Define your generation here. Generation What

عن المشهد الانتخابي: الرقص حبًا وذبحًا

قِيل، ضمن ما قيل في السخرية مِن انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة إن من نزلوا للإدلاء بأصواتهم يمثلون جيل الثورة؛ ثورة 1919.

تكرر الحديث على مواقع التواصل الاجتماعية حول كِبر أعمار الناخبين الملحوظ، وظهر عديد المنشورات الناقدة، المُدَلِّلة على فشل الحملة الانتخابية في اجتذاب الأجيال الجديدة.

وقد أبرز المتواصلون في فضاء الفيس بوك، عزوفَ الشباب عن الخروج والمُشاركة، واقتصار رواد اللجان على نساء ورجال تخطوا الخمسين أو الستين عامًا، وسلَّطوا الضوءَ على قلة الأعداد بوجه عام، وغياب الطوابير التي استطالت في مرات سابقة، إضافة إلى انتشار مَظاهر احتفالية فيها الكثير من المبالغة، إذ هي لا تلائم مجموعات المصوّتين الصغيرة نسبيًا، ولا تتناسب مع طبيعة الحدث.

جُلت بنفسي هنا وهناك، ورأيت في جولاتي لجانًا تكاد تكون خاوية في أوقات الذروة المعلومة، يقصدها أشخاصٌ قليلون، أعمارهم بالفعل مُتقدِّمة. ومع ذلك لم أكن واثقة مِن جواز التعميم، ولم أفكر في الأمر إلا بعد أن تجمَّعت أمامي عناوينُ الصحف وقد تشابه مَضمُونها.

رَصَدَت المُتابعاتُ الصحفية التي احتلت مساحةً واسعة مِن كل جريدة، وعلى مدار الأيام الثلاثة التي أُقيمت فيها الانتخابات، حضورًا لافتًا للعجائز والشيوخ، وانحسارًا ملحوظًا للفئات العمرية الأخرى.

في اليوم الأول قالت صحيفة الشروق: «كبار السن يتصدرون قائمة المشاركين بمحافظات الدلتا والوجه البحري»، وفي اليوم الثاني نقلت صحيفة المصري اليوم عن المجلس القومي لحقوق الإنسان: «السيدات والشيوخ يتصدرون»، وظلَّت العناوين على هذا المنوال في اليوم الثالث دون أدنى تغيير، بل وصحبتها صور داعمةٌ للمحتوى، طغت عليها الشعورُ البيضاء، والوجوهُ المُرهقة، والملامحُ التي تمَكَّنت منها علامات الزمن.

أَدرَكتُ أن تعليقاتَ المتواصلين صحيحةٌ إلى حدٍّ بعيد، لكن ثمَّة ما يجعل المشهد مُفتقرًا إلى التناغُم التام، ثمَّة ثغرة تُخلخِلُ تماسُك النظرية التي تقضي بأنَّ كِبار السن؛ مُتحجّري العقول، طالبي الأمان على حِساب الحرية؛ هم من يقودون التصويت للمُرشح شبه الوحيد، وأنَّ صِغار السن، دافعي الثمن الباهظ لحراكٍ ثور غير مُكتمِل؛ هم المقاطعون الرافضون، الساخطون على مشهد يرونه هزليًا كئيبًا.

ثمَّة ما لا يمكن عزوه إلى المسافة الزمنية الكائنة بين الأجيال، ولا تفسيره عبر سرد خصائص تسم كل جيل عمريّ على حدة، وتلازمه كأنها مُسلَّمة مِن المُسلَّمات، فجنبًا إلى جنب مع هؤلاء الكبار؛ الذين ظهروا في برامج التلفزيون وفي الصحف أيضًا؛ يسير بعضهم بصعوبة واضحة، ويستعين بعضهم الآخر بعصاه، فيما يستقر بعض ثالث على مقاعد مُتحركة لاستحالة الاستغناء عنها، ظهرت طائفة على الطرف النقيض؛ أغلب أعضائها من النساء، نساء لسن طاعنات في السن إلا القليل، بل ينتمين إلى شرائح عمرية متفاوتة وطبقات اجتماعية متنوعة، وقد انطلقن يرقصن ويصفقن ويزغردن، ويبذلن جهدًا بدنيًا فائقًا على مدار ساعات بلا انقطاع.

