Define your generation here. Generation What

شيء في «العادي» يجعله فاتنًا

ولدتُ في منتصف الثمانينيات، لأسرة من الطبقة الوسطى، بعد شقيقين يكبراني، أحدهما بعشر سنوات والآخر بسبع سنوات.

كطفل لم يجد الكثير مما يمكن فعله في منزل محدود المساحة، وتلفزيون بثلاث قنوات فقط، أحببت القراءة. وبسبب التربية الأسرية الصارمة، لم أكن قط بارعًا في لعب الكرة، سواء في الشارع أو المدرسة، وأدت المحاولات المتفرقة لمشاركة أصدقاء الدراسة اللعب إلى مواقف فضائحية لا أحب تذكرها عمومًا.

في مدرسة متوسطة المستوى، لم يكن متاحًا بشكل حقيقي تعلُّم الموسيقى أو التمثيل، فضلًا عن أني لم أكن موهوبًا في أي منهما. لم أجد أمامي إلا أكوام من سلاسل روايات مصرية للجيب التي كان يقرأها شقيقي بين وقت وآخر فبدأت في قراءتها.

أذكر أن «اختفاء صاروخ» كانت الرواية الأولى التي قرأتها من سلسلة ملف المستقبل، التي بدأت في الصدور سنة 1984 لمؤلفها نبيل فاروق.

لا بد أن ذلك كان في النصف الأول من التسعينيات، وكنت وقتها في إحدى سنوات الدراسة بالمرحلة الابتدائية. كنت أتوقف كثيرًا أمام كلمات بعينها دون قدرة على فهم معانيها، لكنني أكملت القراءة بنهم.

استهلكت مخزون أعداد ملف المستقبل الموجودة في المنزل وبدأت في شراء المزيد، واكتشفت مع أحد أصدقاء المدرسة محلًا صغيرًا قريبًا من البيت يبيع الأعداد الجديدة والقديمة أيضًا، فبدأت في إكمال الأعداد الناقصة. وأصبحت الزيارة السنوية لمعرض الكتاب فرصة لشراء المزيد مما فاتني، والتزود بما يصدر حديثًا.

أحببت في البداية شخصيات ملف المستقبل وتأثرت بهم، كما أراد مؤلف السلسلة الذي أعرب أكثر من مرة عن رغبته في خلق «أبطال» عرب مؤثرين في نفوس المراهقين والشباب.

تأثرت بفكرة «الأبطال المثاليين» الممتلئين بالمعنى والهدف، حتى قرأت رواية «مصاص الدماء» و«أسطورة الرجل الذئب»، ويشكل كلاهما العدد الأول من سلسلة «ما وراء الطبيعة» التي بدأت في الصدور سنة 1993.

لا أذكر متى بالضبط قرأت تلك الرواية، ربما كنت في بداية المرحلة الإعدادية وقتها في النصف الثاني من التسعينيات. أعترف أني شعرت في أول الأمر ببعض الغيرة على نبيل فاروق وأبطال ملف المستقبل، الآلهة المتّوجون على عرش البطولة المثالية المطلقة، حيث لم أكن من محبي رجل المستحيل، أدهم صبري، على أي حال.

في أحاديثي مع الأصدقاء الذين شاركوني نفس الاهتمام بقراءة روايات مصرية للجيب، كنت أقدم أحمد خالد توفيق بصفته واحد آخر يحاول «تقليد» نبيل فاروق، رغم أن صاحب رفعت إسماعيل كان بعيدًا كل البعد عن منهج صاحب أدهم صبري.

ظللت أستهلك أعداد ملف المستقبل دون قدرة على تجاهل ما وراء الطبيعة، التي بدأت تدريجيًا في احتلال مساحة الأولى لدي. شيء ما في ذلك العجوز رفعت إسماعيل يجعله ساحرًا. لم يكن بطلًا مثاليًا، بل كان العكس تمامًا. لا يحتاج أي ممن قرأ ما وراء الطبيعة لأن أسرد له كيف كان رفعت إسماعيل مختلفًا عن أبطال نبيل فاروق الخارقين، وبالتالي يمكنك تجاوز السطور التالية إذا أردت:

هو عجوز، أصلع، رفيع كقلم رصاص، مقبول المظهر بكثير من التجاوز، يلهث إذا جرى مترين بسبب التدخين، يتغذى على أقراص النتروجلسرين بسبب ضيق شرايين القلب، يصاب بالهلع والخوف والارتباك أمام المواقف التي يصادفها، نافذ الصبر ككمسري أتوبيس نقل عام، يحب ماجي ماكيلوب الاسكتلندية بشكل يائس، لكنه يختار ألا يقترب منها فيكتشف كل منهما عيوب الآخر، ثم أنه طبيب أمراض دم أصلًا. هل هناك بطل يعمل طبيبًا؟

