Define your generation here. Generation What
«شعب ورئيس»: دراما لا وعي الدولة
 
 

يهدف «إنتاج» الفن لإحداث أثر جمالي أو تأملي أو استثارة لمشاعر المتلقي، أو تنظيم فيض مشاعره بطريقة معينة، وعلى هذا الأساس قدّم فيلم«شعب ورئيس» نفسه، فهو ليس فيلمًا إعلاميًا يرصص مجموعة من التصريحات والآراء والأفكار بطريقة تهدف للإخبار أو التوضيح، وإنما هو عمل يصبو لإحداث نوع من التأثير على مشاهديه، يشبه التأثير الذي يحدثه تلقّي عمل فني، بل واستقدم «مخرجة» سينمائية للتأكد من حدوث ذلك. شعب ورئيس هو عمل فني متكامل، لكن من أين يمكننا الانطلاق لقراءته؟

«المصريين، طبعًا طبعًا، مصر هي اللي اديتك، ربنا سبحانه وتعالي، الخاتم من حد غالي علي قوي».

كررت صديقتي هذه الجمل وراء بعضها، لتقنعني أن تصنيف الفيلم فنيًا هو فيلم شعبي تجاري، أو كما قالت: «كيتش»، لكن لم يمكنني الموافقة، لأن الكيتش ممارسة غير طموحة، أو بالأحرى لا تعترف بالطموح، عكس هدف الفيلم. نعم هما يشتركان في الاشتغال الكسول على مخزون لا وعي الجماهير، وفي الإحساس بالعجز عن التقدم للأمام، إلا أن الكيتش في النهاية ممارسة واعية بنفسها، وبإمكانياتها. ترى نفسها، كشيء عملي مُنجِز يهدف فقط لملء الفراغ والتشويش على الصمت، أما «شعب ورئيس» فيلم غير مدرك لحدوده، وغير معترف بالواقع، هو فيلم يقاوح الواقع، عكس الكيتش الجميل الراضي بموقعه.

يمكن اعتبار «شعب ورئيس» فيلم كولاج أرشيفي، أو «فاوند فوتيدج» found footage للا وعي الدولة المصرية الحديثة. فإذا تصورنا هذه الدولة بني آدم في حالة احتضار، يدخل في حالات غيبوبة، ثم يفيق لثوانٍ معدودة يلقي فيها بعض الجمل المفتاحية والكاشفة عن شخصيته للمتحلقين حول سرير المرض، فستكون هذه الجمل هي عبارات هذا الفيلم. «شعب ورئيس» هو استحضار لهذا اللاوعي، يكشف بشكل ضمني لكن دال، لخطابات الدولة الأساسية، ولعلاقاتها المركَّبة والمرتبكة مع التاريخ وأفكار الحداثة والتنوير. دولة المؤسسات بروح القبيلة، ومفهومها عن الوطنية ذات المرجعية الدينية، ورجل سلطتها كموظف وكـ «أب» في الوقت نفسه، والشعب كـ «جماهير» وكـ «جمهور» وليس كأفراد.

«أكتر مادة كنت بحبها التاريخ، آه التاريخ، التاريخ فيه، التاريخ عبارة عن سجل للإنسانية، بكل ما تعنيه الكلمة دي، حتى لو قالت للناس إن هو تزييف للتاريخ، فده عبارة عن واقع الزيف اللي كان موجود في العصر اللي اتكتب فيه التاريخ، حتى لو كان ده، هو تاريخ التزييف للتاريخ».

هذا المفهوم عن التاريخ صادق للغاية وتعبير حقيقي عن رؤية الدولة المصرية للتاريخ، كشكل هندسي، خط أفقي بدأ من نقطة ما، وينتهي الآن. هو خط مستقيم لا مجال لوجود نتوءات أو فجوات فيه، وحتى لو كان ذلك التاريخ مزيّفًا فلا بد أن يُبتلع في متن الخط حتى لا يجرح استقامته. لكن هذا الخط لا يتقدم إلى الأمام، وبسبب هذه الإشكالية، يتم إكماله «رأسيًا» بالنظر إلى أعلى.

