Define your generation here. Generation What

«أسطورة اﻷخويّة»

مسجد السيد البدوي، الجامعة ومستشفاها، فندق عرفة، «حلويات مصر»، هذه هي اﻷماكن التي قد يرتادها زوار مدينة طنطا، عاصمة محافظة الغربية؛ المدينة الهامشية في تاريخ وجغرافيا مصر. حتى في تاريخ وجغرافيا المحافظة نفسها تمتلك المحلة الكبرى رصيدًا أكبر من الحضور والتأثير.

لا شيء يغري في طنطا إن لم تكن من أهلها أو المضطرين لزيارتها أو البقاء فيها. وحتى بالنسبة لهؤلاء، لم يكن اسم «المُرَشَّحَة» لافتًا قبل مطلع اﻷلفينيات، حين قرر المسؤولون أن ينقلوا إليها موقف ميكروباصات، ضمن حملة تخطيط بعثرت باقي المواقف في أماكن مختلفة على أطراف المدينة المتربة.

عند هذا التاريخ فقط، بدأ حضور «المُرَشَّحَة» يزيد في المشهد الطنطاوي، لتصبح أكثر من طريق نصف مظلم يجاور مصرف مياه عريض لا جَمال فيه، ويتردد اسمها في جنبات المدينة خارجًا من حناجر سائقي وتباعي ميكروباصات سيرفيس كئيبة اللون ينادون على الهائمين في طرقات المدينة، محاولين فك لوغاريتمات تناثر المواقف بين «سوق الجملة» والمحطة و«سبرباي».

إن لم تكن سافرت بين طنطا، وبين المحلة والمراكز المحيطة بها، ففي اﻷغلب لم تكن هناك فرصة لتمر «المُرَشَّحَة» في مجالك، سوى في مقالين بعنوان «ثرثرة فوق المرشحة» كتبهما أحمد خالد توفيق في يناير 2013.

«معذرة لأننى لم أجد نيلًا فى طنطا أثرثر فوقه، وإنما هو مصرف للمجارى يصر أهل طنطا على أنه (كورنيش)، واسمه الرسمى هو (المرشحة) بتشديد الشين. مكان ممتاز وشاعرى لو كنت ممن يتحملون لدغات البعوض والهاموش»، هكذا بدأ الكاتب ثرثرته في جريدة «التحرير»، لتصبح المرشحة مكانًا، أو على اﻷقل اسمًا، معروفًا لعدد أكبر من الناس، منهم من لم يزر طنطا قبلًا ولن يزورها لاحقًا.

من هناك، من ذلك الواقع المكاني الهامشي في مصر، كان أحمد خالد توفيق مؤثرًا في جيل كامل يتراوح اﻵن ما بين منتصف العشرينات ومنتصف الثلاثينات. من مكمنه في طنطا، أسس توفيق بكتاباته أَخَويّة ضمت آلافًا من شباب مصر، أخوية غير معلنة ولا معترف بها، لا يعرف أعضاؤها بعضهم البعض سوى في دوائرهم الصغيرة التي تتشابه حكاياتها حد التطابق.

بلا منصب رسمي أو مؤسسة حكومية داعمة كان الرجل، المتواري برغبته في طنطا، أقرب إلى قلوبنا وعقولنا من كثيرين جمعتنا بهم علاقات مباشرة على اختلاف أماكن نشأتنا.

بلا فذلكة ولا تكلف، وبأسلوب رشيق حببنا في القراءة ومنحنا مئات الفرص للتفكير والانطلاق والمتعة، شد انتباهنا ومنحنا أبطالًا مختلفين عن النمطيين الذين حاصرونا.

وبلا تعقيد ولا جعلصة منحنا معلومات في مجالات متعددة نبدأ منها التعرف على تلك المجالات دون ادعاء بأنه اﻷكثر علمًا بها، أو أنه جاب آخرها.

بلا تصنع أو ليّ ذراع حبس أنفاسنا ونحن نتابع مغامرات أبطاله الذين علقنا بهم وشوّقنا ونحن ننتظر الجديد وفاجأنا به، على مدار أكثر من 25 عامًا ظل يفاجئنا، مختتمًا بمفاجأة موته التي قدّم لها كثيرًا بشفافية أب يخشى على أولاده من صدمة ما، فينقل لهم ما جرى كما جرى، ويمعن القدر في أسطرة تلك الشفافية باختياره الشهر نفسه، أبريل، من كل عام لتداهم «الدكتور» نوبة قلبية لا يجدي معها قرص النيتروجلسرين الذي نجا به رفعت -أشهر أبطاله- كثيرًا، فيصير لموته نفسه حكاية وأسطورة تلفتان نظرنا لكاتب بارع متوار اسمه القدر.

