Define your generation here. Generation What
مكافحة الإرهاب خلال مدة السيسي الأولى: تقدم رغم التمسك بالنمط التقليدي
 
 

بدأت ولاية رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي بالتزامن مع تطور كبير شهده واقع الجماعات المسلحة العاملة في مصر، هو مبايعة تنظيم «أنصار بيت المقدس» لـ «داعش» وإعلان تحول اسمه إلى «ولاية سيناء» الموالية لـ«الخليفة أبو بكر البغدادي». وانتهت ولاية السيسي مع تطور من الجهة المقابلة بإعلان عمليات «سيناء 2018» الشاملة.

في الدلتا، نشط عدد من المجموعات الصغيرة وانتهجت العمل المسلح. بدأت ولاية السيسي بعشرات العمليات المتفرقة التي استهدفت بالأساس أكشاك وأبراج الطاقة. ومرت في المنتصف بعملية اغتيال للنائب العام. وشارفت الولاية الثانية على البدء مع خفوت لافت للعمليات المُنفذة من قبل هذه المجموعات.

وفي سيناء، سادت تكتيكات رد الفعل على معظم تحركات قوات الأمن. وفي حين كانت أغلب العمليات العسكرية السابقة في سيناء، كسلسلة عمليات حق الشهيد، تستمر دون سقف زمني واضح، فكانت العملية الأخيرة مختلفة، سواء من ناحية الجهات المشاركة، حيث تشارك فيها أغلب أسلحة القوات المسلحة وقطاعات الشرطة، أو من ناحية النتائج، إذ سقط عشرات القتلى من صفوف المسلحين. ومن ناحية رد فعل الجماعات المسلحة، كانت الأمور مختلفة كذلك، حيث اكتفت بعمليات متفرقة تستهدف مركبات عسكرية، وعدد أقل نسبيًا من الضحايا من صفوف قوات الأمن.

تبقى معضلة قياس نتيجة المواجهة بين الدولة والتنظيمات المسلحة في غياب الأهداف التكتيكية لدى الطرفين. غير أن عدد من المسارات يمكنها المساعدة في تحديد رؤية ما أقرب للدقة في تشخيص هذه المواجهة. وربما يساعد المسار الأمريكي على هذا القياس.

في العام 2009 وقع كل من وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس ووزير الدفاع روبرت جيتس وهينريتا فور مديرة الوكالة الأميركية للتنمية، على الدليل الأميركي لمكافحة التمرد المسلح.

يقر الدليل الأميركي بأربعة عوامل رئيسية في مساعي مكافحة التمرد المسلح، المكون الأمني القادم من عمليات الاستخبارات والتحريات، المكون العسكري المتمثل في الفعل الأمني- العسكري المباشر، المكون الاقتصادي الذي يشكل ظرف موضوعي يُسهل توفير الموارد البشرية للتنظيمات المسلحة، وأخيرًا الظرف السياسي وهو عامل أساسي يؤكد إمكانية الحكومة على توفير العوامل الثلاثة السابقة ويُشرك الأطراف السياسية الفاعلة في الأمر وينظم الحملات الاجتماعية الداعمة له.

هنا، نحن أمام البحث عن أداء الدولة في مكافحة الأعمال المسلحة على المستويين، الأمني المعلوماتي، والعسكري.

لا يوجد إحصاءات رسمية توضح عدد ونوع العمليات الإرهابية المنفذة في الولاية الأولى للسيسي، وكذلك لا يوجد إحصاءات عن ضحايا هذه العمليات سواء من المدنيين أو من قوات الشرطة والجيش. ربما يكون المؤشر الأشمل هو الوارد في ورقة للباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أحمد كامل البحيري بعنوان «العمليات الإرهابية: المسارات والخصائص منذ يناير 2011»، والتي ورد فيها أن عدد العمليات الإرهابية المنفذة في ولاية الرئيس السيسي حتى تاريخ 25 يناير 2017 هو 1003 عمليات، استهدفت البنى التحتية والمصالح الحكومية والمقار الدبلوماسية والكنائس والمساجد والقيادات الأمنية والعسكرية والقضائية. ما يشكل قفزة كبيرة في وتيرة ونوعية الأعمال الإرهابية، إذ رصدت الورقة تنفيذ 11 عملية في فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي من 30 يونيو 2012 حتى 3 يوليو 2013، و222 عملية في فترة حكم الرئيس المؤقت عدلي منصور من 4 يوليو 2013 حتى 7 يوليو 2014.

