Define your generation here. Generation What

أطفال الزعيم

في فيلم «طيور الظلام» تقترب فلاحة من مرشح الدائرة، أثناء جولته الانتخابية، حاملة طفلها الصغير العاري، فينتشله فتحي (عادل إمام) منها معطيًا إياه للمرشح، رشدي الخيال (جميل راتب)، لتُلتقط صور له مع الطفل وهو يحمله.

يظهر الاشمئزاز على وجه الخيال ويقول لفتحي: «الواد مبلول»، فيهتف فتحي بصوت جهوري: «رشدي الخيال راعي المبلولين».

***

تذكرت هذا المشهد وأنا أشاهد حفل تكريم أسر الشهداء الأخير، والذي قام الرئيس خلاله بلفتة إنسانية جميلة حين اصطحب طفلين من أبناء الشهداء وأجلسهما بجواره، مداعبًا إياهما بعطف وحنان بالغين.

لم أكن يومًا من محبي سياساته، لذلك فوجئت حين أعجبت بما فعله مع هؤلاء الأيتام وأمهاتهم.

لم تدم دهشتي طويلًا، فقد تذكرت كيف أن الأطفال كانوا دومًا حجر أساس في الدعاية السياسية في الأنظمة الشمولية التي لا تسمح بالتعددية.

هدف البروباجندا هو السيطرة على عقول المواطنين وأسر قلوبهم من أجل ضمان اصطفافهم خلف الزعيم الذي يُصوَّر باعتباره أبًا على رأس العائلة، وهنا يأتي دور الأطفال الذين أصبحوا وسيلة وهدفًا للدعاية السياسية في نفس الوقت.

الأطفال كوسيلة:

في كتابها « صورة الرئيس»، توضح الكاتبة عزة عزت أن وجود الرئيس بجانب أطفال، والتقاط صور له وهو يداعبهم، يقويان من صورته كأب حنون، وذلك لموازنة ما يبدو من حزم في أوقات أخرى.

صورة الرئيس كأب غاية في الأهمية بالطبع، خاصة في المجتمعات الأبوية. لذلك نجد العديد من الصور الدعائية لهتلر وستالين وماو تسي تونج، وهم يجلسون بجوار الأطفال الذين يرمزون للطيبة والبراءة، ما يؤكد أن الزعيم الجالس بصحبتهم رجل صالح جدير بالثقة.

هذا بالإضافة إلى أن رؤية الأطفال بجوار الزعيم، مرتدين الزي العسكري، تشجع أقرانهم على أن يصبحوا مثلهم ليحظوا بهذا الشرف، فيصبح الزي رمز الشرف لدى الطفل، ولا شرف سواه.

الأطفال كهدف:

إلى جانب استخدام الأطفال في الدعاية، فمن الواضح أنهم أصبحوا هدفاً لها أيضًا، وأكثر من أي وقت مضى. فقد صدر قرار بترديد أغنية «قالوا إيه علينا دولا وقالوا إيه» في المدارس يوميًا أثناء طابور الصباح وفي الفسحة.

الأغنية معبرة وتحوي قصصًا عن أبطال زهقت أرواحهم أثناء تأدية الواجب، فلماذا تُقرَّر على من لم يدركوا بعد معنى الواجب؟

قد يبرر البعض القرار بأنه يساعد على توعية الأطفال بما يحدث من حرب على الإرهاب، وذلك حق يراد به باطل، لأن تلك الطريقة الفجة أقرب إلى الحرب على الحس النقدي لديهم، وهي لا تزال في طور التشكل، أكثر مما هي تنمية لروحهم الوطنية.

***

من الواضح أن النظام يحاول احتواء الجيل الصغير تحت عباءته، لأنه يدرك خطورة عدم احتوائه سياسيًا مبكرًا.

فالجيل الذي شهد يناير، كسرته سلسلة الإحباطات والهزائم، بصورة قد تجعل أي محاولة لتكرار ما حدث ضرب من الجنون، أما الجيل الذي لم يشهدها لصغر سنه فهو أخطر بالنسبة للنظام وأولى بالاحتواء، حيث لا يوجد ما يمنعه من محاولة خوض التجربة، كمن سبقوه.

لذلك تُعرض بطولات الجيش أمام هذا الجيل ليلًا ونهارًا ليصل حبه إلى درجة التقديس، التي تحول الجيش من مؤسسة من مؤسسات الدولة، لها ما لها وعليها ما عليها، إلى جهة فوق المساءلة وفوق الجميع.

لم تتوقف الدعاية عند أغنية «قالوا إيه»، فقد أنتجت وزارة الداخلية فيلمًا كرتونيًا قصيرًا باسم « بلبل وفطين» يحث الأطفال على الإبلاغ عن أي سلوك أو تصرف مشبوه على الفور.

قد يسارع البعض بالتبرير بأن الاعلانات الهادفة لحثّ المواطنين على الإبلاغ عن أي تصرف مشبوه موجودة في جميع دول العالم، خاصة بعد موجة الإرهاب التي عانى منها العالم في مطلع القرن. وهذا أيضًا حق يراد به باطل، لأن تلك الإعلانات تخاطب مواطنين كبارًا في السن، وليس الأطفال.

الإعلانات الموجهة للأطفال في دولة كبريطانيا كمثال هي لحثهم للإبلاغ عن تعرضهم للعنف المنزلي، وتلك إعلانات تهدف لحماية الأطفال، وليس لتنشئة جيل جديد من المخبرين ليس بحاجة لأن تراقبه السلطة، لأنه يراقب بعضه البعض.

عقول الأطفال كالصلصال الذي يتشكل بسهولة، لما يفتقدونه من خبرات وتجارب تتيح لهم التفرقة بين الغث والسمين، ما يجعلهم هدفًا سهلًا للدعاية السياسية، بالمقارنة بمن هم أكبر سنًا.

لذلك فلنجعلهم هدفًا للتوعية السياسية التي تعلمهم حقوقهم كمواطنين، قبل أن نطلب منهم الإبلاغ عن باقي المواطنين. لنعرض عليهم نماذج للنبوغ والتفوق ولنفتح الباب ليلتقي طلاب المدارس بالنماذج المشرفة في الطب والهندسة والرياضة وجميع المجالات، وليعلموا حجم التضحيات التي يقدمها أبناء الوطن يوميًا على أرضه، دون أن نجعل ذلك حكرًا على بطولات القوات المسلحة.

فلنقدم لهم نظامًا علاجيًا وفرص عمل تليق بهم، لنعلّمهم حقوق الانسان، وتجربة يناير، ما سبقها وما تلاها. لنعلّمهم أخطاءنا، ولنعلمهم بصدق.

وبدلاً من تلقينهم أن «مصر جميلة»، فلنجعلها جميلة بحق، فلا يسعوا، ببساطة، لمغادرتها بعد أعوام قليلة.

اعلان
 
 
طاهر المعتز بالله