Define your generation here. Generation What

وجهة النظر ليست «خيانة»

يُنشر هذا المقال في إطار سلسلة «نقاشات حول المقاطعة»، التي بادر بها موقع «مدى مصر» لتشجيع الكتّاب العرب على سرد آرائهم حول مقاطعة إسرائيل والتطبيع معها.

في جلسات الأصدقاء، كثيرًا ما تُسرد قصص المرة الأولى التي رأينا فيها إنسانًا إسرائيليًا. وكلها تجارب تنقل مزيجًا من الصدمة، الخطابة، الرعب، الغضب، أو حتى الغثيان.

أنا، كانت مرّتي الأولى مع إسرائيلي خلال مراهقتي في تسعينيّات القرن الماضي. كان ذلك في مطار القاهرة الدولي، أنتظر موعد عودتي إلى بيروت. شابان أكبر مني بقليل، يجلسان إلى كرسيي بار مرتفعين بجانبي بانتظار القهوة. حادثاني بالإنجليزية، فتحادثت. ثم قال لي أحدهما: «جمالك إسرائيلي»، وفهمت أنهما إسرائيليان، فجمدت؛ ثلجٌ على الرقبة، عقمٌ في الدماغ، اتساعٌ في العينين، اختناقٌ في الحنجرة. بصراحة، أكاد أكره هشاشتي في هذه اللحظة بقدر ما أكره إسرائيل.

صحتُ فيهما بكلامٍ بلا معنى، بينما يقولان لي إنهما وضّبا أمتعتهما ورحلا عن فلسطين التي ولدا فيها، لأنهما يرفضان الاحتلال الاستيطاني الذي تقوم عليه إسرائيل، ولا يريدان خدمته عسكريًا. لم أقدر على الاستماع إليهما. عشت السماع بحد ذاته كفعل تواصل وتقبّل، كهزيمة وجرم؛ كامل وجودي في هذه اللحظة جرم. لسنواتٍ طويلة لاحقة، شعرت بالخيانة لأنهما جلسا بجانبي عند بار المطار، وكنت حينها في الخامسة عشرة من عمري.

هذه بالتأكيد ليست مساحة صحية لعداء إسرائيل. وهي ليست مساحة صحية لتواجد الذات حتى.

أحوال لبنان

بدأتُ التفكير بهذا النص مع تفجّر نقاش تهمة التطبيع التي وجّهتها حملة المقاطعة اللبنانية للسينمائي زياد الدويري، وانتهيت من كتابته مع إعلان براءة المسرحي زياد عيتاني من تهمة العمالة لإسرائيل، إذ اتضح أن جهازًا أمنيًا قد لفقها له.

في حالة الدويري، طالبت حملة المقاطعة بمحاكمة المخرج اللبناني، كونه صوّر فيلمًا سابقًا اسمه «الصدمة» في الداخل المحتلّ (مستخدمًا جواز سفره الأجنبي لدخوله)، كما أنه انفعل مرارًا لصالح دولة العدو وضد حملات المقاطعة.

كانت الدولة قد منعت منذ سنوات عرض «الصدمة». لكنها لم تلب طلب الحملة هذه المرة، وإنما رشّحت فيلمه الجديد «القضية رقم 23» باسم لبنان لجائزة الأوسكار. اندلع نقاشٌ حاد، لكن مشتهى، في الحيز العام، لكنه بقي أسير مرحلة الحق بإجراء النقاش. كان من المفيد البحث في واقع امتلاك الناس لجنسيّاتٍ متعدّدة، واتساع مساحات الاتصال، وحرية الأفراد في اختيار أعدائهم.

في حالة عيتاني، التهمة كانت العمالة، وهي جريمة يصيب أثرها الناس والدولة في أمنهم وأمنها.

«الترويج للتطبيع بين المثقفين اللبنانيين» كان أحد أبرز المهام التي يفترض أن الموساد أوكل بها عميله، بحسب الرواية الملفقة التي نشرها جهاز أمني لبناني على امتداد أربعة أشهر من سجن عيتاني، انتهت بإطلاق سراحه وفتح التحقيق في التلفيق. مع نشر خبر العمالة، علت صيحاتٌ من محيط حملة المقاطعة تطالب بتجريم أي فعل يُشتبه بكونه «تطبيعًا ثقافيًا»، وبتخوين كل من يحكي عن وجود «وجهات نظر» في تعريف التطبيع.