فقرة جذبت الأنظار، خاصة مع ارتداء بعضهن أزياءً غير تقليدية، تستخدم ألوان العلم المصري دون غيرها، في تنويعات طريفة وأحيانًا مُضحِكة.

بين المشهدين كلامٌ كثير، تساؤلاتٌ مُترعة بما يدفع إلى التروي قبل إصدار أحكام قاطعة، وبما يحض على محاولة الفهم والتحليل.

جيلُ المصوتين، كما لوحظ، يعوزه الشبابُ، بينما الراقصات فيهن شابات صغيرات، وأحيانًا طالبات مدارس أو جامعات.

ترى مَن نزل إلى المَحفَل الانتخابيّ، ومَن لم ينزل؟ مَن أعطى الصوت ومضى إلى حال سبيله، ومَن راح يحتفل ويرقص أيامًا مُتواصلة، ولماذا؟

عن المقهورات

صادفت على إحدى صفحات فيسبوك منشورًا لصديقة عزيزة، اختارت له عنوان «مشهد لا يُنسى»، وقالت فيه: «الصبح بدري وانا في التاكسي ومعدية من ميدان التحرير شفت كواليس العملية الانتخابية الناجزة، ما كانش منظر الناس أو الموظفين وهي مشحونة باليونيفورم إلى اللجان، لكن عربية بيك اب بالميكروفونات الجاهزة للأغاني المبشرة ومشحونة عن آخرها بفتيات في العشرينات من العمر تم جلبهن خصيصًا لأداء مهمتهم الوطنية في الرقص أمام اللجان الانتخابية. مش عارفة ليه افتكرت مشهد الاوتوبيسات اللي شحنت البلطجية يوم موقعة الجمل؛ لكني هنا تعاطفت كثيرا مع الفتيات ومستقبلهم الضائع وأفلتت الدموع من عيني أمام عبثية المشهد .»

مثلها مررتُ بفتيات صغيرات؛ ربما لم يُكمِلن العشرين بعد، تحلَّقن أمام بعضِ اللجان، وانخرطن في رقصات عشوائية كأنهن في رحلة مِن رحلات المدارس؛ كُلٌّ تنثني وتنحني حسبما يتراءى لها، وبقدر إمكانياتها البدنية والرياضية؛ سلوك مألوف، ما اجتمعت الفتيات المراهقات وزال الحرج. للحقِّ لم أجد في صدري مساحة مِن الرفاهية، تُمكِّنني مِن النظر إليهن بعين البراءة الخالصة، فالحافلات المُخَصَّصَة لنقلِهن، والزيّ المُوَحَّد الذي ارتدينه، والأداءُ الحماسيّ المُفتعَل الذي عازه الصدق في كثير الأحيان؛ جميعها مَظاهر وعلامات، وشتْ بأن الفتيات كن ينجزن مُهمة كُلِّفن بها، لا أكثر ولا أقل .

في إطار مواز، أقل إساءةً على ما أرى، وأكثر إثارة، نشرت بعضُ المواقع الإلكترونية عن استدعاء آلاف السيدات، المُسجَّلات بقضايا آداب، لأداءِ  «مهمة وطنية»؛ تمثَّلت هذه المُهمة على ما يبدو، في حَفز المَحافِل الراقصة وقيادتها هنا وهناك. وسواء صحَّ الخبر أو ثبت زيفه، فإن الاستعانة بأصحاب السوابق المُسجلين في كشوف وزارة الداخلية، لتنفيذ مهمة أو أخرى، ليست بأمر جديد، بل تكرر على مدار سنوات فائتة وعقود، حتى صار عرضًا مزمنًا لمرض مُستَفحِل.

