادق الرقيقة عن «الشيخوخة» في الربع الأخير، أريد أن أقول إن قوة رصاصة بدء المعركة المتمثِّلة في نص غلوريا الأول «التكلم بألسنة … رسالة إلى كاتبات العالم الثالث»، كانت أقوى ما في المعركة، ربما يكون قد جرى ما يمكن أن أعتبره هدرًا، لقد كان هناك الكثير فعلًا مما يمكن أن يُقال، وتمّ الصمت عليه.

المجتمع والكتابة

في روايتها «أورلاندو»– نُشرت للمرة الأولى عام 1928 بإنجلترا- تقول فرجينيا وولف: « المجتمع هو أقوى اختراع في العالم والمجتمع لا وجود له على الإطلاق»، من خلال قصّة رجل يتحوّل إلى امرأة وفي الحالين تظل منكبة على محاولة كتابة قصيدة كانت تدرك فرجينيا أن التجربة ليست مع المجتمع، على الرغم من أنها تتماس معه، إنها فعليًا في النفس.

ما هو المجتمع كما نتخيله في أنفسنا؟ هذا سؤال. إنني أعتقد أن «كاتبات الخزنة» أكثر اقترانًا بالخوف لا الرغبة في الظهور للعلن، وبالطبع لا يمكن أن يُحاسب أحد على خوفه، لكن أسئلة يجب أن تتوجه إلى آخرين وأخريات عملوا ضمن منظومة الخطاب النسوي العربي، كان يمكن لأعمالهم واشتباكاتهم الفكرية على مستويات أوسع أن تتجاوز المباديء الأساسية التي مازلنا نحارب تحت ظلالها ولم نحقق منها الكثير، كان يمكن لتداول مستويات مختلفة من الخطاب النسوي، أن تسمح ببعض الأوكسجين لأن يسري هنا بين فصول هذه الدورية، لتحرر تجارب مختلفة عمومًا لنساء وكاتبات مصريات، مستوى من الخطاب غير ما تعارفنا على قراءته في كتب «نوال السعداوي» وسمعناه يُقال في الإذاعة ومحطات التليفزيون، فلسفة جديدة تميل إلى الاعتراف أكثر بالتجارب الفردية وترفع من سقف الطموح النسوي من حدود المتوقَع إلى غير المتوقَع، الحل بمعنى ما قد تكون عثرت عليه غلوريا بالقصور الذاتي للتجربة واشتغلت عليه في مشروعها (هذا الجسر الذي نسميه الوطن): « في هذه الصفحات ننتقل من التركيز على ما تمّ فعله بنا (الضحية) إلى مستوى أكثر اتساعًا من القوة، إلى التساؤل عما نقوم به لبعضنا البعض، لأولئك الموجودين في بلدان بعيدة، إلى بيئة الأرض. مع معرفة أننا في علاقة تكاملية مع كل ما هو موجود وأننا مشاركين في المواقف الأيدلوجية، المعتقدات، القيم الثقافية، يدفعنا للعمل بشكل تعاوني».

هل يمكن أن يدفعنا هذا الجهد الشجاع من نساء وفتيات «الخزانة» لإعادة تقييم الخطاب النسوي العربي؟ هل يمكن لنا على ضوء كل هذا الخوف أن نسائل «منتجي الخطاب الثقافي العربي» – بتعبير غلوريا -عما يودون فعلًا أن يطرحوه علينا؟

أخيرًا تنصحنا غلوريا؛ «أريد أن أتحدث قليلًا عن عملية كتابة المناطق الحدودية. شيء واحد أحثكم على القيام به عندما تقرأون أو تكتبون؛ هي أن تعرفوا، حرفيًا، أين تقف أقدامكم، ما هو الموقف الذي تتخذونه: هل تتحدثون من منظور ذكر أبيض من الطبقة الوسطى؟ هل تتحدثون من موقع شخص ملون من الطبقة العاملة ؟ لمَ تتحدثون ؟ مع مَن تتحدثون؟ ما هو السياق، أين تحددون موقع خبرتكم؟».

اعلان