كما برز خلال حكم السيسي نشاط عدد من التنظيمات، منها التابع لتنظيم داعش مثل «ولاية سيناء» و«جنود الخلافة»، والتابع للقاعدة مثل «أنصار الإسلام» و«المرابطون» و«جند الإسلام»، ومنها المنبثق عن الإخوان المسلمين مثل «حسم» و«لواء الثورة» وقبلهما «العقاب الثوري».

الاستراتيجية العسكرية

مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن الباحث ديفيد شينكر يقدم نقدًا على برامج التسلح والتدريب الخاصة بالجيش المصري. يقول في مقال له عنوانه «حرب مصر الفاشلة على الإرهاب» نشر في مايو 2017، إنه «منذ عام 2011، تتكبد مصر خسائر ضد تمرد صغير عدديًا إنما فتاك في سيناء. ورغم عدد جيشها الثابت البالغ قوامه 440 ألف عسكري والمساعدات العسكرية الأمريكية السنوية بقيمة 1.3 مليار دولار التي تلقتها خلال السنوات الخمس الماضية، إلّا أنّ مصر عجزت عن احتواء – أو أقل بكثير وضع حدّ لتقدّم – متمردين يقدّر عددهم بنحو 600-1000 شخص».

ويضيف الباحث، الخبير في ما يتعلق بالعلاقات العسكرية والأمنية بين مصر والولايات المتحدة: «يجب على الولايات المتحدة أن تحث مصر على إجراء تغييرات في عمليات شرائها للمعدات العسكرية الأمريكية، التي تشتريها. ونظراً للتهديدات التي تواجهها مصر، والمرتبطة بشكل شبه حصري بالإرهاب وبالتالي بأمن الحدود، لا يوجد سبب منطقي لهذا النوع من الأسلحة الثمينة التي لطالما منحتها القاهرة أولوية، بما فيها الدبابات والطائرات المقاتلة والسفن الحربية البرمائية/حاملات المروحيات، والصواريخ المطورة البعيدة المدى (..) يتعين على واشنطن أيضاً أن تنظر في زيادة تمويل برنامج تعليم وتدريب الجيش المصري».

بكلمات أخرى، يرى «شينكر» أن نوعية التسليح والتدريب الذي اعتاد جيش مصر أن يتلقاه غير مناسبًا للتهديدات التي يتلقاها فعليًا ما تحتم عليه التعامل في سياق حرب الشوارع مع مجموعات مسلحة غير نظامية، وليس كما هو متبع بالتسليح الثقيل الموجه ضد الحروب النظامية مع جيوش دول أخرى، وهو نمط حروب لا يتناسب مع الحرب التي تخوضها الدولة بالفعل ضد جماعات مسلحة غير نظامية.

إلا أن «شينكر» نفسه يرصد بدايات تقبّل لدى الجيش المصري بالاهتمام أكثر بالتدريب على مواجهة الجماعات المسلحة غير النظامية، إذ يشير في مقاله إلى أن «مصر قد طلبت مؤخرًا وحصلت على تدريب أمريكي حول الكشف عن العبوات الناسفة وتفكيكها»، وهو ما يأتي في سياق المواجهات الفعلية في الميدان العسكري.

وبعد أربعة شهور من نشر كلام شينكر، أعلن الطرفان الأمريكي والمصري عن عودة تدريبات «النجم الساطع» المشتركة بين الجيشين بعد توقف دام 8 سنوات، لكن هذه المرة ركزّت على نوع من العمليات مغاير لذلك المعتاد في الماضي قبل التوقف، إذ أعلن المتحدث العسكري المصري وقتها أن التدريبات تتناول «موضوعات التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والتطرف والتدريب على كل سيناريوهات التهديدات المختلفة في القرن الحادي والعشرين في ظل الحرب التقليدية وغير النظامية».

وبالنظر إلى قاعدة بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، المعني بتوثيق صفقات السلاح بين الدول المختلفة، وكذلك لبعض الحركات المسلحة، نجد أن مصر قفزت إلى مرتبة ثالث أكثر دولة في العالم استيرادًا للسلاح، خلال عام 2017 مقارنة بعام 2014 عندما كانت في المرتبة السادسة.

وخلال الأعوام بين 2014 و2017 عقدت مصر صفقات لاستيراد السلاح بقيمة إجمالية قدرها 5 مليارات و898 مليون دولار، وكانت قيمة هذه الصفقات تزداد بصفة سنوية، إذ بلغت 380 مليون دولار في العام 2014، ومليار و452 مليون دولار في العام 2015، ومليار و711 مليون دولار في العام 2016، و2 مليار و355 مليون دولار في العام 2017.

