Define your generation here. Generation What
«واجب».. حين تصحو من حلم فلسطين الوردي
 
 

رغم أن المخرجة آن ماري جاسر استقرت معظم حياتها خارج فلسطين، إلا أن الأسئلة في بلدها الأم، حول الهوية، ومعنى الوطن، والتغيرات الاجتماعية، والاحتلال بقيت تمثل بالنسبة إليها مصدر إلهام تستقي منه الأفكار والحكايات

فهي بطريقة ما، تعود إلى فلسطين عبر أفلامها، فقد كانت ثريا في «ملح هذا البحر» (2008)، ورامي في الفيلم القصير «كأننا عشرون مستحيلاً» (2003)، كما كانت الطفل طارق في فيلم «لما شفتك» (2012)، وهي شادي في «واجب» (2017) آخر أفلامها، بحيث يبدو وكأنها أخرجت فيلمًا واحدًا طويلًا، أو سيرة ذاتية متعددة الأماكن.

يحكي «واجب» قصة الابن شادي، الذي عاد من إيطاليا بعد سنوات غياب طويلة، ليساعد والده في التحضير لزواج شقيقته بمدينة الناصرة؛ إحدى أكبر المدن التي احتلتها إسرائيل عام 1948، وبقيت ذات أغلبية عربية.

فاز الفيلم، بجائزتيّ «أفضل فيلم روائي»، و«أفضل ممثل» بالشراكة بين صالح بكري ومحمد بكري، في مسابقة المهر الطويل، بمهرجان دبي السينمائي الدولي في العام ذاته. كما ترشح عن دولة فلسطين في فئة أفضل فيلم أجنبي لجائزة الأوسكار في القائمة الطويلة،  لكنه لم يصعد إلى تصفيات القائمة القصيرة، وكان الأب محمد بكري مبدعًا بالمشاهد الصامتة، بينما مشاهد الحوار كان من الصعب سماعها.

وزمن الفيلم هو يوم واحد يقضيه شادي ووالده في المرور على العائلات، في طقس واجب تقليدي يسبق حفل الزفاف. وهنا تتصاعد المفارقات التي تختصر حكاية جيلين ليس على مستوى تفاوت عمريهما فقط، بل هي حكاية جيل تغرب، وآخر بقي بالبلد.

وقد بدت اللقطات الأولى من الفيلم، التي صورت الجولة الأولى للأب وابنه لتوزيع الدعوات، محبطة وتقليدية، وذات إيقاع شديد البطء، إلا أنها كانت بهدف مقاربة هذه العادة التقليدية بشكل واقعي.

وغاب الصراع الحقيقي خلال النقاش في هذه اللقطات، فقد اقتصر على انزعاج الأب من كون شادي يعيش مع صديقته الفلسطينية بإيطاليا دون زواج، فينبهُه أكثر من مرة إلى الفتيات الجميلات اللواتي يظهرن خلال زيارتهما للعائلات، التي تسلمت دعوات الزفاف. فحسب رأيه «هناك فتاة للتسلية وأخرى للزواج». أيضًا تجادلا حول لون بنطال شادي الزهري. وفي النهاية يكتشف الابن أن والده كان قد أخبر أقاربه طوال الفترة الماضية أنه يدرس طب في إيطاليا، وهذا لم يكن صحيحًا، فهو درس الهندسة المعمارية. وغلفت آن ماري جاسر هذه المواقف بروح كوميديا مُحببة، خففت من جدية الفيلم.

ورغم إحباط المشاهد الأولى، إلا أنه سرعان ما تليها مشاهد أكثر قوة، تشد من إيقاع الحكاية، وتمنحها التشويق، حين تبدأ قصة الأم في العائلة تتضح خيوط غموضها، وحين يكتشف أفراد العائلة أن دعوات الزفاف فيها خطأ بتاريخ الحفل، أوحين يتورط الأب والابن في واحدة من الشجارات بين سائقي المدينة، الذين يتميزون بسرعة فقدان صبرهم، وكأن المدينة فاضت بهم.

نقد المدينة

تصور آن ماري جاسر الشوارع والحارات في مدينة الناصرة بمشاهد حقيقية، وهنا يكمن الجانب الوثائقي من الفيلم، أحد سمات أسلوب آن جاسر الإخراجي في معظم أفلامها. فمثلًا احتوى فيلماها «ملح هذا البحر»، و«كأننا عشرون مستحيلًا»، على الكثير من المشاهد الحقيقية للمدن والشوارع والحواجز.

