Define your generation here. Generation What

هل يزور العرب فلسطين، أم لا؟

يُنشر هذا المقال في إطار سلسلة «نقاشات حول المقاطعة»، التي بادر بها موقع «مدى مصر» لتشجيع الكتّاب العرب على سرد آرائهم حول مقاطعة إسرائيل والتطبيع معها.

أعتقد أن أكثر ما نطالب به في هذه المرحلة التاريخية، وبعد مرور سبع سنوات على الثورات العربية، هو أن تُتاح مساحات للنقاش والجدل في كافة القضايا، لا سيما تلك التي بإمكاننا اعتبارها «مقدّسة»، حيث نقاش «المقدّس» ليس سهلًا غالبًا، لكنه امتداد لسيرورة كسر حواجز خوف عديدة، فردية وجماعية، ولا بدّ أن نمتن دومًا للمحطات التي علّمتنا كيف تُكسر حواجز الخوف، وأهمها وأحدثها، ورغم واقعنا المأساوي اليوم، كان الثورات العربية.

بداية، لا يأتي هذا المقال للتشكيك بأهمية الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI)، ولا لسرد بديهيات نعرفها كلنا، خاصة من يعمل منا في حقول الثقافة والسياسة، حول أهمية الإنجازات التي وصلت إليها، ولا تزال حملة المقاطعة تواصلها على المستوى الدولي.

بل يأتي المقال بما يشبه دعوة إلى الحوار الداخلي الفلسطيني العربي، بين أفراد ومجموعات تعمل في ما يُسمى بـ«المشاهد الثقافية» على كافة الأصعدة، بالإضافة لطرح أسئلة ضرورية، انطلاقًا من نقطة أساسية واضحة، مفادها أن إسرائيل دولة استعمارية – رأسمالية، نظام أبرتهايد عنصري، مع الإدراك التام للتاريخ وللنكبات المتواصلة التي يعيشها الفلسطينيون والفلسطينيات في كل مكان منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، وتأثيرها على الواقع الجيوسياسي في المنطقة.

الأمر الثاني، وقد يكون أكثر خصوصية وتعلقًا بقصتي وقصة المكان الذي جئت منه، وهو أني سأخصص في مقالي هذا مساحة أكبر للفلسطينيين والفلسطينيات في الأراضي المحتلّة عام 1948.

ومع العلم بأني لا أتحدث إلا باسمي فقط، ولا أدعي للحظة بأني أمثّل فلسطينيي الداخل، تمامًا كما لا أرغب بأن يدعي أحد بذلك، لكن بنفس الوقت، يمكنني الادعاء بأني سأتطرق إلى محور يتعلّق ببند في حملة المقاطعة يتساءل بشأنه كثيرون، ما يثير احتياجًا لنقاش أكثر صحية حوله، نقاش بين أصحاب الشأن، بلا مزاودات ولا تخوين ولا اتهامات، وذلك انطلاقًا من القناعة بأننا جميعًا نصبو نحو مشروع وطني سياسي، ثقافي واجتماعي تحرري.

تنبع أهمية إنجازات الحملة في الخارج من مضمونها القوي والمقنع، ومبناها الواضح للتماشي مع معاييرها والانتماء إليها، والنابع أيضًا من انطلاقها من مبدأ المقاومة السلمية والالتفاف الشعبي حولها، بالإضافة لارتكازها على نجاح سقوط نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا.

ورغم التشابه ما بين نظام الأبرتهايد الجنوب أفريقي ونظام الأبرتهايد الإسرائيلي، ولأن بإمكاننا اعتبار الحملة الإطار السياسي الذي يحظى بأكبر شعبية في العالم لمشروع يتعلّق بفلسطين وقضيتها الإنسانية التحررية، لذلك، فهناك حاجة لفتح باب نقاش متواصل حول تفاصيل محددة، تقل نسبتها عن التفاصيل التي نتفق عليها، وتتعلق بالأساس بمعايير زيارة فنانين وفنانات، موسيقيين وموسيقيات، مثقفين ومثقفات عرب، إلى الأراضي المحتلّة عام 1948.