قسمٌ مِن الناس إذًا، سيق إلى وصلات التمايل والتقافز مدفوعًا بآلية نحو تنفيذ ما تطلبه المدرّسة، أو الناظرة، أو المدير والمديرة، أو رئيس المصلحة، أو أي وجه آخر مِن وجوه السُلطة التقليدية. قسمٌ آخر أُجبِر على الرقصِ قهرًا تحت التهديد المُباشر؛ مُناوَبة يُؤجَر عليها بالفُتات، أو مَلف مُعلق يُعاد فتحه، وقضية يجري تلفيقُها. قسمٌ ثالث شارك دون أن يكون مؤيدًا لمرشح أو آخر، إنما هي مُشاركة انفعالية وحسب، مُناسَبة عامة للتخلُّص مِن التوتُّر، تشبِه حفلاتِ الزار؛ فرصة سانحة للتفريج عن الهموم، يطلق فيها المرء لدواخله العنان، إلا أنها تحظى بشرعية أكبر، وبتأييد مِن السلطة وحماية أكيدة، بل وقد تصحبها مَنفعةٌ مادية ولو ضئيلة. قسمٌ رابع، كان بالفعل مؤيدًا للمُرشح الوحيد، مُدركًا لمغزى مُشاركته، مُمعِنًا في التعبير عن إرادته ورغبته، حتى لقد قارب مَسلكُه التشفيَ في المعارضين.

بين النساء الراقصات مَن امتلكن الثروةَ والوفرةَ وحظين بالسند والنفوذ، ومَن افتقرن إلى الحدود الدنيا مِن المتاع وانطبق عليهن بيت الشعر القائل: ولا تحسبن رقصي بينكم طربًا / فالطير يرقص مذبوحًا من الألم.

لا أدلّ على التوصيف الأخير مِن امرأةٍ، صعدت روحها إلى البارئ وهي تؤدي دورها المرسوم. أُدينت ولُعِنت، ثم تبين أنها فقيرةٌ لا بيت لها ولا ولد، وأنها قد سِيقَت ضِمن مَن سيقوا، مَوعودة بالإثابة.

أيكون الرقصُ عيبًا؟

هل يحقُّ لأحد إدانة الراقصين والراقصات أمام اللجان إدانة جزئية أو مُطلقة، أو العكس؟

الإجابة ليست سهلة كما قد تلوح، والزاوية التي جرى تناول الأمرَ بها ليست واحدة. الرافضون للعملية الانتخابية، ومَن رأوا فيها مَسرحية مُبتذلَة، عَدّوا الرقصَ أمام لجانها فعلًا سلبيًا بجدارة؛ بعضهم خاض جدلًا حول علاقة الرقص بممارسة سياسة جادة، لا بد وأن تحظى بالوقار الواجب والاحترام، والبعضُ تَطَرَّق إلى قُدرة السُلطة على تزييف المشاعر وفرض وعيٍ مَصنوع، وبعضٌ ثالثٌ أدان فعل الرقص ذاته، وعدَّه نقيصة، وربما فضيحة؛ تدهورًا قيميًّا مُفجِعًا، بغض النظر عن السياق.

الداعمون للعملية الانتخابية، باركوا مظاهر الاحتفاء والفرحة، تعاملوا معها بتسامح، ليس للحق غريبًا على المجتمع رغم تناقُضاتِه المُوجعة؛ كثيرهم لم يجد فيها مُبالغة ولا تماديًا، بل لقد زُجَّ بالمُصطلحات الدينية في خطاب الحضّ على المزيد، ويُذكَر في هذا الصدد بيانٌ، صدر عن حركة الدفاع عن الأزهر والكنيسة، جاء فيه أنَّ الرقصَ والزغاريدَ أمام اللجان الانتخابية «حلال»، طالما أنها دعمٌ للوطن، وأنَّ عقيدة حب الوطن تعلو على أي انتماء آخر، وأن الكتب الدينية أوصت بالدفاع عن مصر.

