Define your generation here. Generation What
«النقل التشاركي».. هل تجيب مصر على سؤال يحير مُشرِّعي العالم؟
 
 

واجهت شركات النقل التشاركي أزمة جديدة أمام سعيها للتوسع في السوق المصرية، بعدما أصدرت محكمة القضاء اﻹداري حكمًا يُجبر الحكومة على تعليق أعمالها بسبب مخالفتها للقانون في 20 من شهر مارس الماضي.

الحكم جاء بسبب مخالفة هذه الشركات، وعلى رأسها «أوبر» و«كريم»، لقانون المرور في أعمالها، وذلك لاعتمادها على سيارات خاصة،وليست أجرة في نقل الركاب، وهو اﻷمر الذي تمنعه المادة 32 من القانون.

لم يتوقف عمل الشركتين، وذلك ما دعمه حكم محكمة اﻷمور المستعجلة بوقف تنفيذ حكم القضاء اﻹداري قبل أيام. وبعد يوم من حكم القضاء الإداري أحالت الحكومة، الشهر الماضي، مشروع قانون تنظيم عمل هذه الشركات إلى مجلس النواب.

وتوقعت مصادر حكومية نقلت عنها صحيفة «الشروق» أن يثير مشروع القانون خلافات داخل المجلس بسبب عدم استجابة الحكومة لعدد من ملاحظات قسم التشريع بمجلس الدولة، والذي راجع القانون مرتين، وكذلك لاحتوائه على مسائل لم تتطرق لها التشريعات المصرية من قبل.

لكن هذه المعضلة لا تخص التشريعات المصرية وحدها. حين بدأت شركات النقل التشاركي في العمل في مختلف دول العالم، واجهت محاولات تشريعها أسئلة وتحديات مماثلة. اختلفت المقاربات التشريعية في الدول المختلفة.

أطر وتوجهات التشريع

بدأت «أوبر» في تقديم خدماتها بشكل رسمي في مدينة سان فرانسيسكو اﻷمريكية عام 2011 كتطبيق لتقاسم اﻷجرة بين عدد من الراكبين. اسم الشركة كان في البداية Uber Cab وتعني «تاكسي أوبر». لكن مع بدء العمل الرسمي للشركة، اضطرت لتغيير اسمها وحذف جزء «التاكسي» منه بسبب اعتراضات من شركات التاكسي. كانت هذه هي مواجهة «أوبر» اﻷولى.

في البداية، اعتمدت الشركة على سيارات فارهة فقط، وبلغت تكلفة الاستخدام 1.5 مرة أكثر من التاكسي العادي. لكن، في يوليو 2012، أطلقت الشركة خدمتها الجديدة: Uber X، وهي خدمة نقل بنفس أسعار التاكسي. ومع زيادة حجم الاستثمارات بشكل كبير، تمكنت الشركة من خفض أسعارها أكثر حتى مما يدفع مقابل ركوب التاكسي العادي.

توسعت «أوبر» في أعمالها فتعمل اﻵن في أكثر من 700 مدينة حول العالم. كما تأسس العديد من الشركات العاملة في مجال النقل التشاركي في مختلف الدول. ومعها بدأت الكثير من اﻷزمات في الظهور، شركات التاكسي تخسر أعمالها، يتظاهر سائقو التاكسي في مختلف الدول ﻹيقاف عمل «أوبر». وبسبب غياب تشريع ينظم عمل الشركات المثيلة، توجه عدد من شركات وسائقي التاكسي إلى القضاء لإيقاف أعمالها.

وبدأ المشرعون في مختلف دول العالم في محاولة تنظيم أعمال هذه الشركات تشريعيًا. لكن طبيعة أعمالها كانت جديدة تمامًا.

عام 2016، وفي محاولة لتحديد أُطر عامة لمحاولات تنظيم وتشريع عمل هذه الشركات، عقد منتدى النقل الدولي، وهو مركز بحثي تابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ورشة عمل شارك فيها عدد من الخبراء والمختصين، لتحديد عدد من القواعد اﻹرشادية. ونشر المنتدى تقريرًا بأهم اﻷطر التي خلصت إليها ورشة العمل.

ناقشت ورشة العمل أربعة عناوين رئيسية، وهي: قواعد السلامة العامة، وقيود دخول السوق، ومتطلبات الخدمة، وتعريفات اﻷجرة.

وتتلخص قواعد السلامة العامة في مجموعة القواعد التي تسمح للركاب بالوثوق في سائقي السيارات وحماية السائقين من الاعتداء، وتشمل فحص السجلات الجنائية للسائقين، وتقديم تدريبات كافية، وفحص السيارات والتأكد من ملاءمتها لتقديم الخدمة.