كان رفعت إسماعيل ساحرًا لأنه يشبه الأشخاص العاديين، يمكنك أن تلقاه واقفًا في إحدى عربات المترو فتمنحه مقعدك احترامًا لسنه ومرضه. هذا الشخص شديد العادية حل محل أبطال نبيل فاروق المثاليين لأنه لا يعظ، وإنما بالكاد يسّير أموره. يقوده النحس الأبدي، لا البطولة، إلى ورطات لا تنتهي من الغرائبيات التي ينسج منها أحمد خالد توفيق رواياته، غير أنه لا يرفض التورط؛ يقبله كل مره ويجيد التعامل معه.

يبدو رفعت إسماعيل كأي منا؛ يواجه الحياة رغمًا عنه؛ غير أنه يختار أن يحب ما يواجهه؛ فهي القماشة التي صنعته في النهاية، وصنعتنا.

طوال سنوات قراءتي مغامرات رفعت إسماعيل، كان لدي إحساس دائم أن شخصًا ما يحمل ذلك الاسم ويعيش تلك الحياة بالفعل. ربما كان أحمد خالد توفيق نفسه، الرجل الذي لم ألقه شخصيًا ابدًا، ولا أعرف سوى أنه أيضًا طبيب ومدخن ويعيش في طنطا.

الصوت القوي لرفعت إسماعيل والشخصية التي تبدو ممتدة بتفاصيلها وحضورها لما هو أبعد من صفحات الرواية يعطيان ذلك اليقين أنه حقيقي، أكثر من شخصيات نبيل فاروق التي تظل خيالية باهتة غير قادرة على العيش خارج ملف المستقبل ورجل المستحيل.

لرفعت إسماعيل نفس تأثير البطل الثاني في الأفلام حين يجيد الممثل تأدية دوره. تعرف كم تأثرت بالبطل الثاني عندما تفكر فيما قد يفعله خارج المشاهد التي لا يظهر فيها، أي عندما تفكر فيه كشخصية حقيقية. اللعبة الحلوة من أحمد خالد توفيق أنه جعل رفعت إسماعيل يخرج من دور البطولة الثانية ليصبح هو الشخصية الرئيسية.

انحاز أحمد خالد توفيق مرة أخرى لأكثر الشخصيات عادية؛ عبير عبد الرحمن بطلة سلسلة فانتازيا بحياتها بالغة الرتابة والملل والبؤس. لا أزال أذكر وصفه لبركة المياه الأزلية الآسنة التي تمر بها يوميًا في طريقها للبيت، بملامحها غير الملفتة على الإطلاق وجسدها الهش.

يمنح أحمد خالد توفيق عبير بابًا خلفيًا يمكنها الهروب منه إلى عالم الروايات غير المحدودة التي قرأتها لتعيش فيه مغامراتها التي يشكلها جهاز لصناعة الأحلام. تتشابه حياتنا طوال فترة التسعينيات الرتيبة المملة مع حياة عبير. ينحاز أحمد خالد توفيق لعبير، ويمنحها فرصة المغامرة الخيالية كما فعل معنا بالضبط.

صنع الإلهام من الاحتفاء بالعادية والانتصار للعاديين، بينما حاول نبيل فاروق صناعة الإلهام عبر خلق أبطال خارقين للعادة مفعمين بالوطنية الفجة والمثالية الركيكة، لا يمكن أن تشعر نحوهم سوى بالاغتراب، خاصة في حقبة بلا بطولة، بلا إلهام، بلا شيء.

جنبًا إلى جنب، ظللت أقرأ أعداد ما وراء الطبيعة وفانتازيا حتى توقفت في المرحلة الثانوية. فكان آخر ما قرأته من السلسلة الأولى هو «بعد منتصف الليل»، ومن الثانية «الاسم شكسبير». فاتني خمسون عددًا من سلسلة ما وراء الطبيعة، و54 عددًا من فانتازيا، ولم أقرأ سلسلة سفاري بمجملها، لأكتشف لاحقًا أن ما فاتني هو عالم بأكمله، استمر أحمد خالد توفيق في نسجه بحرفية وزخم.

تراودني من حين لآخر فكرة العودة لقراءة ما فاتني، وقد لا أفعل، غير أن ما صنعه يبقى مؤثرًا، فقد أنقذ أبناء الثمانينيات من حقبة التسعينيات البليدة كما لم يفعل أحد آخر، خلق من الرتابة والملل واللاشيء عالمًا واسعًا في متناول اليد، وجعل الاحتفاء بالعادية ممكنًا. لولاه، ربما لم نكن هنا اليوم.

اعلان