يبدو الخلط ظاهرًا في هذا الخطاب، فالسؤال المنطقي الآن هو: ما علاقة الرقص بالدفاع عن الوطن؟

الإجابة ليست ضرورية، فأدوات الإقناع الخطابية تشتملُ بالتأكيد على استغلال الدين، دون الإتيان بحُجَّة مَنطقية، وعلى كُلٍّ؛ ذاك مَبحثٌ مُنفصِل وقائم بذاته.

الرقصُ طَقسٌ

العادة في مُجتمعاتنا أن يتفاعلَ الناسُ مع ما مِن شأنه استثارة المشاعِر، دون أن يُمعِنوا التفكيرَ، هم حاضرون في فرح أو حزن، داعمون في غناء أو عويل.

المُشاركة العاطفية جزءٌ مِن تركيبة المصريين ولا شك، لكنها أحيانًا ما تُستَغَلُّ أسوأ استغلال.

يُمثل الرقصُ مَظهرًا مِن مَظاهر التفاعُل، وسيلةً للتعبير عن أحاسيس مُتدفِّقَة، لا تكفي الكلماتُ لإعلانها. هو طقسٌ احتفاليٌّ أصيل تمارسه مُجتمعاتٌ عديدة، مُتقدمة ومُتأخرة، شرقية وغربية، حضرية وريفية، بل عشائرية وقبلية وقائمة على الفردية، ولا غرابة إذًا أن يكون الرقص حاضرًا ما حضر مَوقفٌ يسمح بممارسته.

رغم هذا، قد يغيب الموقفُ المُلائم ويحضر الانفعال وتستعر الممارسة، لا يقودها إلا السلوك الجمعيّ وضوابطه ومُحدداته.

هذا، على ما أظن، جزءٌ مِن التحليلِ لا يجب إغفالُه، فبالإضافة لتعديد الدوافع والأسباب، واستعراض الخلفيات، يظلُّ ارتكاب الفرد لسلوك بعيد عن طبيعته، ما وُجِدَ وسط جماعة تمارس السلوك ذاته، أمرًا مثيرًا وجاذبًا للانتباه.

عندَ الجَدّ

ثمَّة خبرٌ عابرٌ اندسَّ وسط أخبار أخرى في إحدى الصحف اليومية، يُقِر بأن الإقبالَ على التصويت في جزيرة الوراق، كان الأقلَّ بين مَناطق مُحافظة الجيزة كافة؛ مؤشر ذو دلالة على الأغلب، فالوراق تعرضت، منذ فترة قصيرة نسبيًا، إلى مُناوشات مِن أجهزة الدولة تستهدف إخلاءها مِن السكان، بدعوى التطوير تارة، وجلبِ استثماراتٍ مِن الوزن الثقيل إليها تارة أخرى.

في الوراق نساء؛ شابات يافعات وبالغات، طالبات مدارس وجامعات، لكنهن اخترن الغياب. لم يُعلِنَّ الفرحةَ ولم يرقصن وسط المهرجان ولم تُسمَع زغاريدهن ولا سطعَت أصواتُهن هاتفات، ولا التهبت أكفَّهُن مُصفِّقات.

ثمَّة حدثٌ جادٌ هنا، خارجٌ عن السياق العام، حتى بعد أن تفقَّد المسؤولون اللجانَ فامتلأت بالمواطنين. هنا حدثٌ يستحقُّ الدراسةَ الميدانية مِن قِبل المُهتمين بعلوم السياسة والاجتماع.

ختام

ما بين الانحناءات والتمايُل والتصفيق، ومَشهدِ امرأة على كرسي مُتحرك، وأخرى على مَحفَّة خارجة للتوّ مِن مُستشفى، وأصابع مَغمُوسة بالحبرِ المُراق؛ يحضر كلامٌ طويلٌ وإنصاتٌ أطوَل، نظرة أخرى أشمل وأقرب، تلزم الساعين إلى معرفةٍ لا تتحرى النظرياتِ بقدر ما تلمَس الحقائق.

اعلان
 
 
بسمة عبد العزيز