بين التلفيق والتعذيب، انمعس الفارق بين التطبيع والعمالة تحت مسمّى مشحون هو «الخيانة». وبعد ظهور البراءة، لم تعد مصداقية خطاب «مكافحة التطبيع» بخير.

صار من المألوف أن يعلو شعار «الخيانة ليست وجهة نظر» فوق نقاشات التطبيع في لبنان. وخلال السنوات الأخيرة، اتضح استقرار مزاجَيْن حاسمين ومتشنجين يسودان نقاش التطبيع كلما حل، وهو يحلّ كثيرًا: مزاج مترسّخ في الشأن العام وعتيق في مبادئ مناهضة التطبيع، يتوجّس من نقاش أسس التطبيع، ويرى في مجرّد حدوثه تنازلًا لإسرائيل وتقرّبًا منها. ولهذا المزاج عمقٌ في النظام والسلطات والأحلاف السياسيّة.

وفي مقابله، يتفجر مزاج ثانٍ أقل تنظيمًا، يكاد يرفض أي مطلبٍ بمقاطعة، يستفز ويغضب، ويتقولب في حالة رفض القوامة. لهذا المزاج أيضًا صدى في السياسة، ولو كان أقل سلطة وقدرة على التأثير.

تتغذى حجج هذه الثنائية من غضب بعضها ضد بعضها، وتحيل النقاش لمساحة خطرة لا يأمن دخولها غير المتطرفين بالاتجاهين. و«التطبيع» هو نقاشٌ يحتاج إلى أمان ورويّة، خاصة الثقافي منه، إذ يدور السواد الأعظم من هذه المواجهات حول مفاهيم التطبيع الثقافي والفكري، كون الدولة تجرّم بدقةٍ أكبر التطبيع الاقتصادي.

خلال الأشهر الماضية، تواجهت هذه الثنائية الضدية مرارًا، ما يؤكد أن الموضوع شديد الراهنية والإلحاح.

إلى جانب حالتي الدويري وعيتاني، تُذكر، مثلاً: حملةٌ حققت غرضها بمنع فيلم «ووندر وومن»، لكون بطلته جال جادوت إسرائيلية خدمت في الجيش الإسرائيلي؛ وحملة طالبت بمنع فيلم «ذى بوست» على خلفيةٍ مستجَّدةٍ على النقاش، وهي كون مخرجه ستيفن سبيلبرج شديد التأييد لإسرائيل (خَطَب في صالح هذه الخلفية المستجدة أمين عام «حزب الله»، حسن نصر الله)، لكن الدولة لم تمنع عرضه؛ وحملةٌ انقسم فيها مزاج المقاطعة الصلب عادةً، فشهدنا مواجهةً بين الأصوات التي ترحّب بزيارة الفنان الفلسطيني الكبير محمد بكري (من فلسطينيي 48، ويحمل الوثيقة الإسرائيلية) وبين باحثين في أكوام القشّ عن مواقف له يمكنهم وصفها بـ«التطبيعية»، لطرده من لبنان.

على المستوى المعني بمناهضة التطبيع، لم يتطوّر بحثٌ في أي من هذه المواضيع شديدة الأهمية، إذ رُمي كلٌّ منها فور ولادته بشعار «الخيانة ليست وجهة نظر»، وهو الشعار الذي يحصر النقاش في مواجهةٍ حول أحقية ولادة النقاش من أساسه. موقعٌ كابت وغير منتج، فيزداد المناخ عصبيةً وتشنجًا مع أي تجربةٍ وموضوع.

إن معالجة المواضيع الشائكة والإشكالية بالنقاش هو فعل حمايةٍ للخطاب المقاطع، سواء من تغيّرات الزمن والأنظمة والسياسة أو من تضييق دائرة المؤيدين وأفقها.

الورشة المفتوحة في صياغة أسس المقاطعة وتعريفات التطبيع ضرورةٌ، والحاجة إليها لم تولد اليوم، وإنما هي مستمرة منذ الخمسينيّات، وبأسماءٍ لا تقل محورية عن غسان كنفاني ومحمود درويش وإدوار سعيد وإلياس خوري. حتى أدونيس كانت له قصة في هذا السياق.

