Define your generation here. Generation What

مملكة الوفاء البشري: كرة القدم بين الدولة والجماهير

أثناء إقامة كأس العالم في الأرجنتين عام 1978، كان خورخي فيديلا يحكم قبضته العسكرية على البلاد، ولم تكن صرخات عشرات آلاف المعتقلين بعيدة عن مدرجات ملعب المونيمنتال، حيث تدور المبارة النهائية بين الأرجنيتن وهولندا.

ما أشبه هذا الأمر بصور عبد الفتاح السيسي الأخيرة مع التحضيرات لكأس العالم. وما أكثر ما عملت الحكومات على توظيف كرة القدم لترسيخ نظمها القمعية علي رؤوس الشعوب.

اليوم يقبع زهرة وسيد مشاغب ومئات غيرهم في سجون السيسي، لا لسبب سوى أنهم حاولوا يومًا ما انتزاع حرية المدرج من يد النظام، وإطلاق لسان الشارع للهتاف والتشجيع والتظاهر من أجل الحرية السياسية والاجتماعية.

ما أكثر ما تعمل الحكومات على توظيف كرة القدم لترسيخ نظمها القمعية علي رؤوس الشعوب. ونظرة سريعة على مواجهة الدولة لروابط الأولتراس على مدار السنوات الفائتة كفيلة بإيضاح هذه الصورة.

تسليع اللعبة بين الربح والسياسة

عن تسليع اللعبة يقول الكاتب الأوروجوياني إدواردو جاليانو في كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل»: «لقد تحوّل الاستاد اليوم إلى استوديو تليفزيوني ضخم، فاللعب يجري من أجل التليفزيون الذي يقدم لك المباراة في بيتك. والتليفزيون هو الذي يأمر».

الحضور الأخير لتركي آل شيخ للقاهرة بوصفه «رئيسًا شرفيًا» للنادي الأهلي، وبعد ما حدث أثناء مباراة مونانا الجابوني في البطولة الأفريقية، من القبض على عدد من أفراد الأولتراس، يؤكد تأثير البترودولار اليوم على تغيير مفهوم اللعبة على مستوى العالم؛ المحاولة التدريجية لإيجاد طائفة من الجماهير المدجنة غير المدركة للتحولات التي تشهدها اللعبة اليوم، أو ما يسمى بصيغة أخرى، Modern football.

ولكن التعامل بمنطق السوق الحرة مع كرة القدم ليس مستحدثًا، وإنما هو عملية قديمة بدأت مع جواو هافيلانج، رئيس الفيفا لمدة ربع قرن تقريبًا منذ 1974 حتى 1998. وأبسط مظهر لتسليع اللعبة هو العديد من الإعلانات للعلامات التجارية المختلفة، من شركات المنتجات الرياضية، والمشروبات الغازية، والاتصالات، أو حتي البنوك، وشركات النفط والغاز، التي تشاهدها قبل وبعد وأثناء أي مباراة تحضرها.

وما يجري من تسليع للعبة لا ينفصل عن أهداف النظم السياسية المختلفة في استخدام اللعبة لتبييض وجوهها، والترويج لها بكافة الطُرق، وهي حيلة قديمة، لم تكف أنظمة كل من العالمين الثالث و«المتقدم» عن استخدامها.

يمكننا المرور على أحداث كروية قديمة لإثبات هذا، ففي تصفيات كأس العالم عام 1974، رفض منتخب الاتحاد السوفييتي لعب المباراة الفاصلة أمام منتخب تشيلي على ملعب إستاديو ناسيونال في العاصمة التشيلية سانتياجو، بسبب انقلاب بينوشيه الدموي على الديمقراطية هناك، فضلًا عن الإعدامات الجماعية للمعارضة المدنية التي جرت على هذا الاستاد.

وفي إيطاليا، وتحت قيادة الفاشي موسوليني، كان لاعبو المنتخب الإيطالي يُهدَّدون بالقتل في حالة عدم فوزهم بكأس العالم في دورتيه، في إيطاليا 1934، وفرنسا 1938. وكذلك فرانكو الذي كان يستخدم نادي «ريال مدريد وإنجازاته الكروية في الخمسينيات والستينيات للترويج لنظامه ولشرعيته الزائفة.
وبعيدًا عن أمريكا اللاتينية وأوروبا، كانت البداية الحقيقة لكرة القدم في أفريقيا مغلفة بالطابع السياسي لحركات التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، عبر تدشين بطولة كأس الأمم الأفريقية عام 1957 من قِبل كل من مصر والسودان وإثيوبيا وجنوب أفريقيا، التي لم تشارك بسبب نظام حكومة بريتوريا العنصري وقتها.

ولكن مع المَدّ المتصاعد على مدار العقود التالية لتسليع اللعبة، لم يُقدّر لأفريقيا أن تشهد نهضة كروية حقيقية بقدر ما لديها من مواهب فذة في هذه اللعبة.