ألف حكاية وحكاية ظهرت إلى النور خلال اليومين الماضيين عن الشلة الصغيرة التي كانت تتبادل أعداد روايات الجيب بعيدًا عن عيون اﻷهل والمدرسين والرفاق المتنمرين، حكايات كأن شخصًا واحدًا كتبها وغيّر قليلًا في تفاصيلها حتى لا ينكشف أمره، حكايات تملؤها أسماء رفعت وعلاء وعبير وماجي وبرنادت والمرشد، حكايات عن الشغف والانتظار والسحلة.

السؤال عن اﻷعداد المنتظرة، ومبادلة عدد من «سافاري» بعدد من «ما وراء الطبيعة»، وبيع الأعداد القديمة للمكتبة العتيقة بأسعار زهيدة تمكننا من شراء اﻷعداد اﻷحدث، ودس الكتب صغيرة الحجم في كتب الدراسة خوفًا من غضب اﻷهل، نقل التعبيرات الجديدة في ورقة والبحث عنها باستخدام الاختراع الجديد الذي دخل حياتنا وقتها؛ الإنترنت، التقدم في السن والاحتفاظ بما نمتلك من أعداد في أماكن نعود لها كلما داهمنا الشوق أو الملل.

كل تلك الحكايات خرجت إلى النور، على السوشال ميديا، دفعة واحدة، حين ختم مفاجآته بموته فجأة وهو في السادسة والخمسين. بلا ترتيب وبصدق، واصل المعترفون بالجميل من أبناء جيلنا حكيهم عن الرجل الحاضر في حياة كل منهم، وكأنهم يعلنون أخيرًا عن أخويتهم الصامتة التي انضموا لها لسنين متفاوتة.

شخصيًا، حين علمت بوفاة الكاتب -الذي لم أقابله في حياتي، ولم أقرأ له منذ وقت طويل أكثر من مقالات صحفية- ظللت في مكتب «مدى» وحيدًا بعد انتهاء العمل، أقرأ الحكايات متشابهة المعنى والتي لا تختلف إلا في تفاصيل قليلة، مؤتنسًا بصحبة أبناء اﻷخوية، ووجدت نفسي أكتب لصديقي الطفولة وتبادل الكتب معزيًا. بعد ساعات عدت للمنزل، سألتني زوجتي عن سبب التأخير فأخبرتها، متأثرًا، بوفاة أحمد خالد توفيق. واستني بلطف متسائلة من هو.

لم أخبرها أنه كاتب الروايات الصغيرة التي طلبت مني التخلص منها فجمعتها في كرتونة وقت تجهيز شقة الزوجية، بعدما انتهت مفاوضاتنا بنجاحي في الإبقاء على الكم الهائل من الكتب والروايات «الكبيرة» التي كنت أملكها داخل مكتبة غرفتنا، ولم أخبرها كذلك أني لم أقدر على التخلص من كرتونة روايات الجيب تلك، وإنما نقلتها وقتها إلى مقر عملي القديم، لتظل حملًا لا أرغب في التخفف منه، ويستقر بها الحال في مخزن مكتب «مدى»؛ علامة انتماء ﻷخوية لا أتنصل منها.

كان للأخوية أفرع مختلفة؛ رفعتيون، وعبيريون، وعلاءيون، بعضهم يتقافز بين العوالم الثلاثة المتباعدة، وبعضهم يكتفي بعالم واحد منهم، وغيرهم متعلقون بأدب الرعب الذي توغل فيه الكاتب، وفريق آخر ينكب على الروايات التي يترجمها بتصرف ويمنحنا فرصة مبدئية للتعرف على اﻷدب العالمي، وفريق آخر تستمر علاقته مع الطنطاوي العنيد وصولًا للمقالات الصحفية عبر منصات مختلفة، وفريق يحب الروائي الذي داهمنا في 2008 بـ «يوتوبيا» غيّرت في نظرتنا للمستقبل ولمفهوم العدالة.

خلف كل تلك اﻷفرع كان أحمد خالد توفيق، بجسد مرهق وذهن نشط، يتحكم في مزاج تلك اﻷخوية، ويمدنا بمتعة وأفكار ومعرفة وسخرية وتعبيرات لغوية لا تنتهي، يقرأ لنا ويكتب، يكتب لنا ويحرضنا أن نقرأ لغيره، يحترم عقولنا ويحترم نفسه فيرسم لنا، ربما دون أن يدري أو يريد، خطًا نعرف منه كيف يكون الإنسان «إنسانًا» محترمًا متواضعًا يحب ما يفعل، والأهم أنه يحب ما هو عليه.

