Define your generation here. Generation What
إعلانات الاتصالات الجديدة: دقيقتان انتزعهما «المهرجان» من البث التلفزيوني
 
 

عادة ما أبدأ مكالمتي التليفونية مع أمي بمزحة.  تلك المرة، وفور ما ردت عليّ بادرتها بدون مقدمات: تبقى معدية… انتظرت تجاوبها ولكنها لم تفهم. فسّرت لها أكثر لأستحثها على التجاوب: لأ لأ… ماتسلمش عليّا. استدركتْ على الفور وقالت: لأ. أكملتُ: عيني في عنيها، فردت: لأ لأ.

استفسر أبي عن ردود أمي الغريبة المتكررة والنافية لكلام لا يسمعه من الطرف الآخر للمكالمة، فأوضحتْ له: ابنك بيغني أغنية لأ لا بتاعة موبينيل.

قبل هذه الإجابة، كنت أظن أن أمي تعرف الأغنية الأصلية بالضرورة، نظرًا لانتشارها الكبير، بينما لم أكن قد سمعتُ بعد عن إعلان شركة أورانج التي ظلت أمي تسميها موبينيل، لكن كما لم يفرق مع أمي تغيير اسم الشركة، فلم تهمها معلومة أن أغنية الإعلان هي أغنية ذائعة الصيت بالفعل قبل استخدامها فيه، فرغم اختلاف كلمات نسخة الأغنية الأصلية عن كلمات نسخة الإعلان، لم يكن ذلك بالشيء الفارق لإداراك أنهما أغنية واحدة، فإيقاع الأغنية وبنيتها هما الأكثر حضورًا، هما البطل، وليس صناعها الأصليون (تيم الصواريخ) ولا أحمد أمين، ولا المرأة التي «تعدي» ولا «تسلم»، ولا شركة موبينيل التي لم يعد اسمها موبينيل.

***

استخدام المهرجانات في الدعاية والإعلانات ليس جديدًا. الملفت تجاهل شركات الاتصالات لهذه الظاهرة لثماني سنوات تقريبًا منذ ظهور موسيقى المهرجانات، ولسبب لا نعلمه، قررت شركات الاتصالات، أن تعترف به كأمر واقع، وتستخدمه كنشيد لقيم الشركات وعروضها بل واستعراض لهويتها. شركات الاتصالات الثلاثة الكبرى دفعة واحدة (أورانج وفودافون واتصالات). كأن الإعلانات كانت جاهزة، لكن لم يجسر أي من الشركات على طرح نسخته قبل أن يعلن عنها الآخر، وكأنها مسابقة منظمة يحاول كل من فيها ألا يكون متخلفًا عن الركب، بعدما استيقظ جميعهم فجأة.

قبل هذه اللحظة، ارتبط استخدام «موسيقى المهرجان» في الدعاية، باستهدافها فئة معينّة من الجمهور ذات الدخل الأقل، مستخدمي العلبة الذهبية كبديل محلي للفياجرا، في حين أن شركات الاتصالات التي تستهدف شريحة أعرض من المجتمع ومتعددة الطبقات، لم تتسرّع بتبني هذا المدخل الذي قد يثير حفيظة فئة كبيرة من مستخدميها، فلم يظهر في إعلاناتها سوى كجزء من اسكتش أو أوبريت كوميدي.

فمع أن شركات الاتصالات ، نظرًا لميزانتها الكبيرة وانتشارها العريض، تمتلك القدرة على ترسيخ المعايير الجديدة،  وتعتبر ميكنة مثالية للتأثير على الذوق العام، باستخدامها أغنية فتصير الأكثر انتشارًا، أو تعاقدها مع ممثل أو مغني ليمثل صورتها الدعائية فتزداد شهرته على نطاق أوسع مما كان، إلا  أنها، للمفارقة، تأتي متأخرة في معظم الأحيان عن المجتمع بخطوة، فلا يكون تبنيها للوجوه والأفكار الجديدة سوى علامة على أن المجتمع كله قد تبنى هذه الأفكار بالفعل، حتى أصبح تجاهلها مريبًا ومثيرًا للتساؤل. بل وفي كثير من الأحيان تحاول هذه الشركات الكبيرة إبطاء سير فكرة أو تجاهلها عمدًا، أو تهميشها وإعادة استهلاك الوجوه والأفكار القديمة حتى تبلي، لأسباب ربما تتعلق بالطبقية، أو سوء قراءة للسوق، وهو ما أستبعده في سياسة شركات بهذا الحجم.

وهنا أحاول، من وجهة نظر موسيقية، تحليل ما انتفعت به الدعاية من المهرجان وما قدمته في المقابل.

