Define your generation here. Generation What
«نحن لسنا قلقين على الإطلاق»: إعادة بناء المعنى
عن المعرض الفني لياسمينة متولي
 
 
 

افتتح المعرض الأخير للفنانة وصانعة الأفلام والناشطة ياسمينة متولي، «نحن لسنا قلقين على الإطلاق»، ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي كجزء من Forum Expanded «المنتدى الموسّع». استلهمت ياسمينة أغلب الأعمال المعروضة من أرشيف تعاونية «مُصّرين»، والذي نشر لأول مرة في يناير الماضي تحت اسم «٨٥٨».

يتألف المعرض من تسعة أعمال، موزعة على مساحة مركز «سافي» للفن المعاصر (SAVVY Contemporary)، والذي بدوره يعد جزءًا من المركز الثقافي «سايلنت جرين» Silent Green الذي استخدم فيما مضى كمحرقة جثث.

وعرضت الأعمال في تتابع معين مرتبط بطبيعة المكان -ممر واسع به كُوَّات استُخدمت في وقت سابق لحفظ جرات رماد الموتى لعقود-، ما خلق انطباعًا بشخص يسير عبر «زقاق ذكريات» فعلي، متفحصًا صورًا من ماض غير بعيد، متأملًا فيها الآن، ومحاولًا أن يجد وسطها معنى جديدًا.

عند دخولنا المعرض، ستطالعنا شاشة يطل منها محامٍ من مؤسسة حرية الفكر والتعبير، يتكلم عن طرافة تصورات أصدقائه ومعارفه عنه منذ أصبح محاميًا، متوقعين منه أن يرتدي ملابسه ويتكلم بطريقة معينة.

بوجود تلك المقابلة الشخصية في مدخل المعرض، فهي تعتبر بمثابة استهلال له، وهي تمثل بطريقة ما نظرة مختلسة، لمفهوم «استعراضية الأداءات القانونية»، وهي الفكرة التي تتخلل أعمال واهتمامات ياسمينة متولي الفنية والبحثية بشكل عام.

تسري ثيمة «استعراضية القانون» هذه عبر العديد من أعمالها، وهي بصدد التعرض لها مرة أخرى في عملها القادم الذي مازال قيد التحضير، والذي يحمل عنوانًا مبدئيًا «في المحاكمات»، وهو التعاون الثاني لها مع فيليب رزق؛ شريكها في إخراج فيلم برَّه في الشارع عام 2015.

العمل الأول الذي نقابله بعد مقابلة المحامي هو فيديو من تصوير مصطفى بهجت عام 2016 لمجموعة لقطات صُوِّرت في قاعة مَحكمة بالقاهرة. يدور الفيديو في تتابع مستمر، كتسجيل لـ«اللا شيء الذي يحدث» بينما ينتظر الجميع  دخول القاضي، لمعرفة نتيجة الجلسة. وهي، عادةً،  اللحظة الأخيرة المسموح للمصورين بتصويرها، حيث تُمنع آلات التصوير أثناء المحاكمة الفعلية، كما توضح ياسمينة خلال جولة إرشادية للمعرض.

في عمل آخر، تعيد ياسمينة توليف مواد بحثية جمعت في الأساس من أجل فيلمها برَّه في الشارع. ومن بينها فيديو لعصام علي علاَّم، وهو حارس أمن في مصنع النشا والجلوكوز كان قد صوَّر مادة فيلمية مدتها ست ساعات على هاتفه المحمول، تُصوِّر الهدم غير القانوني للمصنع أثناء عملية خصخصته. وعندما حاول أن يعرض هذه اللقطات في المحكمة كدليل إثبات ضد مالكي المصنع الجُدد، أمر القاضي بخروجه من قاعة المحكمة. في حجرة ضيقة وخافتة الإضاءة في المركز، نشاهد لقطات علاَّم بأكملها على شاشة صغيرة، مصحوبة بكتيب سميك يحمل عنوان «دليل الغياب»، حيث قامت ياسمينة بتدوين وترجمة تعليق علاَّم الصوتي فيه. تكشف الأعمال عن دهاليز مسالك القانون، وما يمكن أن تضمه هذه الدهاليز من باطل.

بصرف النظر عن القضاء ومتاهاته، هناك ثيمة أخرى تتخلل الأعمال، وتتعلّق بإعادة بناء الأحداث مرة أخرى، لكن دون سياقها الذي اعتدنا عليه، سعيًا إلى تجربة تقييم تفاصيلها خارج هيمنة السياقات.

على شاشتين متوازيتين، فيديو كليب لشاب يحمل علم مصر على سارية، وفيديو أطول لمعارك في شارع محمد محمود بوسط البلد يُعرضان على التوالي، فيما يبدو أنه خط زمني لعملية المونتاج. بإعادتهما بلا نهاية وبلا سياق، يصبحان صورًا مجردة من نوع ما، متحررة من أي معنى أكبر.

اللقطتان مقتطفتان من أرشيف «858»، الذي تقول ياسمينة أنها أصبحت «مهووسة» به. وبالفعل من زاوية ما، يمكن قراءة المعرض كامتداد لـ «858»، ولفيديوهات «مُصرِّين»؛ ليس الأرشيف فقط في حد ذاته، بل فعل إتاحته للجمهور نفسه. فهو يبدو أشبه بطريقة للتصالح مع الماضي أكثر من مجرد استدعائه وتذكره، وتأخذه ياسمينة خطوة أبعد بمواجهة السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يطرحه «858»: كيف يمكن توظيف الأرشيف، بطريقة مثمرة؟

ربما تكمن الإجابة في تجريد الفيديوهات التي صُوّرت في أوقات الثورة والعنف السياسي من سياقها وإلحاحها، في محاولة لخلق طرق جديدة لرؤيتها، ولطرح إمكانات جديدة لتوظيفها.

