Define your generation here. Generation What
«بلاش تبوسني» في السينما
عن صناعة السينما وتَمثيل القُبْلات
 
 
 

«إحنا في مجتمع شرقي» الجملة السحرية التي يستخدمها كثير من المصريين لوضع حدود وهمية وغير محدّدة، لإنهاء أي جدل ونقاش حول مدى الحريات التي يسمح بها هذا المجتمع.

فالإغراء في السينما متاح ولكن بحدود، والتدين مسموح لكن دون إفراط، وما بين ما هو مسموح وممنوع تأتي «البوسة» كفعل محيِّر ومربك لهذا المجتمع، الذي يعلِّم الأطفال التعبير عن الحب بالبوسة، ثم يُحرِّمها بعد قليل. ويصبح مشهد ولد يعبر عن حبه لبنت ببوسة في الشارع مشهدًا مزعجًا. منطلقًا من هذه الازدواجية، ومن حب خالص لتفاصيل صناعة السينما صنع المخرج أحمد عامر أول أفلامه الطويلة «بلاش تبوسني».

أفيش وتتر

أفيش فيلم بلاش تبوسني

بداية من مشاهدة أفيش الفيلم، ستشعر أن صنّاع هذا الفيلم في حالة حنين ونوستالجيا لتاريخ السينما المصرية، فالأفيش مرسوم على طريقة أفيشات أفلام السبعينيات أو الثمانينيات، ولا يحتوي إلا على رسمة لوجه بطلة الفيلم ياسمين رئيس وهي تنظر نظرة «إغراء»، كأنها تتهيأ لقبلة. يتأكد هذا الشعور بالنوستالجيا مع التتر الذي رسمه «زند» والذي يشبه تترات أفلام الستينيات -وأشهرها أفلام فؤاد المهندس وشويكار– التى تبدأ بلوحات كارتونية تعبر عن شخصيات ومشاهد من الفيلم نفسه.

الغرق في تفاصيل الصناعة

قبل هذا الفيلم، كتب المخرج أحمد عامر السيناريو لأفلام «علي معزة وإبراهيم»، و«الشتا اللي فات»، بالإضافة إلى مشاركته بكتابة الحوار العربي في فيلم «البحث عن أم كلثوم» للمخرجة شيرين نشأت. ورغم أن الفيلم عمله الروائي الأول، إلا أنه غارق في تفاصيل معينة في الصناعة نفسها لا يهتم بها إلا العاملين بالمجال، مثل تفاصيل حياة «اللوكيشن» أو موقع التصوير.

يبدأ فيلم «بلاش تبوسني» بمشهد في لوكيشن فيلم «السراب»، وهو الفيلم الذي يحاول أبطال الفيلم إنجازه، والذي تقوم ببطولته الممثلة فجر / «ياسمين رئيس». في نفس اللوكيشن يجري تصوير فيلم تسجيلي آخر، لمخرج زميل، وكلا المخرجين يتمتعان بالأنانية الكافية للتنافس على إنهاء فيلم كل منهما.

يتقدّم الفيلم لنتعرف على كل كائنات اللوكيشن بداية من مدير التصوير البرنس، والممثل الذي يعيش في عالمه الخاص الذي يستحضر فيه أرواح ممثلين قدامى، و المونتير الملك المتوِّج  على مملكة غرفة المونتاج، مرورًا بعامل البوفيه كشخص مهم في اللوكيشن، وصولًا إلى فنيين الصوت والإضاءة الذين يتعامل بعضهم مع صناعة الأفلام بإزدراء، ويرونها مجرد مصدرًا للدخل الحرام وسيتوبون عنه يومًا ما. ولكن كيف نلومهم إذا كانت بطلة الفيلم تمرّ بنفس الشعور والتجربة، وهذه هي بداية أزمة الفيلم الحقيقية، ولن أدعك كثيرًا تفكر أزمة أي فيلم من الأفلام الثلاثة سابقة الذكر.

رسالة من الله

بدون حرق لأي من أحداث الفيلم نفاجأ بممثلة الإغراء فجر، ترفض البوسة في آخر مشهد يتمّ تصويره من فيلم «السراب» لسبب بسيط وهو شعورها بأن هذا حرام، رغم قيامها بأفلام سابقة تحتوي على مشاهد «أسخن». ولكن ما يحدث هنا، هو أنه عند إعادة المشهد أكثر من مرة يخترق اللوكيشن صوت «آذان» ما تعتبره فجر رسالة من الله لطريق الهداية.

ورغم تشجيع أمها لها بالتراجع عن قرارها، إلا أن الأمر يتطور لارتدائها الحجاب بمساعدة داعية إسلامي أباح لها التمثيل بالباروكة.

في تاريخ السينما المصرية يوجد كثير من الفنانات المعتزلات بسبب حرمانية التمثيل، أو بسبب ضغط المجتمع في نظرته الوضيعة للممثلة والفنانة بشكل عام، وخاصة إن كانت تقوم بأدوار يعتبرها «جريئة».

بشكل عام، اختفت «البوسة» من أفلام السينما المصرية في آخر عشرين عامًا، بعد ما كانت تزخر بكل أنواع القبل الرومانسية منها والجنسية. وبداية من منتصف التسعينيات ظهر مصطلح «السينما النظيفة»، وأصبحت الممثلة التي كانت تعتزل بعد تاريخ طويل من القبل وأدوار الإغراء، مثل مديحة كامل وسهير رمزي، تعتزل الآن بعد فيلمين أو ثلاثة في الأجيال الأحدث مثل حنان ترك وحلا شيحا.