***

إعلان أورانج

قد تكون شركة أورانج هي التي سبقت بإطلاق إعلانها ساعات قبل إعلان فودافون. ولكن أغنيتهم ليست أصلية، وتم تقديم المهرجان فيها بنفس هيئته وطريقة تقديمه المعتادة: مكملًا لاسكتش كوميدي، فيبرز أحمد أمين ويتصدر أداؤه الهزلي والكلمات خفيفة الظل دور البطولة. لم يتم التعامل مع المهرجان بجدية، ولا استخدمت تضاداته وانتقالاته المفاجئة بين مردات الأغنية الباردة وفواصله الموسيقية الصاخبة أفضل استغلال، وهو أكثر ما ميز مهرجان لا لأ، بل وحين بزوغ الجزء الصاخب بالأغنية، يتم خفضه تدريجًا مع رسالة الإعلان الختامية، والتعتيم عليه بكلمات وقورة تلتزم حدود الأدب والمحافظة.

استغل الإعلان نجاح الأغنية الكبير الذي وصل لاستخدامها في ميمز على الإنترنت

الموسيقى مأخوذة عن المهرجان الذي حقق نجاحًا كبيرًا ( لأ لأ).،وهو من إنتاج تيم الصواريخ واستوديو 100 نسخة، وحقق بالفعل أعداد استماع على يوتيوب 24 مليون مرة، أي 14 مليون مرة أكثر من اعلان أورانج. استغل الإعلان جماهيرية  المهرجان الجاهزة، ولم يغير فيه سوى كلمات بنفس الأوزان والقافية، بدون إضافات ملحوظة في اللحن أو التوزيع. يحتسب لشركة أورانج على الأقل رجاحة الاختيار، فالأغنية بها تجديد في البنية لا يغيب على المستمع، وهي بنية ربما جاءت بتصرف بعد نجاح أغنية الهيب هوب choices التي وإن كانت لا تتطابق معها، فهي تقاربها في النظام، حيث كلمة لأ فيها وحدة إيقاعية ثابتة، تبتر الجمل الغنائية اذا تقاطعت معها، وليست مردات عليها. تستمد الجمل قوتها ومعناها من النفي، وتتحد أطوالها قبل وقوعه، ولن تتغير الـ«لأ» سواء كانت الشكوى من محبوب أو من سوء خدمة الإنترنت.

إعلان فودافون

بعدها بساعات أصدرت فودافون تجربتها، بأغنية أصلية هذه المرة، بجانب الفيديو المميز والدريفت بالسيارة اللادا الذي أبهر الكثيرين. هنا على عكس إعلان أورانج، كان الحضور لصالح الأغنية، لم ينازعها كلمات خفيفة الظل ولا استظراف من المغنين. مجرد حلى بصرية مجاملة في الخلفية ورقصة أيقونية ملهمة وطريفة، أظن أنها ساهمت في رواج الاعلان ونجاح أغنيته، وهي مداخلة هامة لا تأتي سوى من متابع جيد للهيب هوب ويعرف أهمية  استخدام وضعية أيقونية في عصر الميمز.

لم تركن شركة فودافون هذه المرة لرواج وشعبية أغنية جاهزة، ولكنها استقدمت موزع وملحّن أكاديمي (أحمد طارق يحيي) للعمل مع أوكا وأورتيجا و أحمد شيبة، لإنتاج عمل مشترك، لا يشابه أعماله التلفزيونية السابقة، ويضيف في نفس الوقت إلى المهرجانات قوام وتفاصيل إبداعية لا تمتاز بها أعمال أي منهم.

أبرز القرارات الإبداعية في أغنية الإعلان، هو ذلك التحول في النوتة الأخيرة من كل مقطع. حيث كل مقطع على مقام السيكا، ثم نوتة أخيرة تنحدر إلى مقام الصبا، ويكون لها تأثير مفاجئ. نزوح الموسيقى إلى المقام المستخدم في المواويل الشعبية الحزينة مع انتقال الإيقاع إلى مرح في الفقرة المعزوفة هو تقريبًا عكس ما يحدث في الغناء الشعبي التقليدي. هذا التأثير المريب يتحول فورًا مع مرة الاستماع الثانية إلى البصمة الموسيقية للأغنية، والانفراج من بعد الترقب. وهي قرار تجريبي شجاع لاختبار ذلك الخلل الموسيقي ومعرفة أثره.

إعلان اتصالات

بعد تأخر أسبوعين عن اللحاق بالركب، أطلقت اتصالات إعلانها وهو مأخوذ أيضًا عن أغنية أصلية سابقة النجاح، إلا أنها أقل انتشارًا هذه المرة من مهرجان لأ لأ،كما أن الإعلان ذا الإحدى عشر مليون مرة مشاهدة ربما يكون قد أفاد في ترويج الأغنية الأصلية، مهرجان اوعى تجيب ورا للمدفعجية الذي لم يتخط المليون الواحد. عن نفسي فقد استمعت إلى الإعلان قبل أن أعرف بوجود أغنية أصلية، وليس كحالة إعلان أورانج. وأول ما لفت انتباهي في الأغنية هو الانتقال السلس في إيقاعها، والتنقل في وزن الكلمات على سرعة الإيقاع في جملة مرة، وبسرعة مزدوجة في جملة مرة أخرى.

