Define your generation here. Generation What

ذكريات ديكتاتورية!

منذ بيدبا الفيلسوف، بحكاياته عن كليلة ودمنة لترويض دبشليم الملك المستبد الظالم في الهند القديمة، لم يخلُ عصر من عصور التاريخ من هذا النوع من القصص أو الأمثال، بوصفه أكثر الوسائل أمانًا لتنبيه الطغاة لمغبة شرورهم، ولإقناع العامة بكذب مبررات الطغيان والظلم، وخداع الطغاة والظالمين.

لهذا السبب، تألقت أمثال وحكايات لا روشفكو ولا فونتين في عصر لويس الرابع عشر في فرنسا، تلك التي وصفها فولتير بأنها «أسهمت أكبر إسهام في تكوين ذوق الأمة الفرنسية، وبث روح العدالة، والميل إلى الدقة والإحكام»، أو كما قيل في وصف ذلك العهد الذي كان فيه يقول الملك «أنا الدولة»، بأنه ضرب من الاستبداد لطّفت حدته، وهوّنت من قسوته، الأمثولات التي كان يرسلها كبار الشعراء والكتاب.

ولهذا السبب أيضًا، تألقت في عصور الاستبداد القيصري في روسيا خرافات كريلوف وحكايات تورجنيف، كما انتشرت في عهد طغيان النزعة العسكرية البروسية في ألمانيا قصص وأمثال أبو التنوير الألماني الأديب والشاعر ليسينج، وقد تكرر مثل ذلك في كل المجتمعات في عصور الطغيان في جميع أنحاء العالم.

ومع الاعتراف بالقيمة الأدبية والفكرية العظمى لكل هذه النماذج، فإن عالم السياسة الواقعي يزودنا بوقائع حقيقية، قد تكون أبلغ تعبيرًا وأوضح دلالة على كارثية الطغيان السياسي من القصص الرمزي، التي قد لا يصل خيال مؤلفيها إلى ما تحتوي عليه من مهازل ومفارقات ومن انفصال مرضي عن الواقع، وهدم للبديهيات، ومن نقائص مخزية في شخصيات الزعماء وبطاناتهم.

وبطبيعة الحال، فإن العالم الثالث يحتل مكان الصدارة في إنتاج هذا النوع من القصص الواقعية التي نستعرض بعضها الآن.

مثلًا، سمعت من الدكتور بطرس غالي أن الرئيس الراحل أنور السادات كلّفه بالسفر إلى نيروبي في أواخر السبعينيات لمصالحة الرئيس الكيني دانيل آراب موي، الذي غضب بشدة من انحياز مصر للرئيس الصومالي، وقتها، محمد سياد بري في حرب أوجادين ضد إثيوبيا، ومن تزويد هذا الأخير بمساعدات عسكرية.

وكان موي قد غضب أيضًا لأنه خشى أن يؤدي انتصار الصوماليين في حرب أوجادين إلى فتح شهيتهم للحرب ضد كينيا، للسبب نفسه الذي غزت الصومال من أجله إقليم أوجادين الإثيوبي، الذي تقطنه أغلبية صومالية، بما أن كينيا تضم بدورها جزءًا من أراضي الصومال التاريخية منذ العهد الاستعماري.

كان بطرس غالي، أستاذ مادة التنظيم الدولي، يدرك أن الرئيس الكيني محق في غضبه، استنادًا إلى مبدأ قانوني دولي أرساه ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي الآن)، وهو عدم تغيير الحدود الموروثة من الاستعمار لتفادي اشتعال حروب لا نهاية لها في القارة حديثة الاستقلال، كما كان غالي يدرك أن السادات ساعد الرئيس الصومالي في الحرب ضد النظام الموالي للسوفييت في أديس أبابا، نكاية في الاتحاد السوفييتي، الذي كانت مصر قد انقلبت عليه بعد حرب أكتوبر.

لذا قرر الرجل، أي بطرس غالي، بينه وبين نفسه، كما حكى، ألا يدخل مع الرئيس الكيني في جدل سياسي أو قانوني يعلم أنه سيخسره لا محالة، في وقت يريد فيه النجاح لمهمته.

بدلًا من ذلك، وفي مواجهة الملامح المتحفزة لمستقبله، بادره المبعوث المصري منذ لحظة دخوله من باب غرفة المكتب، وهو يكاد يصيح بصوت متهلل أن «الرئيس السادات أرسلني لكي أنقل لكم تحياته وشكره على القرارات التاريخية التي أصدرتموها فخامتكم مؤخرًا»، وأن السادات كلف مجلس الوزراء المصري بدراسة هذه القرارات، واستخلاص ما يفيد مصر منها.

وهنا، يقول بطرس غالي، انفرجت أسارير الرئيس موي، واسترخت عضلات جسده، ومال بجذعه نحو المكتب في رقة، بعد أن كان الجسد منتصبًا ومتصلبًا إلى مسند المقعد، ليشير لغالي بالجلوس، وتنتهي الأزمة الأصلية من قبل حتى أن يبدأ أي حديث حولها، ويطلب من وزير خارجيته إقامة حفل عشاء فاخر للدكتور غالي.