هذا هو البند الأكثر إثارة للجدال، خاصّة مع اندلاع أحداث عينية تشعل النار من جديد عبر مواقع الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، وفي المقاهي أيضًا.

ينص البند المتعلّق بزيارة العرب إلى الأراضي المحتلة عام 1948 على أنه: «عند توجيه دعوة لأي أكاديمي/ة أو فنان/ة أو مثقف/ة عربي/ة، تلتزم المؤسّسات الفلسطينية بمبادئ ومعايير المقاطعة الأكاديمية والثقافية المقرة فلسطينيًا في تنظيم الزيارة بحيث تُصرُّ على أن يكون دخول أي حامل جواز سفر عربي إلى فلسطين المحتلّة فقط عن طريق تصريح من سلطات الاحتلال [أي دون أن يُختم جواز السفر]، وليس بتأشيرة دخول [فيزا]، وذلك تأكيدًا على رفض التعامل مع دولة الاحتلال كدولة طبيعية».

لا يمكنني التطرق إلى كافة محاور النقاش التي تطفو مع أحداث عينية، لكن هنالك أسئلة جوهرية تتكرر كل مرة من جديد، تتعلق بزيارة العرب إلى فلسطين المحتلة، وبالأساس ضمن إطار ثقافي وفني.

وفقًا لحملة المقاطعة، يُمكن للعربي حامل جواز السفر العربي أن يزور الضفة الغربية بتصريح من الاحتلال، وهو بالمناسبة ليس تصريحًا من السلطة الفلسطينية، لأن المُسيطر على المعابر هو الاحتلال وليس السلطة (وهذا أحيانًا غير واضح للبعض) ولا يمكن للعربي، حامل جواز السفر العربي، أن يزور حيفا بتأشيرة إسرائيلية.

استنادًا على ذلك، والسؤال التالي هو ليس دعوة للزيارة، إنما لأن «يأخذنا أحد على قد عقلنا»: ما الفرق بين تصريح من الاحتلال وبين تأشيرة إسرائيلية؟ أليس نفس الوسيط هو من يوافق على دخول العربي إلى فلسطين المحتلة كلها؟

ثانيًا، باعتبار رفض الفيزا الإسرائيلية رفضًا للتعامل مع دولة إسرائيل بوصفها دولة طبيعية، هل التعامل مع تصريح من الاحتلال أمر طبيعي؟ هل يافا إسرائيلية ورام الله فلسطينية؟ ولماذا لا توجد مشكلة في مجيء عربي، حصل على جواز سفر أجنبي مؤخرًا، لزيارة الناصرة، بينما كان هو نفسه ليُتهم بالتطبيع لو أتى بجواز سفره العربي؟ هل الورقة التي يحملها الفرد هي ما تسمح بالزيارة أو تمنعه منها، وليس سياق الزيارة نفسها؟

نعم، قد تكون هذه الأسئلة بسيطة وساذجة، لكنها ترتبط بما يرغب العديد مننا في تسليط الضّوء عليه؛ السّياق.

يضم السياق الأفرادَ ووجهات نظرهم ومبادئهم، هدف الزّيارة، مقولتها السياسية، إلخ. وكما أن الكثيرين مننا، خاصة في عصرنا هذا، يرتبطون ويتعاونون مع أفراد يتفقون معهم أخلاقيًا بمعظم القضايا، وأضع خطّين تحت كلمة «أخلاقيًا»، والعكس صحيح، فمن الضرورة اليوم الحكم على القصص والقضايا وفقًا لسياقها الأخلاقي، بمعنى: هل هناك فرق جوهري بين ختم إسرائيلي على جواز سفر أو تصريح على ورقة خارجية من الاحتلال؟

كلاهما وجهان لعملة واحدة، وهذا لا يصنع أي فرق أخلاقي بالتعامل مع الوسيلة أو الوسيط. لذلك، ألا يجوز أن نحكم على السياق، على الفرد، وفقًا لمواقفه، ماهية زيارته، هدفها، مضمونها، الجهة الداعية، إلخ؟ وإن أردنا الإبحار أكثر، ومواصلة البحث، هل يمكن أيضًا فيما بعد فحص تأثير زيارة فلسطين المحتلة على التعامل مع القضية؟

