Define your generation here. Generation What

لكل الأبطال المهزومين كرفعت اسماعيل

لا أتذكر الكثير من تفاصيل عشرات الأعداد التي قرأتها من سلسلة روايات الجيب الشهيرة «ما وراء الطبيعة» للراحل أحمد خالد توفيق، ولم أعد أتذكر حتى أين احتفظت بهذه الأعداد خلال تنقلاتي العديدة في السكن منذ أن كنتُ طفلة، لكنني أتذكر جيدًا الرحلة التي كنت أقطعها بانتظام إلى بائع الجرائد في ميدان التحرير لشراء العدد الجديد من ما وراء الطبيعة، ومجلة «فلاش».
استمر هذا الحرص لسنوات الطفولة والمراهقة، حتى بدأت في قراءة الأدب الذي يقرأه « الناس الكبار» – سنًا أقصد- كنجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وإحسان عبد القدوس، كي أثبت لنفسي أنني الآن قادرة على إنهاء كتبًا كبيرة الحجم كـ «أولاد حارتنا»، في ليلة واحدة.
لكنني تأمّلت كثيرًا إثر وفاة توفيق، في الحزن العارم المفاجئ الذي أصابني وأصاب الغالبية العظمى من أبناء جيلي، والجيل الأصغر مباشرة. وتأمّلت أيضًا في سر تعلقي برفعت إسماعيل، وليس بأدهم صبري «رجل المستحيل»، الذي حاولت لمرات قراءة بطولاته المتحذلقة، وانتصاره الدائم على المستحيل، لكنني لا أحب المتحذلقين، وفي المقابل أتعاطف دائمًا مع المهزومين، لأن الهزيمة يسبقها المحاولة.
ورفعت اسماعيل كان مهزومًا بامتياز، بل وبطولاته كلها كانت ناتجة عن مجموعة مصادفات، وأنا أيضًا مؤمنة جدًا بأثر المصادفات الواسع على أقدار البشر، بالضبط كرامي قشوع، بطل أحد أفلامي المفضلة («بطل من ورق» نادر جلال، 1988)، والذي كان بدوره أحد أسباب اختياري مهنة الصحافة. رامي قشوع المُرتبك، المُسالم، الساذج، الذي جعلته الصدفة بطلًا في الكشف عن مجرم مختل.
لكن دعنا من رامي قشوع، ومن المصادفة كذلك، ولنتحدث قليلًا عن الهزيمة؛ الهزيمة التي لم أختبرها، أو بمعنى أدق لم أعِ معناها، في سني الصغير الذي بدأت فيه قراءة مغامرات دكتور رفعت إسماعيل البطل المهزوم.
اختبرت الهزيمة كثيرًا أنا وأبناء جيلي لاحقًا، خاصة في السنوات القليلة الماضية، وأدركت جيدًا الأثر المميت للهزيمة، التي رغم ذلك لا تمنع من بطولة حقيقية، مثل البقاء على قيد الحياة.
لكن بطولة رفعت اسماعيل تجاوزت البقاء على قيد الحياة. فرغم هزيمته في المرض، وفي الحب أيضًا، كانت بطولته في قدرته المستمرة على التورط، وفي استعداده الدائم لمطاردة المجهول، وفي تحديه المرتبك للخوف.
منذ سنوات امتلأ ميدان التحرير بملايين الأبطال، الذين لم يكونوا آنذاك قد عرفوا الهزيمة بعد، أو ربما عرفوها بدرجة أقل، فطاردوا المجهول وتحدوا الخوف، وتورطوا.

تورطوا، وصدقوا في قدرتهم على الانتصار على «الوحش».
أظن أن هذا الحزن الجماعي العارم الذي أصاب هذا الجيل لم يكن فقط حزنًا على الراحل توفيق، ولا على مؤانسته لنا في وحدتنا، التي فرضت علينا في مراحل طفولتنا ومراهقتنا، التي حاولنا فيها جاهدين اكتشاف أنفسنا والعالم من حولنا. ولكن هذا الحزن العارم كان على ما مثَّله أحمد خالد توفيق ربما من «رمز» لمَن لم يتخل عن هذا الجيل. فالجميع تخلى عن هذا الجيل، ثم عوقبنا على جرأتنا يومًا ما على تحدي «الوحش» ومطاردته وإسقاطه، لينكشف الستار عن عشرات الوحوش المختبئة بالعرين.
ربما ذكَّرنا موت توفيق بالهزيمة أيضًا، ذكرنا بالأبطال المهزومين، بالسجون، أو بالقبور، أو مَن هم في غربة موحشة بعد أن ضاقت بهم السبل هنا، وذكرنا أيضًا بالأبطال الذين لم ينهزموا للنهاية، ولا يزالون يتمردون بطريقتهم الخاصة كلما حانت لهم الفرصة.
رفعت اسماعيل يشبهنا كثيرًا، بينما أدهم صبري يشبههم كثيرًا، رفعت إسماعيل يشبه الحالمين المرتبكين، الذين يطاردون الثعابين في رأس ميدوسا، وكلما قتلوا ثعبانًا، خرج مكانه اثنان، وأدهم صبري يشبه رجال الدولة ببطولاتهم الزائفة وسلطتهم المطلقة، ودعايتهم الكاذبة البراقة التي يصدقها الكثيرون.
فإلى كل الأبطال المهزومين، لكل مَن صدَّق بالخيال، لكل مَن طارد أشباحه ومخاوفه، متجاوزًا كل ارتباكه ليصنع أسطورته، إلى رفعت إسماعيل وصاحبه أحمد خالد توفيق، سلامٌ عليكما، وعلى ما تركتماه من أثر لا يزول.

اعلان
 
 
هدير المهدوي