وشدد التقرير على أهمية توفير الشركات المقدمة لهذه الخدمات تأمينًا ضد الحوادث التي قد تتعرض لها أو تتسبب فيها.

وفيما يتعلق بقيود دخول السوق، انتهت ورشة العمل إلى أهمية تحديد قيود للتحكم في زيادة عرض السائقين غير المحترفين في السوق لتجنب المشاكل التي ظهرت في سوق التاكسي، مثل تكدس السيارات في اﻷماكن المزدحمة بالركاب، وحالات العنف الناتجة عن التنافس للحصول على الركاب.

وانتهت الورشة إلى ضرورة دراسة حالات التكدس المروري، واستهلاك الطاقة والتلوث التي تتسبب فيها الحركة المستمرة للسيارات للبحث عن ركاب خصوصًا في أوقات الذروة عند تقنين عمل هذه الخدمات.

كما أوصت بضرورة اهتمام المشرعين بحماية حقوق السائقين فيما يتعلق بنسبة اﻷموال التي يحصلون عليها من رحلاتهم، وعدد ساعات العمل وأوقات الراحة.

مشاكل أوبر وأخواتها

لكن التطبيق العملي لهذه اﻷطر والمقاربات ما زال يواجه عددًا من العقبات. العقبة اﻷولى التي واجهتها هذه الشركات هي عقبة التنافسية، وأهم عواملها التسعير. تعتمد تسعيرة «أوبر» على مزيج من طول مسافة الرحلة، والوقت الذي استغرقته، والحالة المرورية وقتها.

باﻹضافة إلى هذا، تسبب التوسع الكبير في أعمال الشركات الجديدة في تدفق الاستثمارات فيها. ما أتاح للشركات الكبيرة قدرًا هائلًا من اﻷموال استطاعت من خلاله تقديم التسهيلات واﻹغراءات لمالكي السيارات للعمل في شبكاتها. كما أتاح لها الاستمرار في تقديم الخدمة للركاب بأسعار منخفضة دون تحقيق أرباح.

على سبيل المثال، جمعت شركة «أوبر» استثمارات بحجم 37 مليار دولار في العام الماضي فقط، لكن ناتج أعمال الشركة أسفر عن خسائر بلغت 4.5 مليار دولار في العام ذاته.

يحرم هذا اﻷمر شركات التاكسي من القدرة على منافسة انخفاض اﻷسعار. فتخضع أعمال شركات التاكسي لتنظيم تشريعي في كل اﻷسواق التي تعمل فيها؛ تدفع تكلفة الحصول على رخصة تاكسي وتدفع ضرائب أعمالها. كما تعمل معظم شركات التاكسي في أنحاء العالم وفق تعريفات ثابتة.

وبشكل ما، تُدرك شركة «أوبر» هذه المزايا التنافسية. لهذا، حين اشتكى سائقو التاكسي، ونقاباتهم في الدنمارك من المنافسة غير العادلة لصالح الشركة، أقر البرلمان في فبراير 2017  قانونًا يُجبر الشركات العاملة في مجال النقل على الالتزام بتعريفات التاكسي. وتسبب القانون في أن تُنهي «أوبر» أعمالها في الدنمارك في أبريل من العام الماضي.

العقبة الثانية التي واجهتها هذه الشركات كانت في طبيعة علاقة العمل بينها وبين السائقين. في مختلف الدعاوى القضائية التي واجهتها، أصرت شركة «أوبر» على تعريف نفسها كشركة تكنولوجيا تختص بتوصيل الركاب بالسائقين، وأنها ليست شركة نقل.

لكن هذه الحجة لم تصمد أمام المحكمة العليا في الاتحاد اﻷوروبي، والتي حكمت، في ديسمبر الماضي، في دعوى قضائية أقامها سائقو التاكسي في أسبانيا، وانتهت إلى تصنيف «أوبر» كشركة نقل ركاب مثل باقي الشركات.

أثار الحكم أسئلة حول ما قد يتغيّر في طبيعة أعمال شركات النقل التشاركي. وبعد صدوره، نشرت «نيويورك تايمز» تقريرًا يشير إلى أهم تلك اﻷسئلة؛ في ظل التعريف الجديد، إلى أي مدى تتحمل شركات مثل «أوبر» مسؤولية سلامة وأمان عملياتها؟ ماذا عن حوادث التحرش؟ وفيما يخص علاقة العمل بين الشركة والسائقين، هل يُصبح سائقو «أوبر» موظفين لدى الشركة بدلًا من حالهم كمتعاقدين معها، بكل ما يحمله هذا التصنيف من تبعات تتعلق بالعقود واﻷجازات وحقوق التقاعد وغيرها؟ وهي اﻷسئلة التي لم تنته النظم القانونية والتشريعية حول العالم من اﻹجابة عليها.