أحد الدروس غير المباشرة التي أسس لها أحمد خالد توفيق في أخويتنا هي ألا نخجل من تفاصيلنا. الهزيلون المرضى قد يكونون أبطالًا كرفعت إسماعيل، رومانسيين أسطوريين مثله، الهامشيون المتميزون بكونهم غير متميزين قد يصيرون أبطالًا كعبير، يناطحون حتى نجوم التاريخ مثلها، الباحثون عن الذات بعدما ضاق عليهم الوطن قد يتحولون أبطالًا كعلاء، مغامرين على أكثر من جبهة مثله، المجتهدون الذين لا يملكون غير موهبتهم وإصرارهم قد يصيرون نجومًا كأحمد خالد توفيق نفسه، متحققين مثله؛ لهم مريدون يقفون، راضين، في طوابير أملًا في لقاء لا يدوم أكثر من دقائق، نجومًا لشعب مهمش تتجنبهم اﻷضواء ولا تقدر أن تنفي كونهم نجومًا.

تفرقت سبل السياسة بأبناء اﻷخوية التي قُدّر لجيلها أن يكون محور أكبر حدث في حياة بلدنا السياسية في العصر الحديث، مخمضتنا الثورة وفسططتنا، وكان مستحيلًا أن يكون أحمد خالد توفيق على الحياد ليرضي الجميع، وكان مستحيلًا على شخص مثله أن يمارس سلطة أبوية زائفة على من ربّاهم وشارك في توعيتهم وتوسيع مداركهم، فاختار موقفه وأعلنه دون مواربة  غير خائف من خسارة جماهيرية، ولم يخجل من اختلافه مع أحد، تمامًا مثلما لم يخجل من تفاصيل حياته الشخصية بكل أخطائه فيها، أو من اختياراته في الكتابة بتنوع ما قدمه فيها، وتمامًا مثلما لم يخجل من طنطا التي بدأ وانتهى فيها رافضًا تركها والبقاء في القاهرة، عاصمة البلاد التي يحتل من فيها المشهد، أي مشهد، وكأنهم كامل البلاد.

نقل أحمد خالد توفيق العالم الذي عرفه، قراءة وزيارة، إلى طنطا، ومن هناك، وعبر كمبيوتر حاول الحفاظ عليه من عبث طفليه -وحاول الحفاظ عليهما من عبثهما به- نقل لنا كل هذا العالم، أخذ بأيادينا لنتعرف عليه، متخطين محدودية ما تقدمه المقررات الرسمية، وسذاجة ما يقدمه الإعلام الرسمي. اعترف بنا وبوجودنا وبأفكارنا، فاحتل في عقولنا وقلوبنا مكانة لم ينافسه فيها أي «رسمي»، واستمر يساند اﻷخوية التي تأسست حوله بما أمكنه؛ قرأ ما كتبنا واحتفى به وناقشنا فيه بتواضع جم، ظل يكتب ما يراه ممتعًا ومفيدًا بإخلاص لا مراء فيه.

كان منطقيًا بعد كل هذا أن تعلن اﻷخوية عن وجودها حين انتشر خبر موته. صدق لافت فاضت به كتابات أبناء الأخوية وهو ينعون أباها؛ رفيق طفولتهم وشبابهم، أحد مرشدي عقولهم الممتعين، صانع الحكايات التي لم يكن أولها حكاياته الواردة في مؤلفاته، ولم يكن آخرها حكاياتنا ونحن نتداول تلك المؤلفات، الرجل الذي ترك آلاف التعبيرات التي تصلح كأقوال مأثورة، وترك آلاف القراء الذين يدينون له بفضل لا ينكره إلا متخلف قلبيًا ومختل عقليًا، وترك سيرة أقل ما توصف به أنها عطرة للمئات الذين عرفوه شخصيًا، فلم يزدهم ذلك إلا اندماجًا في اﻷخوية التي طافت قلوبها قرب «المُرَشَّحَة» مرة أخيرة، خلف صديق حقيقي رحل جسده من عالمنا، فيما تستمر أفكاره ومآثره ولمساته في خلفيات عقولنا وقلوبنا حتى إن لم ندرك ذلك.

«أنت تقترب من النور.. من فتحة النفق، سوف تعبر.. شعور بالنشوة يغمرك، لكنه كذلك توتر لذيذ، درجة معينة محببة من الخوف. لكنك سوف تعبر، وسوف ترى ما ينتظرك هناك، تعرف مصدر هذا الضوء وسره، ربما تذوب فيه للأبد، ربما لهذا جئت إلى العالم، ربما لهذا أنت موجود؛ كي تذوب فيه فلا يصير لك وجود». / أحمد خالد توفيق – «سافاري» – العدد 39 «NDE».

ــــــــــــــــــــــ

«NDE» هي اختصار Near death experiment أو تجربة الدنو من الموت.

اعلان