بالعودة إلى السياق، وإلى الحاجة للتعامل مع كل حدث وفقًا لعناصره العديدة، يكون السؤال هو: هل يمكن اتهام مخرجة عربية، جاءت بفيزا إسرائيلية إلى يافا وأم فحم، صوّرت فيلمًا يوثّق الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ثم عرضته في محافل عربية وعالمية، وجنّدت أناسًا أكثر حول القضية الفلسطينية من خلال استماع مباشر لأفراد لا تصلهم المنابر الإعلامية عادة، بكونها «مطبّعة»؟

هل يمكن اتهام صحفي عربي وصل إلى عكا، وعمل على سلسلة تقارير توثّق معاناة الصيادين مع البحر الذي لوّثته المصانع الإسرائيلية، ونشر تقاريره عبر منابر مختصّة بالبيئة العالمية، ولفت أنظار مؤسسات عالمية لما تفعله إسرائيل بالبحر وكائناته، بأنّه «مطبّع»؟

هل يمكن اتهام كاتبة عربية ترغب بإجراء حوارات مع أسيرات محررات لتوثيق قصصهن في السجون الإسرائيلية، بأنها «مطبّعة»؟

سيقول البعض بأنه من الممكن توثيق كل هذا بلا وسيط عربي، هنالك فلسطينيون وفلسطينيات قادرون على سرد حكايتهم والتأثير من خلالها.

هذا صحيح، كنّا ولا نزال أفضل من يحكي حكايتنا، لأننا عشناها ونعيشها يوميًا وعلى جلدنا. نحن وآباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، أبناؤنا وبناتنا، نعرف جيدًا كيف يكون الألم الشخصي. ورؤية التفاصيل بعيوننا، حقيقة وليس مجازًا، يؤثر على سرد الحكاية، بقوة وبفخر وبعيدًا عن نشرات الأخبار والعناوين الكبيرة.

ولكن هنا بالتحديد، تكمن أهمية الزيارة؛ بلقاء الناس، بالاستماع إلى قصصهم ومعاناتهم وأحلامهم عن قرب. ألم نر الثورة المصرية بشكل أوضح عندما زرنا ميدان التحرير، بعد أيام الثورة الأولى، وتحدثنا مع الناس هناك؟

وبالمناسبة، بالعودة للحديث عن فلسطينيي الأراضي المحتلّة عام 1948، وأنا منهم، وفقط للمعلومة، فقد زرنا مصر، ولا نزال نزورها، بجوازات سفر إسرائيلية، ضمن معاهدات كامب ديفيد.

نعم، فُرض علينا جواز السّفر، والكثيرون منا اختاروا استخدامه ضمن سياق المعاهدات المصرية – الإسرائيلية، ومع ذلك، ورغمًا عن أنف كل شيء، نحن فلسطينيون.

الأمر الثاني، سيقول البعض إن إسرائيل ستستغل هذه الزيارات لتبييض وجهها أمام العالم، وهذا صحيح، لأن إسرائيل كيان استعماري يستغل كل شيء لتبييض وجهه.

لكن، السّؤال هو: ألا يمكننا، في العمل المتواصل لنشر قضيتنا وقصصنا إلى العالم على كافة الأصعدة، بوصفنا عاملين في الحقول الثقافية، ومؤمنين بدورها السياسي، أن نحكي سرديتنا أيضًا للعالم وأن ندافع عنها بصوتٍ عالٍ وبلا تأتأة، وأن نستخدم سرديتنا هذه للرد على ادعاءات إسرائيل، كما نفعل منذ سبعين عامًا؟ خاصة حين نتحدث عمن يمارس مقاومته الثقافية بالأساليب التي يراها مناسبة، والتي لا تقل نجاحًا أو تأثيرًا على المستوى الفلسطيني، العربي والعالمي أيضًا.

من جديد، ليس هدف المقال هو تشجيع العرب على زيارة فلسطين المحتلّة، خاصّة في الوقت الذي لا تزال فيه إسرائيل تمنع اللاجئين الفلسطينيين، أصحاب الأرض، من العودة إلى ديارهم، لكنه مساحة لإثارة الأسئلة حول محور يثير النقاش دومًا وبصدق، بلا مزاودات ولا تخوين.

من الشرعي التعامل مع قضايا مركبة، بشكل مركّب أيضًا. فالادعاء بأنه من ممكن التعامل بشكل موحد تجاه قضايا مركبة ادعاء سهل، ويسهل على كثيرين، تمامًا مثل التعامل مع النصوص المقدّسة، أما النقاش فهو بالضرورة سيرورة أصعب، ويريد العديدون خوضها بصوتٍ عالٍ، لا رغبة في «التخريب» على حملة المقاطعة أو عرقلة مسارها، أبدًا، بل إيمانًا بمسؤوليتها عن استقطاب المزيد من الناس، ليس كقطيع، إنّما كأصحاب وجهات نظر مختلفة تستحق الاستماع إليها وفتح نقاش صحّي وآمن حولها.

قبل اختتام المقال، من المهم التعليق على بعض التصريحات التي تصدر بين حين وآخر، والتي يستخف فيها البعض بأهمية الثقافة ودورها المقاوم في التواصل بين العرب والفلسطينيين، إلخ.

يا جماعة، من أهم ما فعلناه منذ سبعين عامًا من النكبة حتّى الآن، بالإضافة إلى النضال السياسي والاجتماعي، هو الحفاظ على ثقافتنا الفلسطينية والعربية، على لغتنا وموروثنا الحضاري وامتدادنا العربي. كانت الثقافة، ولا تزال، أحد أهم أساليب المقاومة؛ الأغنية حكّت قصتنا، القصيدة ترجمت أصواتنا إلى لغات العالم، المسرح حمل عكّا وحيفا وطبريا إلى مسارح عربية وعالمية. مسألة الاستخفاف بالثقافة غير «كوول» على الإطلاق، لأن دورها لا يقل عن أي أسلوب نضالي آخر. الفلسطينيون والفلسطينيات، مثلهم مثل شعوب عديدة مضطهدة في العالم، يعرفون العلاقة المهمّة بين الثقافة والسياسة.

على أية حال، حتى نحاول الإجابة على الأسئلة، إن عرفنا، نحن من نحاول أيضًا الحكي مع بعضنا البعض، مرة أخرى، بعيدًا عن التخوين والسخرية والاستهتار بهذه الأسئلة الجوهرية، أمام خطاب، للأسف، يقف أحيانًا وقفة الحاكم، حتى يحدث هذا سيجد الفلسطينيون والفلسطينيات العاملين في المشهد الثقافي أساليب تواصل ثقافية فلسطينية وعربية، تتجسّد بحضور المُنتَج الثقافي، سواء عبر البريد أو من خلال وسائل التواصل الرّقمية الحديثة، وتابعوا، وتابعن، ما يحدث في حيفا اليوم.

كان ذلك امتدادًا لأساليب مقاومة ابتكرها الفلسطينيون أنفسهم لكسر العزلة التي فرضها الاحتلال عليهم، كما فرضتها الأنظمة العربية، وذلك وفقًا لما يلائم حكايتهم الملوّنة، التي لا تقتصر على وجود طرفيْن وحيديْن للمعادلة، حيث يدور كل شيء في فضاء الاعتبارات الأخلاقية، التي لا تمكنني أيضًا، كفرد بالطبع، وفي إشارة إلى الأنظمة العربية، من فهم، ولوّ للحظة، أصواتًا تصرخ مطالبة بالمقاطعة وضد التطبيع (مع أهمية وضرورة ذلك، وهذا لا نقاش عليه، لما فعلته ولا تزال تفعله إسرائيل)، لكنها بنفس الوقت، أي هذه الأصوات، تشدّ على أيادي أنظمة تقتل شعوبها كل يوم، وذلك لأن المقاطعة مبدأ، ومثل كل المبادئ، فهي لا تتجزأ.

هذا ليس موضوعًا آخر، وإنما هو تمامًا، كما الأخلاق: لبّ كلّ حديث.

اعلان