Define your generation here. Generation What

أبلة فاهيتا: «العروسة» التي أصر الجميع على أنسنتها عن منع «لايف من الدوبلكس»

في تاريخ مسرح العرائس، يلمح بعض الباحثين، مثل رياض عصمت، إلى سبب طريف لازدهار عروض العرائس منذ بداياتها، وهو التعبير الساخر عن القمع وظلم الحكام والوزراء قديمًا، دون أن يظهر هؤلاء المعبّرون بشخوصهم المعروفة.

في أيام الدولة العثمانية مثلًا، حُرّكت بعض الدمى البدائية لتؤدي عروضًا تنفس عن الغضب الشعبي من ظلم الحكام:

«ظل اللاعبون الذين يحركون تلك الدمى الجلدية البدائية مختفين عن الأنظار ليتابع المتفرجون حركة العرائس من وراء ستارة بيضاء، ويصغون إلى تلميحات سياسية لا تخلو أحيانًا كثيرة من ألفاظ نابية تنفِّس الاحتقان والغضب الشعبي من استفحال الفساد والاستبداد. بالتالي، لا يدعو للاستغراب أن مسرح خيال الظل قوبل برقابة قاسية ومتعنتة.»

وتضيف منى مدكور: «كانت لها في أحيان كثيرة أبعادٌ سياسية وانتقادات لسلبيات المجتمعات المختلفة وقتذاك.»

ومع ورود أخبار عن تعنت السلطة ضد العروض ذاتها، لم تصلنا أخبار عن محاولة واحدة للتنكيل بأحد محركي العرائس أو الدمى، أو ملاحقته، أو مجرد سعي السلطة إلى معرفة هويته.

أدركت الأنظمة القمعية، على نحو ما، أن التنفيس عن غضب الشعب عن طريق عروض فنية ساخرة أبطالها من العرائس، لا يضر السلطة، بل ربما ينفعها ببعض التخفيف عن الأغلبية المطحونة، التي تلطّف الضحكات بعض آلامها وجوعها.

من هنا تظهر المفارقة؛ إذا كانت أنظمة قمعية عتيقة تغاضت عن مسرح العرائس، واثقة من أنه لن يُسقط نظامًا أو يهز عرشًا، فلماذا أصر المجلس الأعلى للإعلام في مصر على إرسال تحذير حاسم لقناة السي بي سي التي تذيع برنامج «لايف من الدوبلكس» بحذف المحتوى غير اللائق، وأن يُكتب اسم الممثل الذي «يتقمص شخصيتها على تتر البرنامج»، بحسب تصريح جمال شوقي شاروبيم، رئيس لجنة الشكاوى بالمجلس؟

لم يُخفِ الأستاذ شاروبيم هدف المجلس من إعلان اسم الممثل: «حتى يمكن محاسبته عند الخطأ».

كما أن مقص الأستاذ شاروبيم أصر أيضًا على حذف ما اعتبره إيحاءات جنسية وإساءات من صفحة القناة على اليوتيوب!

ما حدث بعدها كان أن مقاطع حلقات أبلة فاهيتا «لايف من الدوبلكس» حُذِفتْ من على صفحة البرنامج نفسه على اليوتيوب، مع انتشار أخبار كثيرة عن إيقاف البرنامج وصمت تام من إدارة البرنامج والقناة، التي قامت بجولات من الكر والفر لمواجهة الحملات المتتالية المعادية لها خلال السنوات السابقة.

التاريخ المعلن لـ«العروسة» الإنسانة

في أبريل 2010، ظهرت أبلة فاهيتا من خلال مقاطع فيديو بُثّت على اليوتيوب ، وبدأت شعبيتها في الاتساع بالتدريج، حتى أصدرت في يوليو 2014 فيديو كليب لأغنية شهيرة مع الملحن حسن الشافعي، زاد عدد مشاهداتها الآن عن 18 مليون مشاهدة على اليوتيوب.

بالتدريج تطور مظهر «الأبلة» ليواكب استمرار مسيرتها خارج نطاق وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا. ثم جاءت النقلة الأقوى في أبريل 2015، لتبدأ على قناة السي بي سي برنامجها «أبلة فاهيتا لايف من الدوبلكس».

بشكل رمزي، بدا ظهورها بديلًا لتعويض غياب برنامج «البرنامج» لباسم يوسف، فقد جرى التصوير على نفس المسرح، واستمر الخط الساخر، وتطور الميل إلى التجاوز واقتحام بعض الجوانب التي يخجل الإعلام الرسمي من الاقتراب منها، كما ظهر تركيز أكبر على النقد الاجتماعي، حيث لم يسمح المناخ العام وقتها بسقف الحرية الذي أتيح لباسم أثناء طرح نقده السياسي الحاد للإخوان. وكان ظهورها السابق مع باسم في إحدى حلقات برنامجه إشارة إلى طبيعتها الساخرة والجريئة.