واشترت مصر خلال هذه المدة كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة التي تلائم نمط الحروب التقليدية مع الجيوش النظامية، فاشترت من فرنسا فرقاطات حربية وحاملتي مروحيات وطائرات اعتراض مقاتلة. ومن ألمانيا بطاريات صواريخ سام وغواصات حربية. ومن روسيا رادارات جوية وصواريخ سام وصواريخ مضادة للقطع البحرية. ومن الولايات المتحدة لانشات بحرية مقاتلة وفرقاطات ودبابات. وكذلك اشترت مصر أسلحة تفيدها في الحرب غير التقليدية مع الجماعات المسلحة كالطائرات المسيّرة بدون طيّار ومدرعات فهد ومروحيات مقاتلة، غير الأسلحة ذات الاستخدام الفردي والصواريخ المحمولة المضادة للمركبات.

العمليات والعمليات المضادة في سيناء

على مدار السنوات الأربع الماضية، تنوعت أنماط العمليات عند كل الأطراف في سيناء. من جهة الدولة، بدأت العمليات من النمط التقليدي في المواجهة على أساس رد الفعل وانتهت بالإعلان عن العملية الشاملة «سيناء 2018»، بمشاركة معظم أسلحة الجيش المصري. ومن جهة الجماعات المسلحة، بدأ الأمر من قنص أفراد الجيش والشرطة، وتنفيذ العمليات النوعية الواسعة ضد أهداف ذات أهمية استراتيجية، وانتهت بالهجوم الواسع على أهداف مدنية، كان أخطرها الهجوم على مسجد بلال في قرية الروضة  في 24 نوفمبر الماضي، ما خلّف أكثر من 300 قتيل من المدنيين.

صورة: مراد حجازي

خلال العمليات المختلفة التي نفذّتها القوات الأمنية في سيناء كان المسلحون ينفذون اختراقات كبيرة بالتوازي مع عمليات الدولة. إلا أن العملية «سيناء 2018» الأخيرة بدا فيها أن الأمر مختلف، على الأقل تسببت في نقل الدولة إلى خانة الفاعل وليس صاحب رد الفعل. فيما اقتصرت عمليات التنظيمات المسلحة على استهداف عدد من المدرعات والعربات العسكرية، وقتل وإصابة من فيها من الجنود، كما بدت النتائج في صالح أجهزة الدولة أكثر أهمية.

حتى اللحظة، وفيما لا تزال العملية الأخيرة قيد التنفيذ، بما تجاوز السقف الزمني الذي حدده الرئيس السيسي للانتهاء من العمليات المسلحة في سيناء في آخر فبراير الماضي، تمكنت القوات المسلحة من تصفية عشرات المسلحين والقبض على آلاف المشتبه بهم والإفراج عن غير المتورطين في الأعمال العدائية، وتدمير مراكز إعلامية ومراكز بث وإذاعة وضبط مواد متفجرة وأدوات إرسال واستقبال، في ما بدا أنها الخسائر الأكثر التي تكبدها المسلحين في سيناء منذ عام 2011.

هنا، يقول الباحث أحمد كامل البحيري «كانت استراتيجية داعش في سيناء هي السيطرة على الشيخ زويد ورفح وبعض المناطق غربي العريش. وتمكنت الدولة من صد هذه الاستراتيجية، ونستطيع أن نطلق على يوليو 2015 لحظة انتصار للدولة عندما حاول التنظيم السيطرة على مدينة الشيخ زويد غير أن العمليات العسكرية منعت ذلك. هذا هو الانتصار الأهم في سيناء. داعش لم تستطع ممارسة استراتيجيتها التي اتبعتها في الرقة في سوريا أو الموصل في العراق في السيطرة الجغرافية وممارسة دور مؤسساتي. سوّق التنظيم لعمل ما يسمى بالمحاكم الشرعية وشكّل أكمنة وحواجز متحركة، لكن ذلك كان يأتي في سياق العجز عن تنفيذ العمليات وفي شكل كر وفر، وليس بصفة مستمرة ومؤسساتية».

بالنسبة لنمط العمليات المتبع من قبل التنظيم المسلح في سيناء، يقول «البحيري» «لو أردنا النظر بصفة عامة إلى السنوات الماضية، يمكننا تسمية عام 2015 بعام القنص، إذ أن أغلب شهداء الشرطة والجيش قتلوا نتيجة لأعمال القنص. وعام 2016 هو عام العبوات الناسفة، أما 2017 فهو عام العمليات الانغماسية».

يرى «البحيري» أن تغير تكتيكات القوات النظامية، والتي قد تكون ضمّت بعض الإجراءات كتوسيع الحرم الآمن حول بعض المنشآت وإعادة خطط انتشار القوات، والابتعاد عن التمركز حول التكتلات السكنية، هي أمور شكلت ضغوطًا على عمليات التنظيم، ودفعه إلى الاعتماد على نخبته من المقاتلين، وبالتالي تحمّل تكاليف بشرية أكثر.