يختتم بطرس غالي القصة ضاحكًا، وملخصًا فلسفة حكم ومنهج تفكير رؤساء دول العالم الثالث، وطريقة التعامل معهم، بالقول إنه كان قد حذّر مرافقه المصري في الزيارة من الضحك عندما سيسمع ما سيقوله. ورغم أن المرافق التزم بالتحذير، فقد سأل غالي بعد الخروج من مكتب الرئيس الكيني: «ما تلك القرارات التاريخية التي اتخذها الرجل، وأرسلك السادات لتحيته وشكره عليها، وكلّف مجلس الوزراء المصري بدراستها؟ إننا لم نسمع شيئا عن قرارات كهذه»، فرد غالي قائلًا: «يا رجل ألم تفهم حين حذرتك من الضحك، أني سألبّس موي العمامة كما يقول المصريون، وأنه سيسعد بها. فهل يوجد رئيس في العالم الثالث ليست لديه قرارات تاريخية كل يوم؟»

***

من عجائب رؤساء العالم الثالث، وفي مصر نفسها هذه المرة، ما حدث في مكتب رئيس الشؤون السياسية في الإذاعة المصرية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بمجرد انتهاء الرئيس الأسبق حسني مبارك من إلقاء خطابه، في الاحتفال بالعيد الماسي لجامعة القاهرة.

كانت القاعدة المتبعة، منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر، أن يعاد بث الخطاب الرئاسي كاملًا عدة مرات بعد نشرات الأخبار الرئيسية. وطبقًا لهذه القاعدة، فقد كان الخطاب يعاد بثه بعد نشرة الثانية والنصف في نفس اليوم، إذا كان الرئيس قد أنهى خطابه قبل الواحدة. كان مبارك قد أنهى خطابه قبل الواحدة بالفعل، ما حتّم إعادة بثه بعد نشرة الثانية والنصف.

لكن مشكلة عويصة طرأت، واكتشفها المرحوم الأستاذ أحمد الرزاز، مدير ما يُسمّى بـ«الأخبار الصوتية»، وهي الإدارة المسؤولة عن نقل وبث خطابات الرئيس، فقد دخل الرجل حائرًا على المرحومة الأستاذة آمال يوسف مديرة الشؤون السياسية، وهو يقول إن الرئيس أخطأ في الآية القرآنية التي اختتم بها خطابه، «إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ»، فنطق لفظ الجلالة مرفوعًا، ونطق لفظ «العلماء» منصوبًا، فأصبح المعنى أن الله هو من يخشى العلماء، وليس العكس كما هو المعنى الأصلي للآية، وعليه فإن السؤال: هل نعيد بث الخطاب بعد نشرة الأخبار بهذا النطق الخاطئ للآية، أم نحذف الآية من التسجيل الذي سيُبث؟ وكيف سنبرر لمن يعنيه الأمر حذف جزء من كلام الرئيس دون أن نوضح مسبقًا السبب الحتمي لهذا الحذف؟

نتوقف هنا برهة، لنلتقط المغزى العميق للسؤال، فالرجل الذي يشغل منصب مدير الأخبار الصوتية في الإذاعة لم يستطع وحده البت في الأمر، وكان في حاجة إلى قرار من مسؤول أعلى خوفًا من العواقب، فماذا حدث؟

ردت المرحومة آمال يوسف، رئيسة الشؤون السياسية بالإذاعة، بدورها قائلة: «والله ما أنا عارفة يا أحمد»، ثم أطرقت مفكرة بضع ثوان، ثم التقطت سماعة الهاتف، وطلبت رئيس الاذاعة، وحكت له الحكاية، ووجهت له نفس السؤال، ثم وضعت السماعة، وهي تقول لأحمد الرزاز إن رئيس الإذاعة سيسأل الوزير ويرد عليهما. وجاء الرد بعد عشر دقائق، بألا مانع من حذف خطأ الرئيس في التسجيل. وانفرجت الأزمة ومعها الأسارير.

ولكن هل كانت أزمة حقًا؟ وبصياغة أخرى لهذا السؤال، هل استحقت مثل هذه الواقعة أن تكون أزمة لا يحلها إلا وزير الإعلام شخصيًا، الذي كان ربما عليه أيضًا أخذ الإذن من الرئيس؟ للأسف، وبكل ثقة، فإن الإجابة هي نعم، لأن الوزير في مثل هذا النظام السياسي تعلّم عدم ترك كبيرة أو صغيرة، تتعلق بالرئيس، لمبادرة مرؤوسيه، تفاديًا لاحتمال حدوث سوء تقدير في إحدى المرات، يؤدي الى خطأ يطيح به هو نفسه من مقعده الوثير الخصيب، كما أنه في حاجة إلى استئذان الرئيس لتأمين نفسه من سوء الظن أو الوشاية.