كان واضحًا أن منسوب الحرية آخذ في الانخفاض، ولكن طبيعة الأبلة، كـ«عروسة»، وفّرت قليلًا من الحماية لمبدعيها ومحرّكيها بإخفاء هوياتهم، بقدر ما سمحت بصياغة شخصية مستقلة تخصها، بحيث يصدقها الجمهور أكثر من تصديقه أن الشاب فلان هو صاحب هذه الشخصية، الأرملة، الجريئة، التي لا تبالي بالقيم الاجتماعية الزائفة. توقف برنامج باسم، وانطلقت الأبلة توزع الضحكات هنا وهناك.

ورغم ابتعادها النسبي عن النقد السياسي المباشر، انطلقت ضدها هجمات منظمة من إعلاميين وسياسيين محسوبين على النظام المصري.

صحيح أن بعض الهجمات المنظمة ضدها بدت منطقية في سياقها، فبعد سخرية خفيفة من البرلمان، احتشد 300 عضو بالبرلمان للمطالبة لمساءلتها وإيقافها، كما سنرى لاحقًا، غير أن بعض الهجمات بدت عبثية على نحو فاضح، كالحملة التي قادها أحمد المندوه، الشهير بأحمد سبايدر، حيث تقدم ببلاغ للنائب ضدها وانخرط في مناظرة كوميدية ضدها في برنامج الإعلامي خيري رمضان.

على نحو مناقض لأي منطق عرفه البشر، ولإثبات أنها إرهابية وجاسوسة، اعتمد سبايدر على تأويل مفردات إعلان أبلة فاهيتا عن منتج لإحدى شركات الاتصالات، فقد رأى مثلًا أن صدور الديوك الرومي في الإعلان، الصادر أيام الكريسماس، ترمز إلى سيارات مفخخة، وأن الثلج والفريزر إشارتان خفيتان لتجميد أموال الإخوان..

كان يمكن تجاهل هذه الهجمة برمتها لولا أن مكتب النائب العام أصدر بيانًا رسميًا بشأنها، ورد فيه أن «إعلانًا تجاريًا منسوبًا لشركة فودافون للاتصالات تحت اسم ‘شريحة المرحوم’ تضمن عبارات ورموزًا بطريقة تخالف ما جرت عليه العادة في الإعلانات التجارية.»

في النهاية، أهملت القضية، ولكن بعد تكليفات وتحريات واستجواب مسؤولي شركات الاتصالات، وبعد إرسال رسالة واضحة للجميع: «نحن مستعدون للتعامل بجدية مع هذا النوع من البلاغات، انطلقوا!»

وانطلق عديدون، منهم سمير صبري ومصطفى بكري وسعيد حسانين وعزمي مجاهد وخالد الجندي، وكذلك وحسين الزناتي ومرتضى منصور الذي وصف أبلة فاهيتا، بعد سخريتها من هزيمة فريق الزمالك، بأنها « مَرَة معفنة ومابتستحماش»، مع حملات إعلامية متوالية ضدها بسبب توظيف مقطع للفنانة الراحلة شادية في حوار ساخن.

مع الأخلاق.. ضد العرائس

هنا ينبغي التوقف عند المجلس الأعلى للإعلام، الذي منع، في ديسمبر 2017، عرض إعلان الأبلة عن منتج لشركة اتصالات شهيرة، مبررًا ذلك في بيانه بأنه «نظرًا لما يحتويه من ألفاظ ومشاهد لا تليق بالذوق العام وتجافي كل القيم وتحض على السلوك السيئ وتخدش الحياء العام، فضلًا عن هبوط اللغة».

هذا الإعلان تحديدًا كشف عن تداخل عجيب بين سلطات ومجالس متنوعة في مصر، مهمتها الأساسية هي رفع مقصها في وجه المبدعين كلما شعرت أن الأخلاق المصرية العامة في خطر!

مثلًا، منعت الهيئة الوطنية للإعلام عرض الإعلان في قنواتها، التي هي قنوات «ماسبيرو» المصرية، والتي توقف المعلنون عن عرض إعلاناتهم على شاشاتها أصلًا، لسبب واضح؛ تدني نسب مشاهداتها. منعت الهيئة الوطنية للإعلام عرض إعلان على شاشاتها، مع أن أحدًا لم يطلب عرضه عليها بأي حال، في مبادرة غير مفهومة لحماية القيم المجتمعية، «فهو لا يتناسب مع الذوق العام والقيم المجتمعية كمشهد الشخص الجالس على التواليت».