أنا لو لولو لو (ثلاث مقاطع لفظية على أربع عدات)

لمحته حينونو (ثلاث مقاطع على أربع عدات)

عايشها وبيحلو (ثلاث على أربع)

لازم يخاف مالعو (ثلاث على أربع)

يا ابني – لازم تهيبني – بلاش تتعبني (ثلاثة عشر مقطع على أربعة عدات)

أكبر ما فيكو بيعرف عرضي بيفلق ويجري (خمسة عشر على ثمانية عدات)

وهذه الديناميكية في صَف الكلمات على الايقاع، وتغيير سرعته وتكرار التقسيمات الثلاثية، هي سمة الراب والهيب هوب في السنوات الأخيرة ولكنه جديد على المهرجان. والجدير بالملاحظة أن خبطة الباص الثقيلة تأتي دأئمًا في العدة الثالثة من الأربعة، ثم تتغير مع تغير الوزن لتقع مع العدة الثانية والرابعة، ثم تنتقل في آخر المقطع للأولى والثالثة. وهو لمن لا يريد التركيز في هذه التفاصيل التقنية، هو ما يخلق هذا التأثير المتأني والمحذِّر أولًا، ثم الشرس والمتنمر في المنتصف، ثم المتسلطن والمتبختر في النهاية، وليس الكلمات أو الأداء الصوتي والتمثيلي المميز لمحمد رمضان وحده.

لم تستهن شركة اتصالات بالأغنية، ولا استخدمتها كنكتة. حتى الكلمات لم تتغير كثيرًا عن الأغنية الأصلية، وبقيت مقاطع فيها منقولة دون تغيير من الأغنية الأصلية، حتى أنها تثير التعجب أحيانًا، لأن مضمونها ليس له أي علاقة بكروت شحن اتصالات (حاببني مش حاببني لو جربت مش حتسيبني ولو فكرت في يوم تسمعني اعمل سيرش وخش وجيبني).  كما أنها أفردت للمهرجان أكثر من دقيقتين، وهو ضعف مدة إعلاني أورانج وفودافون، وأضافت له الموال في البداية. بدا أن الإعلان كله ما هو إلا فيديو كليب للأغنية، مما لا يجعله أفضل الاعلانات ولا أكثرهم بلاغة، ولكن من وجهة نظر موسيقية، فما قدمه الاعلان للأغنية خير واجب.

***

حينما سمعت موسيقى الإعلانات الثلاثة، افترضت فورًا أن هناك صناعًا من خلفيات مختلفة وراء هذه الأعمال، وليس فناني المهرجانات وحدهم، ما جعل المنتج ذا مستوى تقني ملائم لوسيط التلفزيون، وليس غريبًا في نفس الوقت عما اعتادت شركات الاتصالات تقديمه في إعلاناتها، وذو مستوى إبداعي ثري بالمداخلات الهجينة على موسيقى المهرجان. تصورتُ وجود ملحن وموزع أو منتج قام بـ«تظبيط» المحتوى، واستخدم نجوم المهرجان، أوكا واورتيجا وشيبة والمدفعجية، كواجهة فقط.

صدَق حدسي مرة، في أغنية فودافون حين استعرضت باقي أعمال ملحن الأغنية، وربما يكون صحيحًا في حالة أغنية اعلان أورانج التي أنتجها استوديو  100نسخة، ذو الإصدارات المتنوعة ما بين الموسيقى الإلكترونية والروك والبانك والمهرجان، ولم يصدق حدسي في حالة إعلان اتصالات.

استمعتُ للأغنية الأصلية بحثًا عن الفروق، وبحثت عن مؤلف الموسيقى أو الموزع الذي تصورتُ أنه الجندي المجهول وراء العمل، والذي بالتأكيد أعاد تشذيب الأغاني لتلائم مضمون الإعلان، ولكن وجدت أن نفس المؤثرات موجودة بالعمل الأصلي للمدفعجية. بل بدا أحيانًا أن الايقاع تم تبسيطه وتحجيم التغيرات المتكررة فيه، وطمس الصاخب من الموسيقى، واللاذع من الكلمات، لتلائم جمهور الإعلان الجالس على الكنب في البيوت.

وجدتني مأخوذًا كلما استمعت لأغنية المدفعجية الأصلية، أميل بكرسي المكتب المتحرك حيث أجلس لا إراديًا إلى الخلف، كل مرة مع النغمة المميزة لنهاية المقطع، ثم أتشبث بحبل نجاة وهمي يشدني للأمام، سنتيمترات قبل أن أستلقي على قفاي، وأكرر الحركة لا إراديًا: الرجوع إلى الخلف ثم الارتداد كل مرة مع جملة اوعى تجيب ورا.

اعلان