وفي إحدى دولنا العربية، كان لأستاذ في إحدى الجامعات قريبٌ يعمل «سفرجيًا» لدى رئيس الدولة، وكان هذا الأستاذ يطمح لاختياره رئيسًا لجامعة، فوسًط قريبه السفرجي، الذي انتهز فرصة يوم كان الرئيس فيه رائق المزاج، وسيتناول الغداء بمفرده. وبعد أن جهز السفرة واستدار منصرفًا، توقف لحظة ليلفت نظر الرئيس لرغبته في قول شيء، لأنه لايصح أن يبدأ الحديث إلا إذا سأله الرئيس: فيه حاجة يا فلان؟

كان هذا ما حدث، فأجاب السفرجي أنه يرجو الرئيس شمول قريبه الدكتور فلان الأستاذ بالجامعة الفلانية بعطفه، فيختاره رئيسًا لهذه الجامعة.

هل غضب هذا الرئيس العربي مثلًا، من تجرؤ «خادم» على التوصية لديه باختيار رئيس جامعة مرة واحدة؟ أم هل شعر الرئيس مثلًا بالحاجة إلى مزيد من الاستفسار عن هذا الأستاذ ليتأكد أن مجاملته لخادمه لن تأتي على حساب بعض المعايير الأخرى المهمة؟

كلا، فقد رد الرئيس مبتسمًا: «حسنًا، لقد ذكرتني فعلًا. الملف موجود منذ أيام وقد نسيته. اصعد يا فلان وهاته من مكتب الطابق الثاني»، وجاء الملف، وفتح صفحة الجامعة المعنية، وسأل الرئيس السفرجي: «ما اسم قريبك؟» قبل أن يعيّنه رئيسًا للجامعة!

وقبل الانتقال من دولنا العربية وبقية دول العالم الثالث، أذكر هذه الحكاية من مصر، وقد وردت في كتاب للدكتور حازم قنديل عن النظام السياسي المصري، أي أنها ليست واقعة رأيتها أو سمعتها من أطرافها المباشرين، مثل الوقائع الثلاث السابقة.

تقول حكاية حازم قنديل إن أحد المقربين من عبد الحكيم عامر، النائب الأول لجمال عبد الناصر ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، طلب من عامر توصية، أو «قرارًا» إن شئنا تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، بشراء سيارة من إحدى شركات توزيع السيارات العاملة في مصر، دون التقيد بقوائم الحجز. ولما كان عامر لحظتها في مكان لم يتسن فيه الحصول على ورق للكتابة، فقد أخرج علبة سجائره، وقذف بمحتوياتها على الأرض، ثم نزع جانبًا من الغلاف ليكتب عليه: «عزيزي مدير شركة … رجاء تسليم حامله سيارة فورًا… الإمضاء عبد الحكيم عامر»، فهل كان هذا جبروتًا أم استعراضًا صبيانيًا للقوة والنفوذ، أم الاثنين معًا؟

ولأن الاستبداد ملة واحدة، فلم يكن ما يحدث في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية يقل غرابة وشذوذًا عما يحدث في دول العالم الثالث ودولنا العربية. ولندع عصر ستالين جانبًا، لأن مآسيه ومفارقاته تملأ الصفحات في كل الدنيا، ولنكتف بواقعة واحدة من عصر بريجنيف تلخص وحدها كل أسباب انهيار هذه القوة العظمى فيما بعد. فقد اختفى الرجل عن الأنظار داخل مقره الرسمي فترة طويلة، وعندما طال افتقاده أخذ معاونوه يبحثون عنه في كل مكان، ليكتشفوا أن الرجل مستغرق في نوم عميق فوق مرحاضه، في وضع «الإخراج»، وكانوا هم من أيقظوه ونظفوه وألبسوه، ومع ذلك لم يستطع النظام إقالته أو إجباره على التقاعد، رغم وصوله إلى هذه الحالة من المرض، وفقدان الهمة والتركيز، ذلك أن الاستبداد الطويل يفقد الأجهزة والرجال الهمة والكرامة، والقدرة على التفكير المستقل والمبادرة.

أما أعجب أمثلة الانفصال المرضي عن الواقع، فهي تلك التي ضربها إريك هونيكر، آخر زعيم شيوعي لألمانيا الشرقية، ففي بداية ظاهرة «احتجاجات يوم الاثنين»، التي اتسع نطاقها حتى حطمت سور برلين وأسقطت النظام كله، أصدر هونيكر بيانًا باسم المكتب السياسي للحزب الحاكم يقول فيه إن هذه الاحتجاجات تنذر بأن الشعب يوشك أن يفقد ثقة القيادة فيه، ولذا فالمطلوب من هذا الشعب العمل بسرعة وبكل قوة على استرداد هذه الثقة!

هل يوجد تعليق يناسب مثل هذه المأساة، وغيرها من المآسي التي قصصنا بعضها الآن؟ أليست هي بذاتها أبلغ من كل قصص بيدبا ولا روشفكو ولا فونتين، وكريلوف وتورجينيف، وغيرهم من كتاب الأمثال والخرافات، في وصف الطبيعة الشاذة والضارة بالشعوب للاستبداد والطغيان، وفي تصوير المستبدين والطغاة على حقيقتهم البشعة والبائسة؟

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد