Define your generation here. Generation What
حوار| في معنى «يحيا الفن المنحط»
4 فنانين حوّلوا كلمات اختارها «مدى» إلى موسيقى
 
 
 

في النسخة الثالثة من فعالية «وُجد في الترجمة» التي ينظمها «مدى مصر» مع «كايرو جاز كلوب»، تلعب يسرا الهواري ونانسي منير وياسمين البرماوي ومحمد عادل للمرة الأولى معًا، لإحياء حفلة موسيقية غدًا، الثلاثاء.

تقوم الفلسفة وراء هذه السلسلة على تفاعل الموسيقيين مع نص يختاره فريق «مدى». وفي كل أمسية يتمّ تسليط الضوء على قطعة جديدة ألّفها موسيقيون تمّت دعوتهم للعب مع نص، وإعادة تخيّله، أو إعادة بنائه بالشكل الذي يرونه مناسبًا، ليتحوّل المكتوب إلى مسموع.

في «وُجد في الترجمة»، يقدم «مدى» النص، و«كايرو جاز كلوب» الصوت، وتكون النتائج مفاجئة لنا بقدر ما ستفاجأكم.

انطلق تفكيرنا من تواتر أحداث المنع والرقابة وفرض الحظر على الأعمال الفنية والفنانين الفترة الماضية، ليقع اختيارنا على بيان الشاعر والكاتب المصري جورج حنين (يحيا الفن المنحط) الموقّع في 1938 من 31 فنانًا وكاتبًا وصحفيًا ومحامي. كان البيان مُعدًا من أجل اتخاذ موقف معارض من الموقف النخبوي للمؤسسات الثقافية التي اعتبرت بعض الفنون «مثيرة للاشمئزاز»، بدلًا من ذلك. لكن البيان أصبح وثيقة مرجعية تظهر كيف كان السورياليون يخلقون ثقافة مضادة جديدة في الفنون، محاولين تسليط الضوء على عذاب الفرد والجماعة. لكن النقاش انتهي إلى اختيار نص من مقتطفات شعر جويس منصور، وتحديدًا قصيدتيها: «رسالة إلى فتاة صغيرة ﻷجل بداياتها في العالم»، و«صرخات».

وفيما يعكس شعر جويس الكتابة السوريالية، بكلماتها عن الحب والألم، التي غالبًا ما توصف بكونها حادة وفاضحة وحتى منحلة. ربط محررونا بين أفكارهم حول الملل كمساحة إنتاجية، وبين انتصار حنين ومنصور للعواطف البشرية والفردية، في عمل لا يحمل مسؤولية إيصال رسالة، أو أن يكون متفوقًا.

أكثر ما عُرفت به يسرا الهواري هو موسيقاها الرشيقة المتفردة المصحوبة بعزفها على اﻷكورديون الذي يحوّل التأثيرات الفلكلورية المختلفة إلى تأثيرات معاصرة. فيما تنقلت نانسي منير بكمانها بين ألوان موسيقية متنوعة؛ من بينها الميتال مع «ماسكارا»، والشعبي المعاصر مع دينا الوديدي. وعلى العود تقدم ياسمين البرماوي تنويعاتها الديناميكية المتأثرة بالأعمال العراقية والمصرية التقليدية، فضلًا عن الفنون المعاصرة، كما تلعب موسيقى إلكترونية أيضًا، بينما يعزف محمد عادل على الجيتار.

في هذا الحوار، نحاول معرفة انطباعات الأربعة فنانين عن النصوص المختارة، التي  تتصل بممارساتهم الإبداعية، والمشهد الموسيقي المتأزم في مصر كذلك.

نتطرق لتعريفاتهم الخاصة للـ «الفن» و«الفن المنحط»، وإشكاليات الرقابة الذاتية، والإنتاجات الفنية المشغولة بتلقين رسائل معينة أكثر من اهتمامها بإنتاج فن معبّر عن الذات واللحظة. أيضًا سألناهم، كيف كانت عملية التعاون بينهم، وكيف سيترجمون هذه النصوص إلى موسيقى، وكيف ستتحول الأحلام السوريالية الفنية إلى أغانٍ؟

مها النبوي: خلونا نبدأ من رد فعلكم لما سمعتم عن فكرة الحفلة. إيه أول انطباع؟

يسرا الهواري: أول حاجة فكرنا في العنوان، يعني ايه «فن منحط»؟ ويعني إيه «يحيا الفن المنحط؟»، وهل من حقنا وصم فن ما بإنه منحط؟ اتقابلنا واتناقشنا في الفكرة، وانطلقنا من إن دايمًا بيتمّ استخدام وصف «فن راقي» في مقابل «فن منحط». وده خلانا نفكر: إيه هو تعريف الراقي؟ وايه تعريف المنحط؟

إحنا كمان قعدنا نفكر إذا فيه حاجات عملناها قبل كدة نقدر نوصفها بإنها فن منحط

واتفقنا إن كلنا ضد وصم أي  نوع فن بإنه «منحط»، لإن التقسيمة لازم تبقى: فن حلو وفن رديء، مش فن منحط وفن راقي، ولإن وصف منحط هو معيار «أخلاقي» بالضرورة للحكم على الفن ، مش معيار فني.