العالم يتغيّر، الشعوب تتغيّر، والأنظمة أيضًا. أدواتنا في تعريف العدالة وطلبها تتغيّر. ونحن جاهزون وجاهزات للنقاشات المواكبة التي يفرضها الواقع. فلمَ الأفول مع الآفلين؟

الشعب المريب

القلق شديدٌ من إسرائيل. ولكن يبدو أن هناك قلقًا أشد: قلقٌ منا، نحن الشعب، ومن أدائنا أمامها. كأننا مكمن ضعفٍ، لا قوة، في سياق مناهضة التطبيع. لو تزحزحنا قيد أنملة عن «ثوابت» الماضي، لا بد أن العدو سيجد الشقّ الذي يتسرّب منه إلينا ويبتلع الجميع في تطبيعٍ غير واعٍ، أذكى منا.

القلق من الشعوب له تاريخه في المنطقة، يترافق مع صورة البطل أو الزعيم القيّم على الشعب؛ «الديكتاتور العادل»، مثلًا.

لكن، أن تقلق حملةٌ، هدفها الحشد، من الحشد، فهذا وضعٌ غير منتج، يجعل حضورها سلطويًا، رقابيًا، وعقابيًا.

وإذ يمتلك الشعب اللبناني كامل الحق في القلق من إسرائيل التي تربض على حدودنا وتشنّ علينا الحرب تلو الأخرى، فإن حالة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» في مقاربة نقاشات التطبيع والمقاطعة لا تلبّي القلق ولا تلبّي المعركة حتى.

المعركة يومية، مستمرة، طويلة الأمد، تتجّذر في المجالات والتفاصيل، بينما القلق يتصرّف بنا كأننا دائمًا في حالة طارئة وعلى مفترقٍ مصيري.

في بيروت المعادية لإسرائيل، يُفترض أن نتمتع بمساحةٍ آمنة لطرح الأفكار والاجتهاد. لن نتهور في نقاشٍ فنجد أنفسنا في حضن شلومو، ولن يُترجَم أي رأي واقعًا ولو انتصر بالحجج.

وفي بيروت الملتزمة بتجريم التطبيع، لا أحد يطالب بإسقاط قانون المقاطعة، ولا يسود رأي عام يطالب بالتطبيع، ولا لهذا الرأي حضورٌ منهجي أو مطلبي في الإعلام والمجتمع المدني والدولة.

لكن الواقع يتغيّر، ومن تغيره تنبع حاجة دائمة للنقاش.

ما تغيّر منذ السبعينيّات فادحٌ، إن قيس على مستوى ثوابت هذه المنطقة. حينها، كانت إسرائيل مستمرة في صورة العدو الذي سقط علينا من السماء؛ جسمٌ معدني عنيفٌ ناري وهجينٌ في المنطقة، تجب إزالته.

اليوم، يشهد الناس حولهم سقوط الدول – العراق، سوريا، ليبيا، واليمن – على رؤوس ناسها، سواء بجنون القمع أو بحروبٍ عدوانية. ويرى الناس مولد كيانات كـ«داعش»، جيوشًا تحلّ وجيوشًا تتشكّل، تنظيمات تصبح دولًا ودولًا تديرها تنظيمات.

في هذا المشهد، تكاد الجريمة الإسرائيلية تفقد حدة الاستثناء، فتكثر مقولات من عينة: «إسرائيل ليست أسوأ من أنظمة العرب»، أو «على الأقل سجونها نظيفة».

وفي هذا المشهد أيضًا، تقترب أنظمةٌ عربيةٌ كثيرةٌ من إسرائيل، والناس ترى تغيرًا نتجه نحوه، لكن أحدًا لا يعرف كيف بعد. الناس يرون هذا كله حولهم، ثم يأتيهم من يزعق فيهم بأنهم خونة لو تفرّجوا على فيلم.

نحتاج لنقاش إسرائيل اليوم، لا إسرائيل 1948 أو 1967، ونحتاج لنقاش أسباب المقاطعة ورفض التطبيع بلا خشيةٍ من رأي صادم ولا تلبّكٍ أمام سؤال «حسّاس».

المشكلة ليست مع الرأي الرافض للاجتهاد في أسس التطبيع والمقاطعة، فلأي امرئ وامرأة الحق بالرأي والتعبئة. وإنما تكمن المشكلة في الإصرار على لغة التخوين كسياسةٍ في مقاربة تعريف التطبيع، والأنكى أن يأتي ذلك بهدف الترويج للمقاطعة. أي فائدةٍ للمقاطعة في ذلك؟

مشهد من لندن

منذ سنتين، وخلال تواجدي لعامٍ أكاديمي في لندن، خضت مع اتحاد طلاب جامعتي المعركة الأخيرة من حملة متراكمة على امتداد السنوات، وتمثّلت بالتصويت العام لصالح مقاطعة إسرائيل أكاديميًا، أو ضدها.

