Define your generation here. Generation What
لماذا عاد توفيق عكاشة؟
 
 

عاد توفيق عكاشة إلى جمهوره عبر موقع اليوتيوب في الرابع عشر من مارس قبل الانتخابات الرئاسية، ليجدد إثارة التساؤلات التي بدأت مع بروز قناته «الفراعين» بعد 25 يناير كصوت مختلف وغير معتاد، والتي تعتمد بشكل كامل علي برنامج واحد لتوفيق عكاشة يمتد لساعات يروي فيها الحكايات الممتدة، كحكايات ألف ليلة وليلة بلهجة فلاحية، وبتعبيرات غير معتادة، يهاجم فيها مَن يشاء، ويعيد فيها تفسير التاريخ والمنطق.

تعامل الكثيرون مع عكاشة بالسخرية، والاستخفاف بالعجائب التي يتحدّث عنها. ولكن مع مرور الوقت بدأ في جذب انتباه قطاع كبير من المشاهدين بأسلوبه التلقائي وجلسة «المصطبة» التي تجذب الفلاحين والمشاهدين مُحبي الطريقة القريبة من «المواطن البسيط»، ثم تطورت العلاقة ليكبر قطاع مشاهديه، ويتحولوا إلى الثقة فيما يقول، والاقتناع بأفكاره، والإيمان بتنبؤاته التي جعلت الكثيرين يعتقدون بوجود صلة بينه وبين المخابرات.

استمر تواجد توفيق عكاشة، مرورًا بكل الأحداث التي تلت ثورة 25 يناير، ورغم كل الصعوبات التي واجهت القناة سواء من انتقادات، أو من نقص في الموارد المالية، وصولًا لانتخاب محمد مرسي رئيسًا لمصر، ليصبح من أبرز معارضيه ومعارضي حكم «الاخوان المسلمين»، وليعتبره العديد من الإعلاميين «مُفجِّر ثورة 30 يونيو»  ليدعّم بعدها عبد الفتاح السيسي، ثم يتمّ إيقاف برنامجه، ثم بث القناة بالكامل منذ عامين.

اختلفت التفسيرات حول نهاية ظهور عكاشة التليفزيوني، بين مَن رأى أن النظام أو «الدولة العميقة» قد اكتفت بما فعله، وأن مهمته قد انتهت وأدّي المطلوب منه، وبين مَن اعتبر أن النظام لا يأمن له، ولخروجه علي النص المكلّف به أحيانًا.

عكاشة من اليوتيوب

كانت المفاجأة بظهور عكاشة من خلال موقع اليوتيوب بعد أن ظن الكثيرون أنه قد انتهى، ولن يعاود الظهور.

العودة كانت ببرنامج مدته 16 دقيقة بعنوان «كلام جديد». الحلقة الأولى يظهر فيه مرتديًا الجلباب الفلاحي جالسًا وسط حقل للقمح، وهي الصورة التي يقدمها دائمًا لنفسه باعتباره صوت الفلاح المصري الفصيح الذي تعلِّم وفهم ما يجري في دنيا السياسة؛ ليحدِّث مشاهديه عن الرئيس السيسي الذي يواصل مسيرة محمد علي في الإنجازات، وعن تحوّل  مسار ثورة 25 يناير التي كانت تهدف لإصلاح البلاد، بسبب استغلالها بواسطة حروب الجيل الرابع التي نجحت في العراق وسوريا واليمن. ولكنها فشلت في مصر بسبب التفاف الشعب حول القوات المسلحة وحول عبد الفتاح السيسي.

يعرف عكاشة أن ما يشغل المواطن هو صعوبة الحالة الاقتصادية، فيوافقه، ولكنه يلقي بالمسئولية عليه لأنه يعتمد علي الدولة ويترك الرئيس يعمل ويبني قواعد المجد وحده.

يستمر حديث عكاشة، ليشيد بجهود الجيش والرئيس في محاربة الإرهاب في سيناء، ويشيد بالاتفاقيات الاستثمارية بخصوص سيناء، ثم ينتقل لحديث المؤامرة المحبب لديه وهو أن مصر مستهدفة. ويدلل على ذلك بتقرير مندوب الأمم المتحدة الذي انتقد الانتخابات الرئاسية، ليتحوّل عكاشة بعد مرور 9 دقائق من الحديث المرتّب بالفصحي إلى العامية المصرية، مع بداية شرحه لأبعاد المؤامرة «وفرصتهم كبيرة المرة دي يا ولاد» وعند هذه النقطة يفصح عكاشة عن الهدف من ظهوره وهو حث المواطنين علي المشاركة في الانتخابات، لأن عدم المشاركة سوف يؤدي بنا إلى مصير سوريا والعراق، أما المشاركة فهي المساهمة في نهضة البلاد، ولنقول نعم لمصر ونعم للرئيس عبد الفتاح السيسي.