مها: ممكن أعرف أكتر إزاي العملية مشيت، بعد ما قريتوا النصوص المختارة؟ إزاي بدأتوا من النصوص المقترحة، واللي هي مانيفستو يحيا الفن المنحط، وقصيدتين لجويس منصور «رسالة إلى فتاة صغيرة في بداياتها في العالم»، و«صرخات»، ونص لينا عطا الله عن الملل.

يسرا: فيه جمل معيّنة توقفنا عندها في الـ 3 نصوص. أخدنا جمل من هنا، ومن هنا. واتطور نقاشنا من محاولة تعريف الفن المنحط، للمقارنة بين الفن «الهادف» أو اللي يحمل «رسالة»، وبين الفن اللي مش بيعتمد المباشرة في طرح مواضيعه، وبيكون مشغول بالتعبير عن الأفكار اللي تهم صانعه أكتر.

ياسمين البرماوي: كنت بتكلم مع صديق، وسألته: يعني ايه منحط؟ فقالي ما ينفعش نطلق أحكام على فن كده. لكن بعد شوية من الدردشة، قدرت أكوّن مفهومي الشخصي عن ايه هو الفن المنحط، ولقيت إنه الفن اللي بيحمل أهداف موجهة وبنوظفه على أساسها.

نانسي منير: بس أنا ضد اعتبار «النحت» في الفن بإنه منحط. ممكن حد يعمل حاجة عشان يكسب فلوس كويسة، ودي حاجة أنا مش معترضة عليها.

ياسمين: متفقة معاكي. ما قصدتش الأعمال اللي هدفها الربح. قصدت الأعمال اللي بتخدم مصالح معيّنة، زي إن مموّل عاوزك تعمل فن له رسالة معينة عشان يغسل ذنوبه، أو الحاجات المعمولة بهدف البروباجندا، أو اللي بتروّج للعنصرية، ده تعريفي الشخصي تمامًا، وفي نفس الوقت ضد منعه.

محمد عادل: في رأيي، بداية المشكلة، هي معيار الثنائيات من الأساس: فن راقي وفن منحط، فن عميق وفن تافه، فن حقيقي وفن مزيف. عنوان الحفلة بيخلينا نطرح سؤال: هل «يحيا الفن المنحط»، معناها يموت أي فن تاني؟ لأ أنا شايف مش المفروض أي نوع من الفن يموت، أو يتلغي من الوجود. المفروض ثنائيات الحُكم دي ما تمنعش أي نوع من الفن، بالذات ثنائية منحط وراقي. الحفلة مش هدفها تقول إيه هو الفن المنحط، على قد ما غرضها إن ما ينفعش نستخدم الثنائيات دي للحكم على الفن.

ياسمين: كلنا متفقين على إنه «يحيا».

يسرا: واحنا في تاني أو تالت بروفة، لقينا إن كلنا في شغلنا، بيتملكنا أحيانًا خوف من إن الأغنية تطلع مباشرة جدًا، أو تجريدية زيادة، أو شكلها تجاري قوي. كإننا بنحط لنفسنا قيود، أو خوف إن الأغنية هتطلع منحطة بتعريف الواحد الشخصي، وده خلانا نفكّر شوية «طب ايه الحاجات اللي جينا نعملها وخفنا؟ طب يلا نعملها». عايزين نعمل حاجة من غير أحكامنا إحنا عليها، من غير الوقفات دي. المرة دي، واحنا بنشتغل مع بعض عشان الحفلة، جرّبنا نحرّر نفسنا من القيود دي، نعمل الحاجات اللي كنا بنخاف نعملها.

ياسمين: دي أحسن حاجة في الفكرة. إحساسنا إننا ممكن نعمل أي حاجة من دماغنا.

مها: بس أنا حتى لما باجي أكتب عن المزيكا، عندي مشكلة الأحكام دي. أنا شخص مش محترف، وما درستش مزيكا. يعني بحس إني مش في مكان يخليني أحكم على موسيقى. فدايمًا بسأل هينفع أصدر أحكام على موسيقى. لكن من ناحية تانية، فيه وجهة نظر، بتقول إن ده نقد، مش حكم. فالمسافة بين إطلاق الأحكام وبين النقد، بتبدأ فين وبتنتهي فين؟ ده سؤال مهم جدًا بالنسبة لي من وجهة نظر صحفية. فدلوقتي خدت بالي إن إنتم نفسكم، كصنّاع موسيقى، عندكم نفس الإشكالية.

ياسمين: المشكلة الأكبر في الحكم الذاتي، الرقابة الذاتية. إنك توقفي نفسك، أو تبقى عاوزة حاجة وماتكمليهاش.