«أنا عمري ما دورت على التاريخ ليه؟ شوفي أنا التاريخ عندي هو اللقاء مع الله سبحانه وتعالى، دا التاريخ بتاعي، ﻹن أنا ممكن أكون ناجح جدا جدا والتاريخ يكتب عني عبارات جميلة ورائعة وأخلد زي ما بيقولوا يعني وأنا أكون مش كسبان، مش كسبان مع ربنا، كسبت إيه؟».

السمة الأبرز في « شعب ورئيس» هي الجمل غير المكتملة. يقطِّع بطل الفيلم جُمله، لا يكملها، ليس لأنه لا يعرف كيف ينهيها، لكن لأنها جملًا أليفة، معروفة بالضرورة، معروفة «طبعًا»، هو فعلًا يتحدث من عمق اللاوعي التاريخي لدولته مخاطبًا «ما يتصوره» عن لاوعي الشعب أو الجمهور، لذا يتبنى شفرة معيّنة في التواصل، يكفي أن تُلمّح لبداية الخيط منها، حتى تعرف بقية العبارة.

هذه الجمل المبتورة والكلمات المتناثرة، المفصولة كل عشر ثواني بـ «طبعًا طبعًا»، تتلاءم مع حقيقة كونه أطلال خطابات تاريخية. وبشكل ما هو ناجح كعمل فني، لأنه معبّر عن اللحظة، لحظة الأطلال، أطلال دولة مستمرة بالقصور الذاتي. «شعب ورئيس» هو اجترار ثقيل لتاريخ كامل في تسع وخمسين دقيقة.

لكن للإنصاف، فإن فنية هذا الفيلم لا تأتي فقط من طموحه، ولكن من تَمثُّل بطله لمفهوم معيّن عن «الدراما». هو يتحرك ويتكلّم بوعي بطل درامي ملحمي، لكنه للمفارقة، لا يريد صناعة ملحمة، هو يريد العودة بالوضع إلى ما كان عليه، العودة لنقطة ذهبية ما في رأسه، نقطة ذهبية ليست بالبعيدة جدًا، تنتمي لعصر مبارك، قبل «الثماني سنوات»، نقطة اللا ملحمة واللا دراما.

هو يحاول انتهاج السمت الأسلوبي لمسلسلات أسامة أنور عكاشة، أنت لا تعرف بالضبط أين تكمن الملحمة فيها، فهي قصص عادية جدًا، طبيعية جدًا، تستأهل معالجات مغايرة جدًا عن ما تم تقديمه، ولكن الملحمة فيها في كل مكان، في كل لقطة، على كل لسان، في انفعالات الأبطال، في طريقة المشي، في كل جملة، في تترات المقدمة والنهاية، في السيناريو والصورة. صنع عكاشة ملاحم من أقل القصص أهمية، في أقل أوقات مصر ملحمية، صنع الدراما من اللا دراما.

هدف البطل في «شعب ورئيس» هو  قتل الملحمة وقتل الدراما، لكنه يتكىء على استخدام الدراما لتحقيق ذلك الهدف، جامعًا بين ناصر الدرامي ومبارك الممل. ومن أجل صنع تلك الحالة الدرامية، يستحضر البطل في حديثه كل الكلمات ذات الوقع الملحمي، أكثر الكلمات درامية، الكلمات التي تأكل مع الناس. ولكنه يخفق، لا لأنها ليست الكلمات الصحيحة، لكن لأن قدراته كفنان محدودة، لا تؤهله لإدارة مسرحية جيدة، وإنما هو فنان مونولوج، ويظل فنان مونولوج، حتى لو كان مع محاوِرة مثل ساندرا نشأت. هو لا يتجاوب بالضرورة مع الأسئلة المطروحة عليه، وإنما يتعامل معها كـ وقفات، قطعات، يتجاهلها، ليكمل مونولوجه الطويل مع نفسه، لا وعي الدولة في حوار ذاتي مع نفسه، لا ليس مع نفسه، لكن مع مصر، أو بالأحرى مع فكرته عن لا وعي مصر.

يواجه السيسي الكاميرا، على غير عادة البرامج الحوارية الوثائقية، التي تفضل أن تصوّر الضيف من زاوية نصف جانبية، لإعطاء إيحاء بالارتياح والحميمية، لكنه يختار مواجهة الكاميرا، كأنه يلقي خطابًا. هو فعلًا ابن اللحظة، والأكثر مناسبة لها، اللحظة التي تتكلّم بالصور، التي وصلت لذروتها في الثورة. هو أكثر من فهم اللقطة، فاحتل الكادر بالكامل، بما يليق بإعلان دعائي يقدم نفسه كفيلم.