جهاز حماية المستهلك أيضًا اقتحم السباق للمنافسة على حماية الذوق والأخلاق، بقيادة اللواء عاطف يعقوب، الذي بدا أكثر تفهمَا من الآخرين، مصرحًا بأن «الجهاز لا يبحث عن المنع لمجرد المنع، وإنما يهدف لنشر الإيجابيات والحفاظ على الذوق العام في الإعلانات»، كما شرح خطواته في التواصل مع الشركة المعلنة ومحاولة الاتفاق معها على حذف مقاطع من الإعلان، لأنها غير مناسبة للذوق العام، مثل مشهد التواليت. تفهّمت الشركة طلبه وأخبرته بتواصلها مع الشركة المنتجة للإعلان لتنفيذ توصياته، لكن المجلس الأعلى للإعلام سبق الجميع بمنع الإعلان تمامًا.

ضمن تصريحاته السابقة، شرح اللواء يعقوب أن الجهاز لديه مرصد إعلامي يرصد الإعلانات على مدار 24 ساعة يوميًا، دون أن يرى غرابة في انشغال جهاز حماية المستهلك بمهمة كهذه تؤديها أجهزة أخرى متعددة، وبدلًا من أن يتفرغ مثلًا لحماية المستهلكين المصريين من جشع التجار، وهو ما دأب المسؤولون على ترديد أنه السبب في ارتفاع الأسعار.

ينبغي أيضًا ألا ننسى محاولات مبكرة لنقابة الإعلاميين، بقيادة حمدي الكنيسي، لحماية الأخلاق العامة مما يتضمنه البرنامج من تجاوزات وإيحاءات جنسية، لن تسمح بها نقابة الإعلاميين.

مجلس النواب بدوره، أعلن الحرب على أبلة فاهيتا، حيث طالب رئيسه علي عبدالعال بسرعة إنجاز قانون تنظيم الإعلام، لمواجهة تجاوزات بعض الإعلاميين والبرامج، ضاربًا المثل ببرنامج أبلة فاهيتا وبرنامج إس إن إل بالعربي، لكن منظوره اكتسى بالطابع الوطني أكثر من الطابع الأخلاقي، فهو رجل دولة قبل أي شيء. هكذا شرح للنواب كيف أن بعض البرامج تناسب مجتمعات ودولًا أخرى، بينما تثير المشاكل ضد الدولة المصرية، على المستوى الاجتماعي أو السياسي، بينما أعلن رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في البرلمان عن تأييد اللجنة لإيقاف الإعلان سالف الذكر.

لو أن أحدًا من مسؤولي هذه المجالس بحث على اليوتيوب عن اسم مرتضى منصور، لوجد سيلًا من التجاوزات والشتائم التي تهدم أي عمل إعلامي محترف. على الأقل تطرح أبلة فاهيتا بعض التلميحات والتلاعبات الذكية بالألفاظ، أما شتائم المستشار الجليل مرتضى التي بلا ذرة خيال، وأما تجاوزات إعلاميين كعبد الرحيم علي وأحمد موسى ممن أذاعوا مكالمات شخصية وشتموا معارضي السيسي، في حلقات مشهورة تنتهك الدستور المصري وأبسط حقوق الإنسان ومبادئ الإعلام.. أما هذه كلها فلم يشعر أعضاء المجالس السابقة بأي غضاضة منها.

سأسجنك يا أبلة!

تظل بعض الأسئلة الملحّة: إذا كانت دول قديمة، لم تسمع عن حقوق الإنسان، أدركت أن طبيعة فن العرائس والدمى تسمح ببعض الألفاظ النابية والسخرية المرة، وأن ملاحقة فناني العرائس عبثٌ لا طائل منه، فلماذا لا يدرك المسؤولون في المجالس التي تمثل الدولة المصرية هذه الحقيقة، رغم أن العالم تجاوز الآن فكرة النقد الفني المستتر بالعرائس، لأن الجميع ينقد الآن بحرية، عبر منصات عديدة تسمح بالتعبير الحر عن الرأي؟

ولماذا يصر مسؤولون مصريون على التعامل مع «عروسة» باعتبارها إنسانًا، ويعجزون عن فهم معنى «الخيال» في جوهرها، فيحقق النائب العام في اتهام «عروسة» بالإرهاب، ويعتبرها مرتضى «مرة»، ويتبارى ناشطون وإعلاميون في رفض المعنى البسيط لرمزيتها كصوت اجتماعي ينقد بسخرية مريرة، حتى وعد أحمد سبايدر وعد بصراحة في مداخلة خيري رمضان بأنه سيسجنها، دون حتى التصريح بأنه سيسجن محركها ومؤدي صوتها؟

متى تتوقف الدولة المصرية عن محاكمة الخيال واستهدافه؟

اعلان