تفرّجت على شباب من فلسطين وشتاتها ومنطقتنا الواسعة، ومن أوروبا الغربية والشرقية والوسطى ومن أميركا اللاتينية، أفريقيا الشمالية والجنوبية والوسطى، أستراليا، كندا، البلقان، إسكندنافيا، يخوضون نقاشاتٍ لا محرّمات فيها، لا «مقبول ومرفوض» يؤطرها، دعمًا لاعتماد الجامعة مبادئ الحملة العالمية لـ«مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وإنزال العقوبات عليها (بي دي إس)».

مئات الحجج والتجارب لمعت واشتدت بلاغةً بقوة أشخاصٍ من غير المعتاد سماعهم يتحدثون عن فلسطين.

أما الحملة المؤيدة لإسرائيل فكان عمادها الأساسي جسمٌ طالبي إسرائيليّ. استمعتُ إلى حججهم فبدت لي واهية ومملة، تُكرِّر المكرّر بخصوص الجريمة الأوروبية بحق اليهود، والعدائية الفلسطينية-العربية تجاه إسرائيل، والشراسة الإسلامية بحق الكوكب، حتى ذكّرتني بحججنا هنا، عندما يصدح خطاب «عدونا في ديننا» و«إسرائيل جرثومة/سرطان/باكتيريا/نزلة صدرية».

لكن مكمن قوة الحملة الرافضة للمقاطعة جسّدته حجة أن الجامعة هي مساحة لإنتاج المعرفة، لا أداة رقابية عليها. فأجاب خطاب المقاطعة بما يتناسب مع الواقع الأوروبي: لا نقاطع الأفراد الأكاديميين وأعمالهم، وإنما المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية.

وأتت مداخلات الأستاذين، الإسرائيلية والفلسطيني من أراضي 48، اللذين نقلا تجربة عيشهما في مؤسسات أكاديمية إسرائيلية، لتظهر تجذّر المؤسسة العسكرية في الجهاز التعليمي ودورها المباشر في ترسيخ الإحتلال.

اغتنى النقاش إلى أبعد حدّ مع عرض حملة المقاطعة لفيلم الباحث والمخرج الإسرائيلي إيال سيفان «اذكر، عبيد الذاكرة» (1990) الذي يفكك الصهيونية ابتداء بآلية تعليم أطفال المدارس، ما ذكّرني بفيلم «زيارة الفرقة» (2007)، وهو فيلمٌ فرنسي-أميركي-إسرائيلي آخر، شاهدته في باريس منذ عشرة أعوام، يستكشف الهوية لدى أجيال اليهود العرب في إسرائيل، وموقعنا نحن من ذاكرة اليهود العرب في بلادنا.

كما قرأت، خلال سنة الدراسة هذه، نصوصًا لأكاديميةٍ إسرائيليةٍ يهوديةٍ من أصلٍ عراقيّ، اسمها إيلا شوحاط، عن جوهرٍ كولونيالي في الهوية الإسرائيلية، استهدف، إلى جانب الفلسطينيين، التاريخ والإنسان اليهوديين، إذ فرضت الصهيونية شخصية «اليهودي الجديد»، نتاج السردية البيضاء الأوروبية المهيمِنة، على عالمٍ من اليهود بأعراق وتواريخ وسرديات مختلفة.

في ختام الحملة، أتى التصويت في صالح المقاطعة، وكانت جامعتي، «كلية العلوم الشرقية والإفريقية» (سواس) الأولى بريطانيًا في اعتماد اتحادها الطالبي لمبادئ المقاطعة.

في لبنان، الحاجة للنقاش أشدّ، وضمن أطرٍ ومبادرات تناسب واقعنا وشروطنا.

لسنا في بريطانيا، لكن سياقنا معني مباشرةً بالقضية، وجمهور هذه القضية ليس ركيكًا ولا عداؤه مرتجل، والقضية محقة وملأى بالحجج القوية. فلمَ الزعيق أمام كلّ طرحٍ شائك؟

التفرّج على إسرائيل

أتاح لي عملي في إدارة تحرير ملحق فلسطين (جريدة «السفير») معرفة تفاصيل الحياة في أنحاء فلسطين وتبدّلها تبعًا للواقع السياسي، كما حصّنني بحثي عن معرفة إسرائيل بالعمق ذاته من تهمة «الخيانة». ركنت إلى أمان الوظيفة لأوسّع يوميّاتي باتجاهاتٍ غير مألوفةٍ مع زملاء وأصدقاء في «48»، لأعتاد أحاديث عبر «واتساب» تجذّر المعرفة في اليوميّات، ورحلت معهم ومعهن عبر «سكايب» في رحلة في عكا.