يوضح «البحيري» ذلك «في عام 2015 كان التنظيم لديه الإمكانيات العسكرية باستهداف كل أقسام الشرطة في العريش، والإغارة على أكمنة كرم القواديس والزهور والصفا مرات عدة. وذاك كان مؤشرًا على قدرة التنظيم على تحريك عناصر كثيرة عدديًا. ولكنه الآن تحول إلى استخدام العنصر الانغماسي، وهذا العنصر هو بمثابة نخبة مقاتلي التنظيم، ما يعد مؤشرًا على الحاجة لعناصر فائقة التدريب في تنفيذ الهجمات. وهذا بالطبع يعود لأسباب تنظيمية مثل تغير قادة التنظيم وزيادة نسبة العناصر الأجنبية، لاسيما الفلسطينيين، وأيضًا يعني تكتيكات مختلفة متبعة من قبل قوات الأمن، ربما مثل إعادة توزيع القوات، وإخراجها من المدن وتقليل الاحتكاك مع المدنيين وتوسيع الحرم الآمن حول المنشآت الهامة».

وخلال السنوات الماضية، عمدت أجهزة الدولة على تفريغ بعض الكتل السكانية في عدة مناطق، خصوصًا في المنطقة الحدودية مع قطاع غزة، والتي كانت تمر فيها كل الأنفاق بين القطاع ومصر، وكذلك حول بعض المنشآت العسكرية والحكومية في الشيخ زويد والعريش، ومؤخرًا بدأت خطة لتأسيس حرم آمن حول مطار العريش.

مهلة الـ 3 شهور

بعد أيام من الهجوم على مسجد بلال في قرية الروضة، والذي خلف أكثر من 300 قتيل معظمهم من المصلين، كلف رئيس الجمهورية كل من رئيس الأركان محمد فريد حجازي ووزير الداخلية مجدي عبدالغفار بالانتهاء من تطهير سيناء من الجماعات الإرهابية، وحدد لهذه المهمة 3 شهور. بدأت بمحاولة اغتيال لوزيري الدفاع صدقي صبحي والداخلية مجدي عبدالغفار في مطار العريش.

خلال ثلثي المهلة الزمنية المحددة لم تظهر عمليات استثنائية للقوات المسلحة أو الشرطة المدنية. على العكس من ذلك ظهرت عدة عمليات لافتة للتنظيم، تنوعت بين الدعائي والأمني والعسكري والاجتماعي. وذلك قبل أن تنتهي المهلة بالإعلان عن «العملية العسكرية الشاملة سيناء 2018».

خلال هذه المدة، أصدر التنظيم عددًا من الإصدارات المصورة، من بينها إصدار «لهيب الحرب» الذي أظهر عملية الهجوم على الكتيبة 103 في يوليو 2017، وقتل قائدها العقيد أحمد منسي وعشرة آخرين من قوة الكتيبة في . وفي 28 ديسمبر قتل عناصر التنظيم الحاكم العسكري لمدينة بئر العبد ومقدم آخر من القوات المسلحة وأصابوا 6 جنود.

تصفية القادة.. بين العسكري والأمني

على مستوى المعارك في سيناء، كانت تصفية أبودعاء الأنصاري في أغسطس 2016، المعروف بوالي سيناء ضربة نوعية وجهتها القوات المسلحة ضد التنظيم، خاصة وأن الأخير سرعان ما اعترف بها عبر الإعلان عن والي جديد هو أبوهاجر الهاشمي، وهو من غير المصريين العاملين في التنظيم.

شكّلت تصفية الأنصاري نقطة مفصلية في نمط عمليات «ولاية سيناء». إذ بدأت العمليات التي تستهدف المدنيين في الازدياد على حساب العمليات الموجهة لأجهزة الدولة، الشرطية والعسكرية والقضائية. وبدأت العمليات ذات المنحى الطائفي في الظهور، سواء استهداف بعض شيوخ الطرق الصوفية شمال سيناء، أو الموجهة ضد المواطنين المسيحيين في العريش وقرى شمال سيناء، وكذلك في الدلتا مع الهجوم على كنائس البطرسية في العباسية ومار جرجس في طنطا والمرقسية في الإسكندرية.

إذن، شهد مستوى المواجهة عند هذه النقطة تحولات كبيرة. من جهة، وجهت الدولة ضربة كبيرة وناجحة ضد الفرع المحلي لداعش، ما حمل إشارات لافتة على تفوق عمل أجهزة المعلومات، وكذلك تنسيقها مع الأجهزة العسكرية. ومن الجهة الأخرى، زاد نفوذ العناصر الأجنبية في التنظيم على حساب العناصر المحلية، واتسعت رقعة الأهداف المحتمل ضربها لتنال المقار الدينية الصوفية والمسيحية إلى جانب مقار الأجهزة الحكومية.

