Define your generation here. Generation What

مؤسس «أدب الخيال» في مصر

بدأ حبي للقراءة مع نبيل فاروق، وللغرابة فقد أحببت «ملف المستقبل» أكثر من «رجل المستحيل». لم تعجب السلسلة الأولى إلا القليل من أصدقائي حينها، بينما حازت الأخرى إعجابهم جميعًا.

وفي وقت ما، وبناء على نصيحة أبي، تجاوزت نبيل فاروق إلى نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وتوفيق الحكيم ويوسف السباعي، جيل الأدباء المصريين المؤسسين، بدون المرور على أعمال أحمد خالد توفيق.

كانت هذه مصادفة محضة، وربما لو كنت أصغر بخمس سنوات لقرأت أعمال خالد توفيق بكثافة، والمصادفة هي أنه بدأ ينشر كتاباته بعد انتقالي المفاجئ من نبيل فاروق إلى المؤسسين.

لم أقرأ كتاباته إلا فيما بعد، بعدما ابتعدت كثيرًا عن أعمال فاروق البسيطة المباشرة، ورأيت عند توفيق ما أشار إليه الكثيرون، فعلى عكس بطل نبيل فاروق الخارق، أدهم صبري، الذي يدرك حتمًا أنه مركز الكون، أو على الأقل مركز مصر، لاحظت أن بطل توفيق، الدكتور رفعت إسماعيل، كان مغلوبًا على أمره كثيرًا، بائسًا ومكتئبًا وربما أحيانًا لا يأبه للعالم الذي خُلق فيه (بصفته شخصية نحتها كاتب).

وعلى قدر ما كانت مثالية بعض شخصيات نبيل فاروق ساذجة مثيرة للضحك، كلها بيضاء وسوداء دون غواية أو قلق أو انحراف، على قدر ما كانت شخصيات أحمد خالد توفيق مرتبكة مندهشة وبالتأكيد غير مثالية. وربما لهذه الأسباب بالذات شعر الشباب بالميل نحو شخصياته، لصدقها.

ما كان مدهشًا بالنسبة لي أيضًا هو شخص خالد توفيق، التقيت به في دبي في فعاليات مهرجان طيران الإمارات عام 2017.

كان شديد البساطة، لا يعطي لشيء أكثر مما يستحق أبدًا، متجاهلًا تمامًا أي انتباه موجه لشخصه من المحيطين به، يأكل ويشرب ببساطة، ويشتكي من جهله بأشياء من أبسط ما يكون، ربما لا يليق بكاتب كبير أن يشتكي منها. كان قد قرأ لي رواية «عطارد»، فمازحني عندما التقاني قائلًا: «دا إنت طلعت جزّار بقى!» لغته لم تكن لغة النقد الأدبي المتقعرة أبدًا لدى الكلام عن الأعمال الفنية، وأذكر أنه مدح بشدة رواية ستالنجر «الحارس في حقل الشوفان»، وعلى الرغم من مئات الصفحات التي كُتبت في مديحها، إلا أن ما قاله لم يتعد الكلمات البسيطة.

تابعت أيضًا حلقة عمرو أديب، الذين بدا عليه الضيق للحزن العارم على رحيل الرجل الذي اشتعل على مواقع التواصل الاجتماعي.

بدا لي ضيق عمرو أديب قادمًا من فكرة أنه لم يكن يعرف من هذا الرجل الذي ينعيه الناس بكل هذه الحرارة، وهو منطق بدا غريبًا لأول وهلة، وعندما تابع ذكر أسباب ضيقه بدا الأمر كله منطقيًا بالنسبة لي. كان الضيق مصدره عدم علم الدولة أصلًا بوجود أحمد خالد توفيق، كأنه كان لزامًا على الدولة أن تعرفه، يتابع أديب، حتى تفهم اهتمامات الشباب، وبالتالي تستطيع السيطرة عليهم في وقت ما في المستقبل.

أدهشني كثيرًا ربط كاتب أدب الخيال بما حدث في يناير 2011، وكأنه صدق الكذبة التي كذبتها الدولة، عندما ربطت بين الشباب فقط وبين الثورة، وكأنه لا يرى أن شبابًا يؤيدون الدولة الحالية بكل دكتاتوريتها. والمبهج بالنسبة لي أن أديب، بصفته أحد رجال الدولة الحاليين، لا زالت 2011 تسبب له أرقًا مستمرًا بعد مرور أكثر من سبع سنوات.

ليس هناك اهتمام من المؤسسة بالطبع بأحمد خالد توفيق. والمؤسسة هنا لا أعني بها الدولة بالضبط، وإنما الجامعة على وجه التحديد.

النقد الصادر عن الجامعة يبدو متمحورًا حول كتاب بعينهم غير معروفين للعامة، أو لا يعرفهم العامة إلا من خلال الدعاية الرسمية – الصادرة من الدولة – وهي الدعاية التي تجعل المواطن العادي يسمع عن أحمد عبد المعطي حجازي، لكنه لن يقرأ له كلمة أبدًا.

كانت الناقدة سماح سليم قد كتبت دراسة توضح أنه في بدايات القرن العشرين، كانت الروايات تُباع كمجرد أعمال أدبية تجارية لا تهتم إلا بمتعة القارئ، ولم يكن للنقاد أو للجامعة أي تدخل حاسم في نقدها وتقييمها، وبالتالي في وضعها في خانة «الأدب الرفيع»، لم يكن معيار تقييم الأدب سوى شعبية العمل وعدد النسخ المباعة منه. فيما بعد، بدأت الجامعة تهتم بأنواع معينة من الروايات، فابتعدت الأعمال التجارية عن الأضواء تدريجيًا.

بالإضافة إلى رأي سماح سليم، فأظن أن دعم الدولة لأسماء بعينها – بعد انقلاب يوليو العسكري – قد ساهم بقوة في تكريس تلك الأسماء.

ما يبدو غريبًا أيضًا، بالإضافة لعدم الاهتمام الأكاديمي بتوفيق، هو عدم الاهتمام الصحفي. في الخارج هناك تقدير لكتّاب مثله؛ تقدير صحفي صادر عن مجلات وصحف بعينها تهتم بالنوعية التي يكتبها، وتقدير من دور نشر تهتم بالنوعية نفسه وتنشرها، وأيضًا جوائز مرموقة لا تُمنح إلا لأعمال مشابهة يغلب عليها الخيال.

لو كان خالد توفيق يعيش في الخارج لكانت فرصه في المقروئية لتصبح أكبر بكثير. هو يكتب كتبًا تجارية، والإنتاج الصادر عن هذه الفئة بالخارج غالبًا ما يكون أفضل من إنتاجه، وذلك نتيجة عراقة هذا النوع من الأدب في أمريكا على سبيل المثال، وما ذكرت سابقًا من اهتمام به.

بالإضافة لهذا، فأحمد خالد توفيق هو عراب هذا النوع من الأدب في مصر بلا منازع، وإذا كان كتاب النصف الأول من القرن العشرين هم مؤسسي فن الرواية في مصر، فإن توفيق هو بالتأكيد مؤسس أدب الخيال في مصر، وما علينا إلا أن نقرأ الكثير من الكتاب الشباب حاليًا – كتّاب أدب الخيال على وجه الخصوص – لنرى أنهم أبناؤه حقًا، ولنلاحظ أيضًا أن أكثر ما يكتبونه لا يكاد يقترب من جودة أعماله وأصالتها.

اعلان