X

بعض من ملامح الحياة في دمشق والغوطة

قبل ثلاثة أيام من بدء القصف العنيف على الغوطة الشرقية، استيقظت من كابوس، كان عبارة عن مشهد لا يمكن وصفه سوى بـ«القيامة»؛ أصوات صراخ وعويل، أناس تركض جيئة وذهابًا، لا تدري أين تذهب لتنجو بنفسها.

لم أكن قادرًا على رؤية وجوههم. لكن بعد لحظات رأيت رجلًا يجلس مرتاحًا على كرسي يتوسط غرفة أشبه بغرفة العمليات العسكرية، أو هكذا شُبّه لي. كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكان هادئًا، على عكس الكثيرين ممن انتابهم الهلع ولم أستطع رؤية وجوههم.

نظر لي، وقال بالعربية، وبلهجة سورية: «نصيحة إلك، طلاع من البلد، ولا ترجع، متل ما عم قلك.. إوعك ترجع!»

عندما صحوت، لم أستطع الاحتفاظ بهذا الكابوس بداخلي، فاتصلت بروائي صديق وأخبرته أنه بعد أن كان يأتيني حافظ الأسد في الحلم، وأحيانًا أخوه رفعت الأسد، مع جرعات كثيرة من «بشار الأسد»، فقد حلمت اليوم بأكثر كابوس مرعب بحياتي؛ فلاديمير بوتين شخصيًا. وحكيت له تفاصيل الحلم.

من شدة صدمة صديقي الكاتب الروائي، لم يستطع إلا الرد بسخرية. قال: «الجنرال في متاهة». فأجبته: «ويبدو أن الشعب السوري عارف طريقه».

بداية الكابوس

ولدت وعشت في حي جوبر الدمشقي، والذي يُعتبر تابعًا لمدينة دمشق، لكنه أيضًا بمثابة الحي الذي يفصل، من الجهة الشرقية، بين المدينة وريفها، حيث تبدأ بعده أحياء ريف دمشق، والمنتمية للغوطة الشرقية.

في حي جوبر بدمشق، وفي منتصف التسعينيات على ما أذكر، تلقيت أول درس سياسي في حياتي.

كنتُ على مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية. كانت بداية عامٍ دراسيٍ جديد، عندما قررت بعد انتهاء الدوام في المدرسة العودة إلى بيت جدتي للاطمئنان عليها.

في تلك الفترة كنت أفضّل قضاء الوقت في بيت جدتي أكثر من بيتنا، رغم الرفض الدائم من أبي وطلبه بعدم الإكثار من زيارتي لبيت جدتي، كي لا أضيّع الوقت في اللعب، وأهمل واجباتي المدرسية، إلا أنه كان يضعف عندما أتحجج بأن زياراتي هي فقط لمعاونة جدتي في تنظيف بيتها بمساحته الواسعة، ومن ضمنها فسحة سماوية وحديقة صغيرة، يجب الاعتناء بها يوميًا، وإن كان السبب في قضاء الوقت عند جدتي هو هذا البراح الذي توفره البيوت القديمة، وانبهاري الدائم بالبرودة التي توفرها في فصل الصيف جدران الغرف السميكة، المبنية من الطين والتبن.

 في ذلك اليوم، وبعد قيامي بتجليد الدفاتر، كل دفتر حسب نوع المادة والواجبات التي ستكتب عليه؛ دفتر للغة العربية، دفتر للفرنسية، ودفتر للرياضيات.. إلخ، وصلت للدفتر الخاص بمادة القومية، الذي سيحتاج لإضافة بعض التفاصيل إليه.

كان المطلوب وقتها، وبصيغة «الأمر العسكري» من قبل أستاذ القومية، هو وضع صورة للرئيس السوري حافظ الأسد، مع صورة لشعار حزب البعث الاشتراكي السوري.

عندما أخرجت الصور المطلوبة من حقيبتي لألصقها بغلاف الدفتر، أتى صوت جدتي، التي كانت جالسة خلفي تراقبني: ليش عم تحط صورة حافظ على الدفتر؟ وشو هي الصورة اللي جنبها؟

وقتها فسّرتُ السؤالين بكون جدتي أمية لم تدخل المدرسة، وحتى أولادها لم يكملوا تعليمهم، لذا غاب عنها بعض من تطور منظومة نظام الأسد وامتدادها، فلم يمكنها التعرف على شعار حزب البعث!

لكن صورة «الرئيس» استفزتها، كان رد فعلها كمن باغتتها صورة مرعبة من الماضي، لطالما حاولت تحاشيها في الحاضر.

بعد أن شرحت لها أوامر أستاذ القومية، فاجأتني هي أيضًا بحكاية سيقدر لها أن تؤثر في وبنظرتي للبلد، حكاية لم ترغب منها سوى أن تعرّفني جيدًا على سيادة الرئيس، والذي تعلمنا في المدرسة تسميته بــ«الأب القائد».

حكت لي جدتي يومها، بكل ما تحمله لغتها من بساطة، عن مجزرة مدينة حماة التي وقعت ما بين اليوم الثاني حتى الثامن والعشرين من شهر شباط/ فبراير 1982، والتي ارتكبها حافظ الأسد، مع أخيه رفعت الذي كان وقتها قائد سرايا الدفاع في الجيش العربي السوري.

وعندما أنهت القصة، قالت لي: «إوعك تحكي هالقصة قدام رفقاتك ولا قدام أبوك وامك واخواتك .. لحتى ما نختفي كلنا عن وش الأرض!»

في ذلك اليوم بدأت أدرك الكثير من تفاصيل العيش في بلد مثل سوري، حيث تتوجب علينا المراقبة بصمت من دون إبداء الرأي، وتدريب حاسة الحدس ولغة العيون تجاه أي آخر يُعرِّفه الوعي بـ«الغريب»، حتى يثبت العكس، وأخيرًا، معرفة أيَّ غول هذا الذي يتحكم بكل تفصيلة في البلد.

مثلًا، في سوريا علينا توخي الحذر من شخصين، أحدهما لا يتذمر حين يدخل أي مؤسسة حكومية في دمشق، لاستخراج جواز سفر، أو لتجديد البطاقة الشخصية، أو لإخراج قيد، يدخل ويخرج من دون أن يدفع رشوة، وعلى ملامحه ابتسامة رضا، وآخر ينتقد هذه المؤسسات، قبل أن يردف: «بس الرئيس والعيلة الكريمة ما دخلهم!»

 كل هذا أدى إلى حصر حرية «الكلام» عن مجازر الأسد، والتعذيب بسجونه، في أشخاص قليلين تثق بهم ويثقون بك. الآخر هو «غريب» دائمًا.

بشر وبطاطا

في صيف عام 2012 كنت في زيارة لإحدى صديقاتي في حي باب توما في دمشق. كانت والدة صديقتي تعمل مدرّسة في إحدى المدارس المجاورة. وزيارتي لصديقتي، صادفت زيارة أخرى قامت بها زميلة لأمها في البيت.

عندما جلسنا في في الفسحة السماوية للبيت الدمشقي ذي الطراز القديم، سمعنا صوت طائرات النظام تقصف حي جوبر، منطقتي، من سماء حي باب توما. نظرت صديقتي ووالدتها إليّ بصمت، ولم ينطقا بكلمة، أما «الزميلة» فقالت: «هي الطيارات عم تقصف جوبر، يا رب النظام يبيدها كلها وما يبقى حجر على حجر».

شخصيًا، التزمت الصمت. خفت من هذه المرأة، فربما لو صرحت لها أنني ضد النظام، تشي بي، وتؤذي عائلة صديقتي.

قالت لها صديقتي: «طيب والناس الموجودة؟ هدول مو حجر. هدول بني آدمين، ووين رح يروحوا في حال تدمرت بيوتهم»، فردت عليها ببرود: «إي مو مشكلة، منزرع بدل البني آدمين هونيك بطاطا».

ذكريات الغوطة

لم تنتبه زميلة أم صديقتي في جملتها هذه إلى أن البشر، سواء في جوبر أو الغوطة الشرقية أو أي مكان آخر، هم من يزرعون البطاطا، وليس العكس، وأن مكانًا بلا بشر، لا يمكن فيه للبطاطا أن تنبت تلقائيًا.

ربطتني بالغوطة الشرقية «ذكريات».

لم أتوقع يومًا أن أضعها في مكان ما من الماضي، المكان الذي لا تتوقع أن تُحرم من زيارته، لا يُصنّف تلقائيًا بوصفه مكانًا عليك تذكره كل يوم. ما تتذكره كل يوم هو المكان الذي غادرته ولن تعود إليه.

وأنا في الثانية عشر من عمري، بدأت علاقة أقرب للصداقة مع جدي، والد أمي، وكان على مشارف الستين من عمره. ولكون بيته قريبًا من بيتنا في حي جوبر، كنت أنتظر أيام العطلة لأذهب للنوم عنده. كان جدي يصحو كل يوم عند الساعة الرابعة فجرًا، يشرب قهوته، مع سيجارة من النوع الوطني «الحمراء الطويلة»، ثم يلبس ثياب العمل، ويركب سيارته السوزوكي ربع نقل، ويذهب بها إلى مزرعة كان يملكها في حمورية بالغوطة الشرقية.

في إحدى المرات كنا نشاهد في وقت العشاء فقرة مصارعة حرّة، الرياضة التي يتابعها جدي بحماس، وعندما جاء موعد الذهاب إلى النوم سألني: «شو رأيك تروح بكرة معي على المزرعة؟ منه بتغير جو ومنه بتسليني. وما بدي منك تساعدني بأي شي».

في البداية ترددت، لأني أعلم أن جدي، في حال كلفني بمهمة وفشلت بها، لن يكتفي بالغضب مني، بل سيسخر مني أيضًا، لكن خوفي من الرفض دفعني للموافقة.

في اليوم التالي صحونا في موعده المعتاد، في الرابعة فجرًا، شرب جدي القهوة، وحضّرت لي جدتي كوبًا من الحليب الساخن، وبجانبه قطع من الكعك بالسمسم. في الرابعة والنصف انطلقنا في سيارته. عندما دخلنا منطقة حمورية، وقبل الوصول إلى المزرعة، توقف جدي عند المحلات التي تفتح باكرًا، مثل فرن الخبز، ومحل الفول والحمص. اشترى جدي الخبز والمسّبحة والفول، وأكملنا طريقنا للمزرعة. وفوجئت بأنه بالفعل أوفى بوعده بألا يدعني أساعده بأي مهام، حتى تحضير الفطور.

لم أعرف عن جدي هذا الشغف بالزراعة، إذ أن مهنته الأساسية كانت النجارة، وعندما سألتُ جدتي، حكت لي أن الموضوع حب وهواية له.

لم نتحدث كثيرًا يومها، تركني أراقبه وهو يقوم بحصاد الأرض، ثم سقيها، ثم قطاف الفواكه والخضروات التي أثمرت وحان قطافها؛ يضعها في صناديق بلاستيك، ونعود في فترة ما بعد الظهر إلى البيت، ليوزع الثمار التي جلبناها معنا على كامل أفراد عائلته.

حفرت هذه المزرعة بخيالي أسلوبًا وشكلًا للحياة مغايرًا عما عشته في المدينة. هي حياة يمكنك أن تكون شريكًا وفاعلًا فيها، عكس المدينة التي تفرض أسلوبًا صارمًا من الحياة، ويتوجب عليك فيها شراء كل ما تحتاج إليه. لم يكن عليك في أرض جدي سوى زراعتها والعناية بها لتعطيك خيرًا وفيرًا، مقابل رعايتك وإخلاصك لها.

أما منطقة «زملكا» الملاصقة لحي جوبر، والتابعة لريف دمشق هي الأخرى، فكانت أيضًا مليئة بالأراضي الزراعية قبل أن تتحول أراضيها لمبان وعقارات سكنية. لم نكن نشتري الحليب من السوبر ماركت، وإنما كان هناك فلاح يملك أرضًا زراعية يربِّي فيها البقر والجواميس، وكنت أذهب إليه كل ما نفد الحليب من عندنا، أدخل للسيدة المسؤولة عن حلب البقرة هناك لآخذ منها حاجتي، وبسعر لا يقارن بأسعار السوق في المدينة. وفي حال لم أجد عندها، يكفي أن أتمشى في المنطقة المليئة بالمزارع والبيوت الطينية هناك، أطرق أي باب وأسألهم إن كان عندهم حليب، بيقين أني لن أعود إلى البيت خالي الوفاض.

تحت أرض الغوطة

مع بدء قصف الغوطة، بت أنام وأصحو على كوابيس حقيقية. التفاصيل التي أضافها الواقع هي ملامح الناس الذين لم أستطع رؤيتهم في الحلم. امتلأت صفحات الأصدقاء والصفحات التي أتابع منها الأخبار القادمة من الغوطة الشرقية على الفيس بوك، بملامح رجال ونساء وأطفال، تعلوها حالات الذعر والرعب؛ أبنية سكنية ومستشفيات باتت حطامًا على الأرض جراء سقوط البراميل المتفجرة والصواريخ البالستية، الدفاع المدني يخرج أناسًا، أحياءً وأمواتًا، من تحت ذلك الركام، ممن لم يستطيعوا الخروج من بيوتهم قبل سقوط برميل أو صاروخ على المبنى، صور يملؤها غبار كثيف لا يكسر لونه الرمادي سوى لون الدم.

لا تتوقف الصور والفيديوهات التي توثق عملية الإبادة الجماعية لأهل الغوطة، وتنقسم المشاهد الكارثية القادمة من هناك إلى قسمين؛ قسم لمشاهد الدمار والضحايا فوق الأرض، وقسم لمشاهد آتية من الأقبية تحت الأرض، أقبية غير مهيأة، تتسرب منها الرطوبة العالية، والعتمة، ورائحة المجاري، ومليئة بأطفال تنام على حصائر خفيفة، في طقس شديد البرودة، بالإضافة للقصف بالفوسفور وغاز الكلور، كل هذا مع قلة التغذية، وقلة المياه الصالحة للشرب، ورعب الموت بأي لحظة..

في الحصار الذي يفرضه النظام على الغوطة منذ خمس سنوات، لا خيار أمام هؤلاء سوى الموت السريع خارج الأقبية، أو الموت البطيء داخلها.

ما يجري تحت الأرض في الغوطة، لا يحتاج لإضافة الروح الفانتازية، أو الساخرة، على غرار فيلم «تحت الأرض» للمخرج الصربي أمير كوستاريكا مثلًا. هو يكتفي بذاته.

مراقبة ومتابعة ما يجري في سوريا، من خلال ذهن حاضر وعيون مفتوحة على اتساعها وضمير إنساني عصي على أن تغلفه إيديولوجيا فكرية، أو انتماء سياسي أو ديني، هي فعليًا محاولة للتدرب على التقاط الملايين من الأصوات التي تصرخ من داخل سوريا.