يقول «البحيري» لـ«مدى مصر» عن تصفية الأنصاري «بالطبع كانت ضربة جيدة لصالح الدولة، لكنها ربما لم تكن أفضل الخيارات الممكنة، لا نعلم بالتحديد إذا ما كان متاحًا لأجهزة الأمن الحفاظ على حياة الأنصاري وليس قتله، كان ذلك سيقدم فرص أفضل بكثير لتضييق الخناق على التنظيم. فمقتل الأنصاري كان نقطة تحول كبيرة، الأمر الذي جعل التنظيم الأم يدفع بعنصر أجنبي لقيادة التنظيم هو أبوهاجر الهاشمي، وهنا كانت نقطة التحول نحو بدء استهداف المدنيين. الأنصاري كان مصريًا، تربى على يد التنظيمات القديمة مثل التوحيد والجهاد والقيادات التقليدية المعروفة. وكان التنظيم في سيناء وقتها يحاول الابتعاد عن استهداف المدنيين بهدف اكتساب بيئة مؤيده له داخل سيناء».

«البحيري» يشرح أكثر: «الدفع بالهاشمي أدى إلى قراءة خاطئة لدى التنظيم عن الوضع المصري، وهذا بالطبع كان في صالح الدولة، وأدى إلى وقوع توتر بين التنظيم وعدد من القبائل مثل الترابين والسواركة، وخاصة الأخيرة التي كان أفرادها الأكثر مشاركة في عضوية التنظيم، لكنه أيضا أدى إلى زيادة الضربات الموجهة للمدنيين».

ماذا عن أجهزة جمع المعلومات؟

أجهزة جمع المعلومات دائمًا تكون هي نقطة البداية في أي استراتيجية لمواجهة تنظيمات العنف. في الحالة المصرية نتحدث عن جهازين تحديدًا، الأول خاص بالمعلومات الداخلية وهو جهاز الأمن الوطني، والآخر يختص بالمعلومات الخارجية وهو جهاز الأمن القومي أو المخابرات العامة.

وشكّلت الأحداث الجارية خلال السنوات الأخيرة تحدي كبير للجهاز الداخلي، إذ تعرض للحل في العام 2011، وسرح معظم ضباطه، تحديدًا الذين تعاملوا مع ملف الجماعات الدينية. ثم أعيد تأسيسه تحت اسم جهاز الأمن الوطني، وتم إعادة تشغيل عدد كبير من الضباط تحت وطأة تنامي نفوذ الجماعات الإسلامية المسلحة.

في البحث عن دور أجهزة جمع المعلومات في المواجهة بين الدولة والجماعات المسلحة خلال السنوات الأربع الماضية، يظهر نوعين من العوامل التي أثرت على هذه المواجهة. الأول ذاتي يتعلق بطبيعة الجماعات نفسها، والآخر موضوعي يتعلق بعمل أجهزة جمع المعلومات.

الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد مولانا يقول: «منظومة أمن المعلومات المصرية لديها خبرة كبيرة اكتسبتها من التاريخ القريب، ونجحت في توظيفها جيدًا خارج سيناء. وتجلى ذلك في تفكيك تنظيمات مثل أجناد مصر وخلايا حلوان وأبو النمرس ومجموعة عمرو سعد التابعة لداعش. لكن هذا نستطيع اعتباره نجاح تكتيكي ينطوي في الوقت نفسه على فشل استراتيجي».

يضيف «مولانا»: «النظام يضع الجميع أمام خيارين: إما الاستسلام أو الاتجاه نحو العمل المسلح. مسببات العمل العنيف موجودة في البيئة المصرية. نجاح المنظومة الأمنية التكتيكي يؤدي بها إلى تصفية بعض المجموعات لكنها حتمًا ستواجه بمجموعات وتنظيمات جديدة، تتبع نمط عمليات جديد».

«البحيري» ينظر للأمر من زاوية أخرى، ويوضح «قولًا واحدًا، أجهزة جمع المعلومات هي الجهة الأساسية المنوط بها مكافحة الإرهاب. كلما كان هناك جهاز جمع معلومات كفؤ، كان هناك قدرة أكفأ على مواجهة التنظيمات الإرهابية. بالنسبة لمصر، حدث انهيار للجهاز الأساسي المنوط به جمع المعلومات وهو جهاز أمن الدولة السابق. وهذا الجهاز في وقت انهياره وتسريح ضباطه ثم اعادة استدعائهم، كان يعمل بقاعدة بيانات قديمة. خاصة أن الكثير من العناصر التي خرجت من مصر للالتحاق بالمعسكرات في العراق وسوريا خرجت بصورة شرعية. وبالنسبة للشباب المستقطب لصالح تنظيمات مثل حسم ولواء الثورة، فهو غير معروف لهذه الأجهزة كذلك، أغلب هؤلاء انضموا للإخوان المسلمين أو تيارات الإسلام السياسي في الأعوام 2011 و2012، وهؤلاء أيضا يحركهم حالة ثأرية وليست فقهية أو فكرية خاصة بعد سقوط الإخوان بعد 2013».

يضيف «البحيري» «بالنسبة للتقييم العام، جهاز جمع المعلومات الداخلي في مصر يحتاج إلى إعادة هيكلة. الدول أحيانا تمر بحالة إعادة هيكلة لأجهزة أمن المعلومات. على سبيل المثال في الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر 2001 حدث إعادة هيكلة لأجهزتها. في روسيا مع مواجهة بوتين في حرب الشيشان، تم نفس الأمر، بالإضافة لعدد آخر من الدول مثل فرنسا وانجلترا وألمانيا. في كل هذه الحالات زاد تعداد المدنيين العاملين في تحليل المعلومات بحسب اختصاصاتهم المهنية. وليس معنى الأمر أن نعيد الضباط القدامى. هؤلاء الضباط لديهم خبرة في التعامل مع الإخوان المسلمين في شكلهم السلمي، وخبرات في التعامل مع الجماعة الإسلامية أو التوحيد والجهاد، لكن لا معرفة ولا خبرات لديه بالتحولات التي حدثت للجماعات الجهادية خلال السنوات الأخيرة».

يضرب «البحيري» المثل بنموذج مصري يعود لمنتصف التسعينات، تحديدًا عندما بدأ جهاز أمن الدولة تسيير المراجعات الفقهية للجهاديين في السجون، ما انتهى بتوقيع قيادات الجهاد مراجعات تقر بنبذ العنف وتتراجع عن فكرة تكفير الحاكم.

يقول «عندما أراد اللواء أحمد رأفت الضابط في جهاز أمن الدولة بدء المراجعات مع الجهاديين في السجون المصرية خلال منتصف التسعينات، أجبر فريق الضباط العامل معه على الخضوع إلى دورة دراسية في الفقه في كلية أصول الشريعة في الأزهر لمدة ستة أشهر، فقط ليتمكنوا من فهم مسألة المراجعات الفكرية. باختصار على ضابط جهاز جمع المعلومات أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة في المنطلقات الفكرية، ليتمكن فقط من التوقع بأن عناصر حركة مثل حركة حسم هم في موقع اقتراب من تنظيمات القاعدة أم داعش. على الضابط أن يعرف أن تسليح هذه المجموعات مختلف عن الجماعة الإسلامية. أن يعرف أن الارتباطات الإقليمية للجماعات الإرهابية الآن مختلفة عن تلك الواقعة في التاريخ».

يتحدث «البحيري» عن امتلاك هذه الخبرات، ويتذكر حادث طريق الواحات الذي أدى إلى مقتل 16 ضابطًا أغلبهم من جهاز الأمن الوطني ومسؤولين عن ملف النشاط الديني. وحينها، واجهت الأجهزة الأمنية انتقادات متعلقة بعدم جاهزية القوة الأمنية للجماعة المسلحة، وعدم كفاءة تحليل المعلومات في ما يتعلق بالتسليح والدعم اللوجستي.

بالحديث عن بعض العمليات التي لعبت أجهزة جمع المعلومات فيها أدوارًا لافتة، يرى «مولانا» أن الصدفة وتوسيع دائرة الاشتباه شكلا الدور الأساسي في نجاحها. يقول «لو تحدثنا مثلًا عن عملية اكتشاف همام عطية قائد أجناد مصر وتصفيته، سنجد أن الصدفة لعبت الدور الأكبر. عندما وقع حادث سرقة في نفس البناية التي كان يسكن فيها همام، وطلبت أجهزة الأمن التحريات عن كل السكان، وأثارت البطاقة الشخصية لهمام اهتمام أجهزة الأمن حيث سجل فيها أن محل إقامته في شمال سيناء، وبالتدقيق في صورته اكتشفته أجهزة الأمن وحدثت العملية. في حادث آخر مثل الكشف عن شخصية منفذ عملية الكنيسة البطرسية في العباسية. من الواضح أن أجهزة الأمن كانت ترصد الخلية المنفذة وكانت تتوقع تنفيذ عملية ما، لكن الخلية استبقت أجهزة الأمن ونفذت عمليتها، فكان سهلًا الإعلان عن الخلية بعد التنفيذ».