على العكس، تحولت هذه المواهب، بالتعريف الاقتصادي، لمواد خام رخيصة الثمن لصالح الأندية الأوروبية، وأصبحت القارة منجمًا كبيرًا يجري فيه التنقيب عن هذه الجواهر الدفينة. كما كانت منجمًا لنهب كافة ثرواتها الطبيعية لصالح الاحتكارات الرأسمالية الكبرى، وامتد الأمر حتى حملت بطولة دوري أبطال أفريقيا اسم شركة الاتصالات الفرنسية «أورانج» بقيمة مادية تساوي مليوني دولار.

واليوم صارت قوة عمل اللاعب، أي قدماه، العامل الرئيسي في تحديد مصير موهبته، حسب ما يريده وكيل أعماله أو الشركة التي تتعاقد معه للظهور في إعلانات تجارية تلفيزيونية لها.

وبالقياس على ما تقدم، فقد تحوّلت كرة القدم اليوم للعبة في يد مافيا غسيل أموال النفط والسلاح، وهو أمر واضح للعيان في أندية عديدة مثل «مانشستر سيتي» المملوك لمنصور بن زايد نائب رئيس الوزراء ووزير شؤون الرئاسة في الإمارات، ونادي «باريس سان جيرمان» المملوك للملياردير القطري ناصر الخليفي صاحب شبكة «بي إن سبورتس» الاحتكارية، والذي دفعت له الدولة القطرية مبلغ 222 مليون يورو من أجل استقدام اللاعب البرازيلي نيمار دا سيلفا، وحتى نادي «تشيلسي المملوك لبارون المافيا الروسي والمقرب من بوتين، رومان أبراموفيتش، صاحب احتكارات النفط الروسية، فضلًا عن نشاطه في مجالي تجارة السلاح، وشركات المرتزقة العسكريين.

ولكن على النقيض من هذا الوجه القبيح، يظهر وجه اللعبة الملهم في العديد من روابط الجماهير والأندية، وحتى اللاعبين الذين يقاومون تسليع اللعبة واختطافها من جماهيرها؛ أصحاب اللعبة الحقيقيين:

جماهير أندية مثل «رايو فايكانو» الإسباني، و«أومونيا نيقوسيا» القبرصي، «سبال» و«ليفورنو» الإيطاليين، و«خيمناسيا لا بلاتا» و«بوكا جونيورز» الأرجنتينيين، و«أوليمبيك مارسيليا» الفرنسي، هي جماهير الطبقات العاملة والفقيرة في بلادها بالأساس، وهي تفصح بوضوح جلي عن انتمائها السياسي في المدرجات.

أسطورة الأرجنتين وكذلك نادي «إنتر ميلان» الإيطالي، اللاعب خافيير زانيتي، مثلًا، معروف بمناهضته للعولمة الرأسمالية، ودعمه للنضالات العمالية، وحركة احتلال المصانع في بلاده الأرجنتين في مطلع القرن الحالي.

الفرنسي إيريك كانتونا، أسطورة نادي «مانشستر يونايتد»، معروف بمواقفه الاشتراكية المنددة بسياسة المال في كرة القدم، فضلًا عن مناهضته للحروب الإمبريالية الحالية في الشرق الأوسط.

في كأس العالم 1982، كان أسطورة منتصف الميدان سقراط، الذي قاد جيل البرازيل الخرافي وغير المحظوظ، وعُرف هذا اللاعب بماركسيته الثورية ومناهضته للحكم العسكري في بلاده، من خلال منصة ناديه «كورنثيانز»، والذي قاد فيه حركة للدفاع عن الديمقراطية بإقامة انتخابات حرة لإدارة النادي من عماله ولاعبيه، وحتي جماهيره، بهدف الحفاظ على اللعبة وبهجتها الشعبية ومقاومة سيطرة النظام العسكري على هذا النشاط.

وأخيرًا نادي فلسطين «Club DeportivoPalestino»، التشيلي الذي تأسس في عام 1920 من قبل الجالية الفلسطينية هناك ويتخذ من علم فلسطين شعارًا له.

تحوّلت مدرجات الملاعب اليوم لساحة حرب حقيقية تنعكس فيها كافة الصراعات الطبقية والسياسية خارج الميدان، حرب بين طبقة أوليجاركية عالمية ترى في اللعبة دجاجة تبيض ذهبًا بلا انقطاع، وبين طبقات فقيرة لا تزال تقاوم التسليع الممنهج للعبة، دفاعًا حتى الصافرة الأخيرة عما تراه متنفسًا للاحتجاج ضد كافة الأوضاع المعيشية والسياسية المتدنية.

اللعبة ليست مخدرًا للجماهير.. هي أكثر من مجرد لعبة وكرة تُركل وتُدحرج لتسعين دقيقة؛ لوحة مسرحية تعبر عن الصراع بين الحاكم والمحكوم.

مَن يسيطر على الكرة؟ 

«إنها مملكة الوفاء البشري الذي يمارس في الهواء الطلق».

هذا ما قاله الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي عن كرة القدم، ويمكننا إسقاط هذه العبارة على الكرة الأفريقية بوجه عام، والمصرية بوجه خاص.