آن ماري جاسر مغرمة أيضًا بتصوير الأحداث، عبر حوارات من داخل السيارة، مثلما فعلت سابقًا في فيلميها «ملح هذا البحر»، و«كأننا عشرون مستحيلًا». إلا أن السيارة في «واجب» جزء من الحكاية وذكريات العائلة قبل أن تتركهم والدتهم، التي هاجرت إلى أمريكا لتلحق حبيبها ما جعل العائلة مضغة في أفواه الحي والأقارب، ليصبح حضورها الزفاف أمرًا ضروريًا لالتئام جرح العائلة أمام الناس، ورد الاعتبار للأب. فيبقى هناك توتر وانتظار لقدوم الأم التي لم تقرر بعد.

ومع أن الفيلم يبدو وكأنه يأخذك في جولة سياحية بمدينة الناصرة، ولكنها سياحة «عكسية»، فهي ليست لإظهار محاسن المعمار، وجمال الطبيعة، بل هي لانتقاد بيئة المدينة وعمرانها، وانعكاسها على طبيعة العلاقات بين الناس، حيث الشجار المتكرر، وتبادل الشتائم بين سائقي السيارات والازدحام. وكأن الفيلم يقول أن المدينة تغيرت، أو أن الحداثة وإدارة الاحتلال السيئة، والعادات الاجتماعية الرجعية، رسخت فيها القبح والكراهية. تتجول الكاميرا بين مشاهد لتكوُّم النفايات، وتدمير البيوت القديمة الأثرية، عبر بناء طوابق إضافية فوقها، أو وضع «شادر» أخضر عليها كمظلة. وهذا ما يثير جنون شادي، الذي عاد ليكتشف تشويه المباني الأثرية، التي لا تقدر بثمن، بأبخس مواد البناء.

بجانب انتقاده العمراني، يوجه الفيلم نقده الاجتماعي للمدينة، متناولًا بعض الموضوعات كالمعاملة المهمِّشة للنساء المتحررات، وتقديس الزواج التقليدي، واعتبار الحب نوعًا من الخطيئة. مع الأخذ في الاعتبار أن الفيلم يتحدث عن ثقافة طبقة متوسطة غالبيتها عائلات مسيحية.

الاحتلال كأمر واقع

في تصويرها للاحتلال، تعمدت آن ماري جاسر، أن تخفي أكثر مما تظهر، بمعنى أن تترك التفاصيل الصغيرة هي التي تخبرنا بالحكاية، ولم تتطرق إليه بشكل مباشر، كما فعلت في أفلامها السابقة، حين ركزت على  تصوير الحواجز بين المدن الفلسطينية، وفي المخيمات، وإنما مرت عليه كجزء من واقع المدينة، حيث صورت العدو وهو يتناول غداءه في مطاعمها، ويتمشى بالزي العسكري في شوارعها.

فالاحتلال هذه المرة لم يكن قصتها المحورية، وإنما صورت كيف عشش في كل مكان؛ في حياة الناس اليومية، وفي شكل المباني المتزاحمة والسيارات المتلاصقة، والمدينة التي لم تعد ذاتها، وسط بطالة واضحة على لسان شبابها وشاباتها، وكأن المدينة تلفظهم، في حين أن شوارع المحتل ومنازله في المكان ذاته تبدو هادئة وواسعة وخالية من أي منغصات حتى للعين.

وتظهر هذه المشاهد دون صراع مباشر، بل عبر نافذة السيارة، ومن خلال الحوار بين شادي ووالده. ويحدث الجدل الحقيقي الأول بين الأب والابن؛ حين يقود الأب سيارته إلى منزل صديقه الإسرائيلي ليعطيه دعوة زفاف، فيرفض الابن بحجة أن الأخير جاسوس لجهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك». بل هو السبب في هجرته لأوروبا، لأنه قد أبلغ عنه في مراهقته بسبب نشاطه السياسي، فهرب كي لا يتم اعتقاله. يرفض الأب تصديق هذه الاتهامات لصديقه، ويستمر الشجار بينهما إلى أن يدهس الأب بسيارته القديمة كلبا تملكه امرأة إسرائيلية. وحين تبدأ مناداة كلبها، يهرب الأب بالسيارة وسط اعتراض الابن.