«البحيري» يرى عملية تصفية تنظيم أجناد مصر من زاوية مختلفة، ويقول «هذا التنظيم أعتقد أنه من الأكثر دقة وخطورة ظهروا في مصر خلال العقدين الأخيرين. هذا التنظيم يمتلك خبرات قتالية جيدة، واضح في أهدافه وهي استهداف قوات الأمن والابتعاد تمامًا عن المدنيين. التنظيم في تحركاته لم يحاول الاصطدام بالمجتمع، كان له خطاب قادر على استمالة شباب من الإخوان المسلمين. وتمكن كذلك من تنفيذ عمليات فيها اختراق كبير، وعملية مثل عملية قصر الاتحادية، التي استهدفوا فيها محيط القصر الرئاسي بعبوة ناسفة ما أدى إلى مقتل ضابطين، نموذج على ذلك. باختصار هذا التنظيم لو كان استمر في العمل كان سيكون الأكثر خطورة في مصر، أكثر من أنصار بيت المقدس ومن تنظيمات الدولة الإسلامية، وما كان سيظهر تنظيمات مثل حسم ولواء الثورة، سيكون هذا التنظيم الوعاء الطبيعي لاستيعاب هؤلاء العناصر. القضاء على أجناد مصر، سواء كان بالصدفة أو مقصود، منع خطر تكون تنظيم مسلح كبير وقادر على الانتشار وقادر على توجيه تهديد كبير للدولة».

ومؤخرًا ضبط قطاع الأمن الوطني القضية رقم 79 لسنة 2017، والمعروفة إعلاميًا باسم «داعش 2». وضمت القضية 319 متهمًا من بينهم عدد كبير من عناصر التنظيم المعروفة بشغل مواقع هامة. واشتملت أوراق القضية على تفاصيل عدد كبير من العمليات، والتي تظهر جهود أجهزة أمن المعلومات في المواجهة بين الطرفين.

وبحسب أوراق القضية، فقد تمكن قطاع الأمن الوطني من رسم الهيكل التنظيمي للجماعة، قائلًا إن الجسم الرئيسي تكون من خلايا عنقودية، معظمها غير مرتبط ببعضه، توزعت بين أربعة أنواع من الخلايا، الأولى: الرصد: وهي مسؤولة عن جمع المعلومات ورصد الأهداف وتمريرها لمسؤولي الخلايا المنوط بها التنفيذ. الثانية: الدعم اللوجستي: وهي مسؤولة عن توفير الاحتياجات اللوجستية لباقي عناصر التنظيم. الثالثة: الانتحاريين: وهي تضم العناصر المفترض بها تنفيذ مهام انتحارية ضد الأهداف المحددة سلفًا. وأخيرا: مجموعة التنفيذ: والتي تضم العناصر المنفذة لباقي عمليات التنظيم باستثناء العمليات الانتحارية.

وحدد قطاع الأمن الوطني اتجاهات عمل التنظيم الداخلية في سياق عملية الاستقطاب والدمج الداخلي على مرحلتين: فكرية وعسكرية. وقال إن المحور الفكري قائم على توفير مطبوعات وإصدارات الكترونية وعقد لقاءات عبر مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت لتدارس الأفكار التكفيرية وتناقلها. والثاني عسكري، قائم على إلحاق العناصر المنضمة إلى المعسكرات التدريبية في عدة مناطق من بينها منطقة جهاد أبوطبل في العريش، وكذلك في حقول القتال في سوريا، بهدف التدريب على صنع العبوات الناسفة وأساليب حرب العصابات واستخدام الأسلحة النارية المختلفة.

تنظيمات الإخوان المسلمين

خلال السنوات الخمس الماضية، وتأثرًا بأحداث فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، والتي خلفت مئات القتلى وآلاف المعتقلين، بدأت بعض العلامات أن جناحًا داخل الإخوان المسلمين يميل للثأر وحمل السلاح ضد قوات الأمن. تجلى هذا في الكثير من البيانات المنسوبة لمجموعة العقاب الثوري، التي خفت نجمها خلال عام 2015، وفي ما بعد مع مجموعتي حسم ولواء الثورة، وكذلك طبيعة عناصر هذه المجموعات، والتي كشفت بعض بياناتها عضويتهم السابقة في جماعة الإخوان المسلمين.

وعلى خلفية الاشتباك مع هذه المجموعات، أعلنت قوات الأمن عن تصفية عدد كبير من العناصر الإسلامية. وكذلك شكّلت عدد من القضايا تحت عناوين كـ«قضية الحراك المسلح» و«قضية اللجان النوعية».