لم تتشكل الأسطورة الشعبية، المتمثلة في لاعب مثل أبو تريكة، لمجرد إنجازاته الكروية مع المنتخب المصري، أو النادي «الأهلي، بقدر ما كانت نتيجة للعديد من المواقف التي تعبر عن «الوفاء البشري»، مثل لافتته التضامنية الشهيرة مع غزة، أثناء حرب الكيان الصهيوني ضد القطاع في 2008، وتضامنه غير المشروط مع «شهداء الأولتراس» في مجزرة بورسعيد 2012، وكذلك شهداء الدفاع الجوي من «أولتراس الوايت نايتس» 2015.

هذا ما دفع أبو تريكة، ولا يزال يدفع، ثمنه اليوم، مِن وصفه بـ «الإرهابي»، ووضعه على قوائم ترقب الوصول للقبض عليه.

الغرض من هذا ليس أسطرة أبو تريكة، بقدر ما هو لفهم ما تفعله السلطة اليوم في مصر من قتل لمفهوم «الوفاء البشري»، وهو ما يحدث في حالة محمد صلاح ومحاولة سرقة إنجازاته الكروية وصبغها بصبغة النظام، كأنها ما كانت لتحدث بدون توجيهات السيسي، لا سمح الله.

اليوم ترى تعنت النظام وغطرسته في مسألة عودة الجماهير للمدرجات، بسبب مشاركة روابط الأولتراس المصرية بجدارة في الصفوف الأولى لثورة يناير 2011، وما تبعها من مواجهات على مدار الأعوام الفائتة، بالإضافة أيضًا لما يدركه المتحكمون في مقاليد الكرة في مصر من وعي الجماهير بهدف النظام الحاكم ووكلائه من «شركات رعاية» وإعلاميين رياضيين؛ جعل كل مباراة مصدرًا للدخل ولرفع معدلات «السبوبة».

ويستمر مسلسل المداخلات الأسبوعية لمرتضى منصور مع شوبير أو مدحت شلبي حول أي جدل تحكيمي، أو حتى أي أمر لا دخل له بكرة القدم بالأساس، طالما أن هذه الإثارة الزائفة ترفع من نسب المشاهدات والإعلانات والدخول المادية بالنسبة لهم، فالجماهير خارج حساباتهم من الأساس.

مَن الذي يسيطر إذن بالتحديد على مجريات الكرة ومسألة عودة الجماهير للمدرجات في مصر؟

الإجابة باختصار هي وكالة «Presentation Sport» الإعلامية، والمسيطرة بشكل ضمني على قرارات اتحاد الكرة المصري. وهي أكثر من مجرد وكالة للتسويق وحقوق البث التليفزيوني وما إلى ذلك، فهي تسعي لصبغ الكرة بصبغة نظامية أشبه بصبغة نظام مبارك قبل 2011.

هذا ما تجده بسهولة في تحليل خطاب الإعلام الرياضي المصري حول مسألة عودة الجماهير، فالنظام لن يسمح إلا بجمهور مدجن يحضر المباريات، وإن حدث وتمت الموافقة على حضور الجمهور الحقيقي، لن يخلو الأمر من توجيه سهام التخوين للجماهير، بل ومحاكمتهم عسكريًا إذا لزم الأمر، وذلك من أجل إحكام القبضة على الكرة المصرية بشكل تام، والتفرغ لتحليل مباريات خرساء بين أندية تتبع مؤسسات اقتصادية كوزارة البترول أو حتى الجيش والداخلية دون أي قاعدة جماهيرية شعبية، اللهم إلا خمسة أو ستة أندية، هي ما يطلق عليه لقب «أندية جماهيرية شعبية».

لا ينفصل اعتقال ومحاكمة جماهير الكرة في مصر، وحتى في المغرب وتونس والجزائر، اليوم، عسكريًا وسياسيًا، وسيطرة الدولة والقطاع الخاص على اللعبة، بشكل رئيسي، عن كافة ما يحدث من قمع طبقي وسياسي للطبقات الشعبية في مصر، وبالتأكيد فهما لا ينفصل عما يحدث من تحويل الرياضة الأكثر إنسانية لمسخ زائف، يستغله كل مَن أراد الترويج لنظامه والتنصل من جرائمه بحق الشعوب، خلف أقدام اللاعبين. ستبقى هذه الحرب مستمرة بين مدرجات الاستاد والمقصورة الرئيسية، بين هتافات وأهازيج الجماهير لفرقها وللحرية، وبين سيطرة مافيا الاحتكارات الاقتصادية على اللعبة.

في النهاية، يبقى الحكم في يد الجماهير، ففي كل شهر رمضان تتحول الساحات الشعبية، بدوراتها المختلفة المليئة بالمواهب، لتعبير حقيقي عن ماهية اللعبة وتعلقها بالجماهير وتعلق الجماهير بها، وكونها بحق مملكة الوفاء البشري.

في نهاية الأمر ستفرض المشعوذة المستديرة رغبتها على كل مَن أراد التحكم بها لمصلحته وستصرخ مدوية: الكرة للجماهير!

اعلان
 
 
محمود الشريف