بينما هناك نموذج آخر، رقص على السلم واعتبر الباروكة حجاب، وأكمل حياته الفنية مثل الفنانة صابرين.  وحتى غير المعتزلات من الفنانات، تراودهن هذه الفكرة طوال الوقت، كنادية الجندي التي ظهرت بشكل مفاجىء في الفيلم التسجيلي «الحب الموؤود» 1983 للمخرج عمر أميرالاي،  والذي يرصد فيه موت الحب في مدينة مثل القاهرة، حيث قالت بكل وضوح أنها تعاني من انفصام في الشخصية لأن حياتها الشخصية تختلف تمامًا عن حياتها الفنية، فهي أكثر من متدينة، بل متطرفة دينيًا.

نادية الجندي في لقطة من فيلم “الحب الموؤود”

بالطبع هذه الازدواجية لا تقتصر فقط على النساء العاملات بصناعة السينما كممثلات، ولكنها تمتد أيضًا للممثلين من الرجال، الذين يرون القبلات لا تتماشى مع تقاليد المجتمع، أو أن القبلات في تاريخ السينما المصرية كان لها تاريخها وظروفها. ففي فيديو على اليوتيوب معنون بـ «إحراج أحمد السقا»،  يظهر محمود سعد في برنامج رمضاني مستضيفًا أحمد السقا، ويسأله: «ترضى إن بنتك أو مراتك تتباس في السينما؟» ليرد السقا بأنه ضيق الأفق ولا يرضى ذلك، وأن الزمن اختلف، واستقبال الجمهور أصبح الآن مختلفًا أيضًا.

من هذه الازدواجية يسخر فيلم «بلاش تبوسني»، ومن الأحكام الأخلاقية السهلة والأسئلة من نوعية: هل الخمر في الأفلام حقيقي؟ هل البوس في الأفلام حقيقي؟ وجمل على شاكلة :«أصل بتوع السينما بيحطوا إزاز بين الراجل والست في مشهد البوسة»، كما يستعرض مادة أرشيفية لقبلات السينما المصرية في كولاج نوستالجي لهذا الزمن الجميل الذي من تقاليده أن ينتهي الفيلم ببوسة بين البطل والبطلة.

فيلم محير ومربك مثل قبلته

صرح مهرجان القاهرة في دورته السابقة التاسعة والثلاثين بأنه لا يوجد فيلم مصري يرقى للمشاركة في المهرجان، رغم أن الشركة المنتجة لفيلم «بلاش تبوسني» قدمت للمشاركة به في المهرجان، قبل أن تسحبه وتقدمه في مهرجان دبي.

لا أحد يعلم ما حدث بالضبط في الكواليس. هل رفض المهرجان الفيلم لأنه لا يرقى للمستوى، وهو احتمال بعيد، أم كان عنده اعتراض «أخلاقي» عليه، أم أن صنّاعه فضلوا عرضه في مهرجان دبي وهو الاحتمال الأبعد؟

من ناحية أخرى تضاربت الآراء حول الفيلم من كونه «مش فيلم أصلًا» بسبب مزجه بين قالبي الروائي والتسجيلي، إلى أنه «فيلم عظيم»، ولكنك في الواقع ستشعر أنك أمام فيلم محير ومربك مثل البوسة تمامًا، فهو يعرض فكرة عظيمة كان يمكن أن يكون لها معالجات أكثر عمقًا، وأكثر صدامية مع المجتمع، ولكن صنّاع الفيلم اختاروا الشكل الكوميدي الخفيف، بداية من أداء الممثلين، حتى المونتاج الذكي السريع للمونتير عماد ماهر والذي أنقذ الفيلم من الوقوع في فخ السخافة والاستظراف.

تعامل الفيلم مع فكرة إشكالية البوسة في السينما المصرية، كتكئة لصناعة فيلم كوميدي، يحمل في طياته تحية لأفلام الزمن الجميل، لا أكثر ولا أقل.

لكن السؤال لصنّاع الفيلم هو أين البوسة في فيلم «بلاش تبوسني؟». بالفعل ظهرت هناك قبلة لياسمين رئيس، حين عرض الفيلم مشهدًا من فيلم قديم للممثلة فجر وهي تقبل رجلًا يستلقي على ظهره، إلا أن هذا المشهد كان غريب «بصريًا» عن الفيلم، وعن أي مشاهد للقبلات في الأفلام التي يحتفي بها الفيلم نفسه، بسبب اختيار زاوية كاميرا غريبة على هذه المشاهد، تجعل الأمر يبدو وكأنهم يلمحون للقبلة فقط ولا يصرحون بها، لتظهر لنا قبلة مرتبكة تثير تساؤلات حول موقف صنّاع الفيلم من البوس في الأفلام أصلًا، ويجعلنا  نتساءل هل عانى الفيلم من نفس الازداوجية التي يسخر منها، خاصة حين نعلم أن الرجل الذي كانت تقبله فجر هو هادي الباجوري زوج الممثلة ياسمين رئيس في الحقيقة؟

اعلان