رأيتها، ورأيت حيفا، ورأيت الإسرائيليين فيها، ورأيت أهلها الفلسطينيين. رأيت البار، ورأيت المطعم، والسوق الشعبية، وباب البلد، وبحرها.

كلما رأيت أكثر، وتحدّثت أكثر، عرفت فلسطين أكثر، وخفت من إسرائيل أقل.

مع إقفال جريدة «السفير» ووقف عملي على الملحق، كنت قد امتلكت ثقة تامة بقدرتي على خوض أي نقاش، مع الرأي الأكثر قوميّةً والرأي الأكثر صهيونيّةً، من دون أن يرف لي جفنٌ، قلقًا أو تردّدًا.

المعرفة تمتّن الذات، ومعرفة فلسطين 48 هي تحديدًا ما نصرتني على تجربة مطار القاهرة، وعلى درجة الهشاشة والركاكة التي شعرتها في حينها.

نحتاج إلى البحث في فلسطين. أهل 48، كيف نصلهم وكيف يصلونا؟ كيف نكون عمقهم، من دون التطبيع مع العدو؟

كيف نفهم خصوصيّاتهم، هم المستمرون منذ 1948 في عين الاحتلال؟

كيف نتعامل مع خصوصيات كل واقعٍ في فلسطين، من دون تسطيحٍ كسولٍ، متبلّدٍ، ومبهر الثقة بالنفس، يقول إن «الفلسطينيين هم أنفسهم أينما حلوا»؟

أراضي السلطة في الضفة وغزّة المحتلة والمحاصرة بالمستوطنات، كيف نكون فيها وتكون فينا؟ القدس، كيف نخوض حربها؟

ثم هناك المسألة الأشد حساسيةً ومخاطرة في سياقنا اللبناني: إسرائيل. سبعون عامًا من التواجد هنا، التكاثر هنا، التشعّب هنا. صار لديها الكثير من الحياة، وهذه الحياة تجري أمامنا، بيننا.

ننظر إليها دومًا بعلاقتها بنا أو بالبحث عن برهانٍ إضافي على أحقية الإدانة والكراهية، والبراهين كثيرة. لكن، كيف تكون بيننا ولا نراها بتفاصيلها واختلافاتها وعقائدها؟ لماذا لا نفهم تركيباتها ودينامياتها، لماذا لا نرى صورها، نتعمّق في تركيبتها الإجتماعية، ونسمع نقاشاتها؟

حاجتنا لمعرفة دول المنطقة الأخرى غير شائكة، وحاصلة، ومفيدة. لكن حاجتنا لهذا «القرب» المعرفي من العدو شائكة. وهذا العدو حاضرٌ بشدّةٍ في تحليل أي حاضر وتخيّل أي مستقبل. فكيف نفكّك هذه الفجوة السوداء التي تحاصر معرفتنا الفعلية به؟ مواد أكاديمية، سينمائية، موسيقية، أدبية، تلفزيونية، كيف لا نعرفها؟

المسألة ليست في رغبةٍ حارقةٍ بالتواصل مع العدو الإسرائيلي، ولا المسألة خبثٌ دفينٌ في الثقافة يتخفّف من القضية، ولا المسألة يختصرها مزاج المساواة بين جرائم الديكتاتوريات وجرائم الاحتلال الاستيطاني. وبالتأكيد، تخطّت المسألة عقدة التماهي مع غربٍ أغنى، مغرٍ، وأقوى. المسألة تكمن في مطلب العدالة.

الطريق إلى العدالة قد تمرّ بالهلع، القلق، القمع، والترهيب.. مرورًا لا تنقذها منه إلا ورشة عملٍ جماعية حول المفاهيم والممارسات، تشبّك داخل مجتمعها مع مختلف القطاعات المعنيّة، تتوسّع وتستمر ما استمرت القضية.

هذا إطار حياةٍ، ضاربٌ في جذور الناس، ممتدّ عبر فروعهم وفروعهن.

هذا إطارٌ تستحقه الذات، وتستحقه فلسطين.

اعلان