في مشهد لاحق تتكرر محاولة الأب الذهاب لدعوة صديقه الإسرائيلي، ويتشاجر الإثنان في حوار أكثر حدة يزايدا فيه على وطنية ومبادئ بعضهما البعض. ويعاير الأب «شادي» أن والد صديقته الغني في إيطاليا وهو المناضل السابق في منظمة التحرير من الممكن أن يكفي مصروفه لمخيم بأكمله، وربما يكون صديقه الإسرائيلي أفضل من الفاسدين باسم النضال، وهنا صرخ «شادي» في والده أنه يعاني منذ صغره وهو يراه يحاول ترضية «الإسرائيليين» من أجل ترقية في عمله، فهو يرى أن المحتل يبقى محتلًا. وهنا يفترق الأب والابن مع اقتراب الليل، فيغادر الأب بسيارته وهو غاضب، وكأنه على وشك أن يصاب بسكتة قلبية. هكذا تصدم آن ماري جاسر المشاهد، الذي يتوقع أن الجيل الأصغر المغترب هو الأكثر تخليًا عن القضية والأرض، لكن كما عادة آن ماري جاسر تحطم ما يتوقعه المُشاهد، وأحياناً تحطم ما تدفعه هي لأن يتوقعه خلال الفيلم.

تحطيم رومانسية صورة فلسطين

وإذا كانت المخرجة في هذا الفيلم قد عرضت الكليشيه السياسي أو الاجتماعي، فذلك كي تحطمه، كما فعلت في فيلمها السابق «ملح هذا البحر»، حين حطمت أصنام القضية عندما قدمت شخصية ثريا، الفتاة الفلسطينية الرومانسية التي تعود إلى فلسطين الحلم، لتستعيد مال جدها، حاملة شعار العودة، والتي سرعان ما تتحطم صورتها الوردية، عندما تستمع لكلام عماد وصديقه الفنان، اللذان يريدان الهجرة والرحيل عن فلسطين، ويسخران من أيقونة القدس وكونها هدف التحرير، ومن ثريا وأوهامها، فهما يعيشان تكلفة هذه الأوهام على أرض الواقع، أو كما يقول عماد لثريا: «بتفكري فلسطين برتقال؟ ولا يافا برتقال؟ هذا وهم».

إلا أن الفرق بين «واجب» وبين «ملح هذا البحر»، أن الأخير كان يعج بخطاب مباشر عن الاحتلال، تجلى في مشاهد حواجز التفتيش بين المدن الفلسطينية، والنقاش مع الشرطة الإسرائيلية ومواطنين إسرائيليين. أما في «واجب»، فقد تعمدت المخرجة أن يكون الحوار هو البطل، وليس الحدث نفسه. فالفيلم لا يحوي الكثير من الأحداث، فهو مثًلا لم يعرض حفل الزفاف في النهاية، ولم يعطنا فرصة للتعرف على الوالدة إطلاقًا، ولم يشر حتى لقرارها بالمشاركة من عدمها، بل يجتمع الأب والابن في الشرفة في ذاك المساء، بعد شجارهما ليشربا القهوة ويدخنا السجائر ويتناقشا في شال فستان الزفاف.

الحيرة التي قدمتها المخرجة آن ماري جاسر في أفلامها حول الهوية وحقيقة العلاقة مع الآخر الإسرائيلي وكينونة النضال، والسؤال عن العدو الحقيقي للقضية، احتاجت السينما الفلسطينية زمنًا طويلاً لتعبر عنه بصراحة ودون مواربة، وبشكل صادم كما فعلت آن جاسر، في الوقت الذي سبقها الأدب الفلسطيني في التجرؤ على طرح مثل هذه المواضيع، في رواياته وقصصه القصيرة، وعلى لسان أبطال غسان كنفاني، خاصة في رواية «عائد إلى حيفا»، وكذلك روايات سحر خليفة وغيرهما من الأدباء. لكن تتفوق اليوم السينما على الأدب في هذا النقد الذاتي والوطني فهو الوسيط الأكثر مرونة، وشعبوية في تصوير التحولات.

اعلان
 
 
أسماء الغول