وعلى مدار عمليات هذه المجموعات، بدأت العمليات المنفذة من قبلها بالتصاعد، من استهداف بعض أبراج الطاقة وأكشاك الكهرباء بالعبوات الناسفة، ومرورًا بالاشتباك مع القوى الأمنية في الأكمنة الثابتة والمتحركة، ومحاولة اغتيال النائب العام المساعد ومفتي الجمهورية السابق، ووصولًا لاغتيال ضابط رفيع المستوى في القوات المسلحة كالعميد عادل رجائي.

غير أن بعد الإعلان من قبل وزارة الداخلية عن قتل عدد من المطلوبين على ذمة هذه القضايا، وتوقيف المئات الآخرين، كانت هذه الإجراءات متزامنة مع اختفاء تلك العمليات، حتى أن القنوات الإلكترونية التي تروج لها اختفت من الفضاء الإلكتروني.

يقول «البحيري» «دعنا نوضح أولًا أن مثل هذه المجموعات هي عبارة عن كتل عشوائية صعب استهدافها لكن القضاء عليها سهل. صعب استهدافها لإنها ليست مجموعات هرمية يمكن متابعتها والقضاء عليها كما أنها جرت في حالة سيولة تنظيمية تصّعب رصدها. لكن في نفس الوقت، سقوط عنصر واحد منها يؤدي إلى أن يسقط الجميع. وهؤلاء العناصر ليس عندها خبرة قتالية تؤهلهم للقيام بعمليات كبيرة، ناهيك عن أن عملياتهم مغلفة بنطاق سياسي وليس نطاق فكري مثل القاعدة أو داعش مثلا. لذلك، أنا أتصور أن الدولة واجهت التنظيمات الاخوانية بنفس الطريقة التي واجهت بها الجهاد أو الجماعة الإسلامية».

ويستطرد «من جهة أخرى هذه العناصر الشبابية تعتمد على الدعم المالي، وفي ظل الإجراءات المصرفية والمالية في السنوات الأخيرة المتخذة في مصر أصبحت مسألة الدعم المالي صعبة للغاية. وفي نفس الوقت، فإن الشباب المرشح للمشاركة في أنشطة مثل هذه المجموعات رأوا أن الانضمام لتنظيمات قائمة ونشطة مثل القاعدة أو داعش أفضل من تأسيس تنظيمات جديدة. كما أن الضربات للصف الأول بدأت تنجح مثل القضاء على شخص مثل محمد كمال. هذه العوامل شكلت ما يزيد عن 50% من عوامل نجاح مواجهة الدولة لهذه المجموعات».

أما «مولانا»، يقول «هذه الجماعات حاولت ممارسة أسلوب ليس لديها فيه أية خبرة تذكر. ومعظم من قام عليها كان له نشاط دعوي أو سياسي سابق ومعلوم جيدًا لدى أجهزة الأمن». ويضيف «بالطبع الضربات التي وجهتها لها تأثيرها، لكن طبيعة المجموعات سهلت أمر التعامل معها».

ويتابع «مولانا» «توسيع دائرة الاشتباه يفيد أجهزة الأمن، لكن على المستوى الاستراتيجي في الواقع هو يفيد المجموعات المسلحة. هذا بالضبط ما حدث عندما وسعت أجهزة الأمن الاشتباه في شمال سيناء قبل ثورة يناير 2011، واعتقلت المئات من المواطنين، فكان الطبيعي أن يبني المعتقلين من الجماعات الجهادية علاقات مع معتقلين آخرين مشتبه فيهم فقط، ما خلق علاقات تنظيمية للجماعات تحديدًا خارج سيناء، وبالنتيجة ارتفعت قوة التنظيمات العاملة في سيناء، وارتفعت التقديرات العددية للناشطين فيها (بحسب قضية التوحيد والجهاد أمام محكمة أمن الدولة العليا) من 70 عنصرًا قبل الثورة إلى 3 آلاف الآن.. هذا بالضبط ما نسميه الفشل الاستراتيجي».

إذن، في الولاية الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي تمكنت أجهزة الدولة المختصة بمحاربة التنظيمات المسلحة من تحقيق اختراقات لافتة على مستوى المعركة العسكرية والأمنية. وإن كانت لا تزال تتمسك بنمط التسليح التقليدي غير المناسب مع تحركات التنظيمات غير النظامية، إلا أنها بدأت تزيد اهتماماتها بالتدريبات المتعلقة بمكافحة التمرد المسلح والإرهاب. لا تزال تعاني أجهزتها الأمنية من العمل وفق التصورات والبيانات القديمة، بالرغم من نجاحها في توظيف الخصائص الذاتية لبعض الجماعات في مسعى القضاء عليها.

اعلان