ويفاجيء عكاشة جمهور بتأييده للقرارات الاقتصادية باعتبارها نهاية لكفالة الدولة للمواطن وبداية لأن ينتِج المواطن، ويعود لتخويف المشاهدين من مصيبة كبرى عند عدم المشاركة في الانتخابات التي ستؤدي لاحتلال مصر، وهرب أصحاب الأموال  منها، وبقاء مَن لا يملك، ثم يختتم خطابه بأنه  لا يطمع في شيء وابتعد وأنه يقول هذا الكلام من أجل مصر «فلأذهب أنا الي الجحيم وتبقي مصر». كما طمأن جمهور متابعيه أن المذيعة حياة الدرديري، التي كانت دائمة الظهور معه، مؤيدة لكلامه ولعودته. وأيضًا يشكر من وقف معه في مرضه، فعكاشة يرى أن هناك عِشرة بينه وبين الجمهور، تسمح بأن يتبادل معه أخباره وأحواله الشخصية، ثم ينهي خطابه بآية من القرآن الكريم.

 أما في الحلقة الثانية التي صدرت منذ يومين، يعود عكاشة ليكرر كلامه، ويدخل في الموضوع مباشرة، ويتكلم عن تخوفه من منظمات حقوق الإنسان كـ «هيومان رايتس ووتش»، التي ترغب في مراقبة الانتخابات، لأنها هي المدخل لاحتلال مصر.  ويتكلم عن تحرير الاقتصاد، وضرورة التخلص من الدعم لنكون مثل الدول الكبيرة، التي حررت اقتصادها، ويعيب على الشعب الـ «زعلان» من قرارات رفع الدعم، فهذا الشعب لا يريد أن «يشتغل»، ويريد أن ينام في البيت. يحذر عكاشة الجمهور من «عدم التحمل»، ومن عدم الذهاب لصندوق الانتخابات. مما سيجعل المندوب السامي يرفع تقريره للأمم المتحدة، وتقع مصر تحت الحماية أو الاحتلال، ويشير لنفسه ويقول «إن الناس اللي زي حالاتنا مش هتتأثر زي الناس الغلابة اللي زي حالاتكم أنتم اللي مكويين بالنار، سواء البلد اقتصادها سيء أو وقعت تحت الحماية، فنختار ايه بقى؟ نختار نتحمل. عشان ما يجليناش الاحتلال والحماية؟».

سر عودة توفيق عكاشة

كان هناك ترقب كبير على وسائل التواصل الاجتماعي لعودة عكاشة، ولكن الجزء الأكبر من ذلك التوقع كان مرتبطًا بفكرة أن عودته ستكون من خلال عودة «الفراعين» ولم يكن متوقعًا أن يعود من خلال الإنترنت فقط. حتى الآن حقق فيديو عودة عكاشة رقمًا كبيرًا من المشاهدات. ولكن ليس الرقم الذي يتناسب مع عودته بعد غياب، وقد يكون تفسير ذلك أن جمهور عكاشة الحقيقي موجود خارج شبكة الإنترنت، فلقد تعود على متابعته علي شاشة التليفزيون، وليس معتادًا علي البحث عنه في الإنترنت،  أو أنه لم يعرف بالأساس بعودته لأن الخبر كان عبر شبكة الانترنت وليس عبر شاشات التليفزيون أو الصحف .

هل جاءت عودة عكاشة بتكليف من المخابرات العامة من أجل حشد الجماهير أمام صناديق الانتخابات الرئاسية المقبلة واستغلال قوة تأثيره على متابعيه واشتياقهم إلى رؤية أحاديثه؟ أم كانت محاولة من جانب الإعلامي نفسه لتحسين علاقته بالنظام وتقديم «عربون محبة» بتأييد إعادة انتخاب السيسي حتي يسمح له النظام بفتح «الفراعين» مرة أُخرى ليطل منها على جمهوره، أم أنه يحاول العودة عن طريق اليوتيوب بعيدًا عن مشاكل البث الفضائي، وبعيدًا عن التكلفة الكبيرة لقناة تلفزيونية كاملة. لا يمكن الجزم بأي من تلك الاحتمالات فالغموض هو سر من أسرار عكاشة.

تظل ظاهرة توفيق عكاشة مثيرة للتساؤلات حول  ظهوره وحول شعبيته، ومدى صلته بالأجهزة السيادية وسر نجاحه في الوصول إلى قاعدة عريضة من المشاهدين بطريقة انتقدها الكثير من الإعلاميين في البداية، قبل أن يتحوّل عدد كبير من مُذِّيعي «التوك شو» إلى استخدام طريقة عكاشة نفسها في الحديث المباشر للجمهور لفترات طويلة واستخدام الشتائم،  والردح الإعلامي في الهجوم علي الخصوم، واستخدام السخرية والتلاعب بطبقات الصوت وخلق أجواء من التلقائية عند الحديث مع المعدين أو الضيوف، وإبداء الآراء الشخصية وإقناع المشاهدين بها دون عرض الرأي الآخر، وتجاهل كل معايير المهنية وكل الضوابط والدخول في معارك شخصية مع مذيعين أخرين، والقيام بحملات هجومية ضد أشخاص بعينهم. ليصبح توفيق عكاشة حتي بعد غيابه مسيطرًا بطريقته علي الشاشات وعلي الأداء العام، ويظل شخصية مثيرة للاهتمام، مع ظهوره تليفزيونيًا، أو من خلال الإنترنت، أو حتى مع غيابه.

اعلان
 
 
محمد يحيى