نانسي: الصراحة، أنا مش هعرف أتخلص من إن فيه حاجات متعجبنيش. لما عملية إنتاج الفن تنطلق مثلًا من رغبة في إننا نعمل فن «بنَّاء» أكتر من اهتمامنا بإننا نعمل مزيكا كويسة، فساعتها لو هضطر انحاز، هنحاز للفن اللي مش عايز يقول حاجة غير إنه يعمل موسيقى حلوة. أحيانًا بيحصل إساءة استخدام للموسيقى كوسيط/ طريقة عشان عايز تحشَر رسالة سخيفة. إحنا عايزين نسمع مزيكا حلوة، مش لازم يبقى ليها هدف.

عادل: الإبداع في حد ذاته مجازفة. أنت بمجرد ما عملت عمل فني وعرضته على الناس، هتتعرض لجميع أنواع الأحكام اللي ليها لازمة، واللي ملهاش، واللي صح، واللي الغلط وده فيه مجازفة حقيقية.

يسرا: ده هو صلب الموضوع أصلًا، إنك بعد ما عملت الحاجة دي في أوضتك، طلعتها قدام الناس.

عادل: قدام الناس، وقدام نفسك.. دي مجازفة، وعنوان الحفلة فيه تشجيع على المجازفة دي. اللي هو اعمل حاجة، سيبك طلعت منحطة، طلعت أي حاجة، تمام. المهم خد المخاطرة دي. خلينا برضه نتكلم عن الفن مش بس مزيكا، مش عايزين نزنق الموضوع. الحفلة مش «تحيا الموسيقى» بس.

مها: وبرضه ساعات إطلاق الأحكام بيبقى بهدف إطلاق الأحكام بس، مش نقد العمل مثلًا. وعلى الناحية الأخرى ممكن ناس تمتنع عن الاشتباك مع أو نقد عمل فني، ويستخبوا ورا فكرة البوليتيكال كوريكتنس (الصوابية السياسية)، لعدم إصدار أحكام.. طب خلونا نتكلم أكتر عن الحفلة نفسها، وتحضيراتها، هل هنسمع آلات موسيقية معيّنة؟

يسرا: نانسي بتلعب 75 آلة طبعًا زي ما إحنا عارفين، وفي الحفلة دي هتستخدم كمان الثيرامين، ومحمد عادل بيلعب جيتار ، وياسمين بتلعب عود و إلكترونيك. وأنا هغنّي، وهلعب  أكورديون وكاليمبا. وهستخدم الفويس لووبر.

مها: طب وصلتوا لإيه لحد دلوقتي؟ عملتوا أغنية واحدة؟ كذا أغنية؟

يسرا: جربنا في أكتر من أغنية، والأغاني بتتغيّر وبتتطوّر، مع مناقشاتنا. من ضمن الأغاني اللي اشتغلنا عليها مثلًا أغاني قديمة بنحبها ولعبنا فيها شوية، وبعدين قعدنا نفكر هل وجود الاغاني دي تحت العنوان ده معناه إننا بنصفها بالانحطاط، هل هيطلع كأننا بنقول إن هو ده الفن المنحط.  فابتدينا نرجع في كلامنا. وبعدين فكرنا «طب ما نجرب نحطها تاني»، وهكذا. وجرّبنا نلعب الحاجات اللي ماعملنهاش في حفلاتنا الشخصية عشان كنّا بنتكسف مثلًا، أو لأي سبب.

مها: بس انتم لعبتم مع بعض قبل كده؟ قبل الحفلة دي؟

يسرا: مع نانسي وياسمين أبدًا. بس سجّلت مع محمد عادل قبل كده.

عادل: بس أنا ونانسي لعبنا مع بعض في ألبوم دينا الوديدي اللي فات.

مها: فيه أي حاجة عاوزين تقولوها، بخصوص الشغل اللي هنسمعه في الحفلة؟

يسرا: آه..  ما تاخدوش الموضوع جد قوي.

نانسي: الشغل ده كان فيه تحدي كبير عشان الوقت القصير. بس مش دايمًا الوقت الأطول هو الحاجة الكويسة، أحيانًا الوقت القصير بيخليه صادق زي ما طلع أول مرة.

عادل: أنا عندي قلق من إن يطلع حاجة تضرب في وشنا، وفي نفس الوقت عندي حماس. ممكن الناس كلها تتضايق ممكنا إحنا نتضايق. الموضوع مقلق، بس عشان السبب ده بالذات، أنا محتاج أخش فيه. لإنها مش محددة، ومش مؤكدة. هي اللي هو «تعالَ نشوف كده».

مها: اديتوني انطباع إن الأغاني هتبقى مختلفة جدًا عن أي حاجة عملتوها قبل كده.

يسرا: إحنا فعلًا بنحاول نطلع حاجة مش شبه اللي عملناه قبل كده.

اعلان