دروس مصرية

أحد اﻷسئلة العالقة فيما يتعلق بتشريع شركات النقل التشاركي هو سؤال الخصوصية، وهو اﻷمر الذي يثير نقاشًا عالميًا.

لكن السؤال يصبح أكثر أهمية في السياق المصري، حيث تشّن الدولة حملة مراقبة واسعة النطاق للإنترنت دون اعتبار للمبادئ الدستورية والقانونية الحاكمة.

بحسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، في يونيو الماضي، طلبت الحكومة المصرية من شركتي «أوبر» و«كريم» منحها إمكانية الاطلاع على خريطة المتابعة الحية لكل رحلاتها. رفضت شركة «أوبر» العرض ولم يكتمل التعاون مع شركة «كريم»، بحسب التقرير الذي أضاف أن هذا «يكشف نوايا الحكومة المصرية، والتي قد تتحول إلى قانون قريبًا بموافقة شركتي أوبر وكريم أو بدونها».

هذا التوجه بدأ فعلًا، وأوشك مجلس النواب على الانتهاء من مناقشة مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة لتنظيم عمل الشركات بعد حكم القضاء اﻹداري.

وأثار هذا المشروع اعتراضات من قسم التشريع بمجلس الدولة، باﻹضافة إلى اعتراضات من الشركتين.

أهم هذه الاعتراضات تعلقت بمسألة انتهاك الخصوصية في مشروع القانون. تنصّ المادة التاسعة من المشروع على أن «تلتزم الشركات المرخص لها بأداء الخدمة بإجراء الربط اﻹلكتروني لقواعد البيانات والمعلومات الخاصة بها مع الجهات المختصة».

وهي المادة التي أبدى قسم التشريع بمجلس الدولة تحفظه عليها. في تعليقه على المشروع، اعتبر القسم أن نص المادة «مشوب بعدم الدستورية لمخالفته المادة 57 من الدستور التى تكفل حرمة الحياة الخاصة وصيانتها» مضيفًا أن «عملية ربط البيانات والمعلومات الخاصة بالشركات مع الجهات المختصة، وما يستتبعه من معرفة البيانات والمعلومات الخاصة بتحركات مستخدمي هذه الخدمة، وجواز رصدها وامكانية تعقبها، دون أن يبين المشروع أحوالًا محددة يجوز فيها ذلك، ودون اشتراط أن يكون ذلك بناءً على أمر قضائي مسبب ولمدة محددة أمرًا ينطوى على مساس بحرمة الحياة الخاصة للمواطنين».

بدورهما، أبدت شركتا «أوبر» و«كريم» اعتراضات على هذه المادة، وذلك في جلسة برلمانية عُقدت لمناقشة القانون أواخر مارس الماضي. وطالبت مديرة السياسات في شركة «أوبر»، رنا قرطام، بتعديل المواد المقترحة من الحكومة لـ «تتضمن ضرورة وجود أمر قضائي مُسبب للشركات يتضمن طلبًا لتقديم البيانات أو المعلومات للجهة الأمنية المعنية، وذلك حتى لا يقع الأمر في دائرة انتهاك الحياة الخاصة وهو ما يتعارض مع الدستور المصري».

فيما أبدى هشام عبد الواحد، رئيس  لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، استغرابه من التحفظ على المادة. بحسب تعبيره: «بما إننا نأمن للشركات، فكيف لا نأمن للحكومة».

تجاهل البرلمان هذه الملاحظات، وأدخل تعديلًا وحيدًا على المادة تنازلت الحكومة فيه عن الربط الحي لقواعد بيانات الشركات، مقابل حصول الجهات الأمنية على حق الاطلاع على البيانات لدى هذه الشركات في أي وقت دون الحاجة ﻹذن قضائي، وذلك في جلسة برلمانية أمس، الثلاثاء.

وعلى الرغم من استعجال الحكومة في إصدار القانون لتجاوز اﻷزمة التي تسبب فيها حكم القضاء اﻹداري، إلا أن إصداره لن ينهي مشاكل عمل هذه الشركات. بحسب وصف داليا سيف النصر، مديرة العلاقات الخارجية بشركة «كريم»، في جلسة حوار مجتمعي عقدها تكتل «دعم مصر» البرلماني، في 25 مارس الماضي، لمناقشة التشريع، فإن «التطور الحاصل في التكنولوجيا قد يجعل القانون يحتاج إلى التعديل كل 6 أشهر وليس كل عامين».

اعلان
 
 
محمد حمامة