تختار ساندرا أسئلة حشو الفراغات، «الخاتم ده إيه يا فندم، معلش أنا عايزة أسأل من أول لحظة، قبل ما نشوف. الخاتم ده إيه معلش؟ بتعتز بيه على طول ولابسه. ده هدية أو حاجة؟». يرد البطل: «لا لا.. مفيش انتم..  يعني». ينظر لها ثم ينطق المعلومة بحياء وخفر وهدوء من يعرف أن ما سيقوله سيجلب له التصفيق في المسرح: «هو هدية من من يعني حد غالي عليّ قوي ومن ساعتها». ينتظر برهة قبل أن يفصح عن هذا الشخص: «أبويا». يقولها بصوت خفيض مطرقًا رأسه، منتظرًا وقعها الدرامي على المشاهدين.

يتحدث البطل متكئًا على ما يتصوره عن الدراما المصرية التي يعرفها. فالمشكلة الفنية في فيلم «شعب ورئيس» هي لسخرية القدر، نفسها، مشكلة السينما المصرية منذ نشأتها، صناعة كبيرة الحجم في بلد كبير الحجم، تستهلك مخزونًا ضئيلًا للغاية من التخييل «المتاح»، تستحلبه، وتعيد إنتاجه، وبالطبع هي ليست مشكلة السينما، إنما السينما أحد مظاهر الأزمة المصرية الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ.

استعدادًا لمحاورة الرئيس، أو التظاهر بمحاورته، «نزلت» ساندرا نشأت إلى الشارع تحاور الناس، لتفرّج الرئيس على شعبه. تجري وراء عجوز يهرول للحاق بالقطار، يضحك لها، ثم يسد بيديه الكاميرا، تقول له: «بنصوّرك يا حاج»، كأنّها تقدم له معروفًا.

وكما يوجه بطل الفيلم كلامه إلى ما يتصوره عن «لا وعي المصريين»، بما يتصوره عن الدراما، فإن مونتاج واختيارات البني آدمين التي ظهرت في فيديو ساندرا، مرتّبة ومشذبة ومقصقصة لتعيد بدورها إنتاج الفكرة «السينمائية» والدرامية والإعلامية عن المصريين. الصورة الآمنة المطمئنة التي تعودنا عليها في التليفزيون، المصريون الذين عرفناهم من ساعات البث التليفزيوني والإذاعي والصحفي على مدار السنين الماضية، ولم يتقابلوا معًا، إلا من ثماني سنوات.

لكن ماذا قال الشعب لساندرا أو للكاميرا؟

قال الشعب للكاميرا ما جعل المخرجون الشعب يقوله للكاميرا على مدار تاريخ الدراما والسينما والإعلام المصري: إحنا عايزين ناكل، وعاوزين نتعلم، عاوزين الأمن والأمان، مع بعض المشاكسات التي تضبط مقدار المِلح في الطبخة، «انتي تبع تليفزيون إيه؟ هيحبسوكي». قليل من الشقاوة لا يضر. يتفرّج الرئيس على الشعب، ويبتسم وهو يكتب كلامًا في ورقة. يتفرّج على مفهوم الدراما عن المصريين.  

فيلم «شعب ورئيس» هو ما يتصوره لا وعي الدولة عن لا وعي المصريين، في إطار تصوره عن الدراما النموذجية. وهنا تكمن قوته، فهو التقطير المصفي لتلاقي تصورات الأطراف المختلفة عن أنفسهم وعن الأطراف الأخرى. بالتالي، إذا وجدنا أنفسنا في لحظة ما، مضطرين لحفظ أحد الملفات بعناية، حتى إذا تم تدمير العالم بأكمله، يمكن لأطفالنا المستقبليين معرفة ماذا كان يحدث في هذه البقعة من الأرض، فـ «شعب ورئيس»، هو خير مثال، لتلخيص أكثر من مئة عام من تاريخ مصر الحديثة. التجلي الأخير للا وعي الدولة والتقطير الكامل لرسائلها الضمنية والمباشرة، وفلسفتها المبطنة، عارية هذه المرة، من بلاغتها، التي يحاول بطل الفيلم على مداره استحضار روحها.

اعلان