تفتش ياسمينة في الساعات الطويلة لفيديوهات أرشيف «858»، عن اللحظات العادية الخالية من الأحداث، التي لم يُعرها أحد انتباهًا وسط ثقل اللحظة السياسية التي تم التقاطها فيها. لقطات للسماء، و للأرض عندما كانت الكاميرا تُترَك عليها دون قصد، ولحركات وأشياء مشوشة. علقت ياسمينة على هذه اللحظات بوسوم مثل «سماء»، «تشويش»، «ليزر»، محصية عدد المرات التي ظهر فيها كلٌ منها في الأرشيف. كما استخدمتها كقاعدة للعمل المركزي بالمعرض، وهو تجهيز فني مركب بعنوان «ستة دروس مع آلاء».

هنا تتلو آلاء عبد اللطيف، نصوصًا كتبتها ياسمينة، مستلهمة من وسومها، ومن دروس لتعليم التصوير على الإنترنت، منها على سبيل المثال، إرشادات للتصوير في ظروف معينة.

 بصريًا، تتخلل تلك المقاطع، لقطات لأحداث من الثورة من أرشيف «858». في أحد المقاطع كتبت ياسمينة: «اعرف كاميرتك جيدًا. إذا كنت لا تستطيع الجري بها، لا تُحضرها». وفي مقطع آخر نصحت بـ: «ابقِ الكاميرا قريبة من جسدك. فكر فيها كامتداد لأطرافك». يسائل العمل أفعال التصوير والتوثيق كوسائل أساسية للمشاركة بفعالية والانغماس بشكل مادي في الحدث.

أما العمل الفني الذي يحمل عنوان (أداة الهاتف المحمول Tool-Mobile Phone)، فهو عمل شعري وشخصي أكثر، وربما هو الأكثر قوة في المعرض، وهو فيديو لواجهة شاشة كمبيوتر desktop،  يعكس العملية البحثية الإبداعية التي تقوم بها ياسمينة، حيث نتابع تطور ملاحظاتها وأفكارها على ملف الكتابة ببرنامج وورد Word. تقول ياسمينة: «أصنع هذه الفيديوهات الثابتة القصيرة لموضوعات مختلفة، وأشعر أنها تفسر عناصر عملي أفضل مني».

آخر عمل في المعرض هو تسجيل صوتي لمحادثة بين ياسمينة وصانع الأفلام مصطفى بهجت؛. في هذا التسجيل،  تسأله ياسمينة أسئلة أساسية حول الفروق بين التصوير في الشارع خلال المعارك، وبين تصوير جلسات المحاكمات داخل قاعات المحاكم، كما تسأله عن القيود المختلفة التي يواجهها كصانع أفلام في القاهرة. يعتبر هذا العمل بمثابة قطعة ختامية تردنا بشكل دائري إلى بداية العرض، لقطة المحكمة.

 تربط هذه القطعة الثيمات الأساسية للعرض: القانون وإجراءاته المصاحبة، الأحداث الثورية دون ثورة، وفعل التصوير نفسه.

أحيانًا يكون الخيط الرابط بين أعمال المعرض أرفع من اللازم، وأحيانًا تطغى قراءة المعرض بوصفه جزءًا من «مشهدية الثورة» على المعرض بأكمله، لدرجة أنها تقلل من الاحتمالات الأخرى لتأويله، والتي هي أكثر إثارة للاهتمام، والمتضمنة بشكل خاص، في الأعمال التي تسائل فكرة الإجراءات القانونية.

أحد الدلالات على طغيان سياق الثورة على قراءة المعرض، كان رد فعل معظم المصريين الذين تحدثت معهم بعد مشاهدتهم العرض؛ حيث علَّقوا بأن العرض لم يترك فيهم أثرًا، أو بشكل أكثر دقة كانوا على الحياد. سمعت من بعضهم: «نحن فقط سئمنا الأمر كله»، بعد هزة كتفين مذعنة. لكن يبدو أن العرض نفسه نابع من نفس إحساس السأم، كما شعرت به ياسمينة، وعكسته في عنوان المعرض، الذي يوحي بحالة شبيهة من اللامبالاة في وجه العنف السياسي الراكد، حالة ناشئة من ملل ينمو ليصبح «شكلًا من محاولات النجاة».

في حوارها مع مُنظِّمة المعرض أنتونيا ألامبي والباحثة والمُبرمجة الفنية بيا تشاكرافرتي-ويرثوين، المنشور ، تقول ياسمينة في نشرة المعرض أن الطريقة التي بُنيت عليها مساحة المعرض، حددت ترتيب الأعمال المعروضة. فقد اعتمد أحدهما على الآخر، بنفس الطريقة التي «تلتئم بها القطع المتباينة سويًا في أسلوب خطي على التسلسل الزمني للفيديو».

قدمت مساحة المعرض ذات الخلفية التاريخية الخاصة، مع أعمال المعرض نفسها، عرضًا حول المفاهيم المتطورة، والطرق الجديدة للنظر إلى الأحداث التي حدثت منذ سنوات، إلى الأشياء التي نأخذها كمسلمات، مقترحة طرقًا مختلفة لرؤيتها.

اعلان
 
 
ياسمين زهدي