Define your generation here. Generation What

تدوينة عن الفوتوغرافيا والسلاح

بعد أن كنت اعتقدت أن الفوتوغراف، مثله مثل غيره، فقد سحره الذي يفتنني؛ عاد من جديد مرة أخرى ليؤكد اختلاف وجوده في حياتي، وسعدت باختلافه وداريت حوله بيديّ لعلي أمنع الريح أن تضيع نوره.

أدهشني حرصي عليه، وجهلي به الذي يزيد متابعتي له بشغفٍ متجدد لأقع في حبه كل مرة كأول مرة درسته فيها؛ تحديدًا كلما اقتربنا من الفيلم فوتوغراف وممارسته كحرفة، تشغل فيها بالك ويديك في غرفة مظلمة تمامًا، إلا من بعض الضوء الآمن أحيانًا، حيث يضفي أحمره جوًا جرائميًا أستطيب حضوره. «ينقصني مسدس والله»، أقول وأنا أنظر إلى القفازات البيضاء في يدي.

لو تساءلت مثلي عن سبب جرائمية مشاعري، لوجدت أن «بدايات الفوتوغراف في ستينيات القرن الثامن عشر اعتمدت على مستحلب اكتُشف كمنتج ثانوي في حركة تصنيع المتفجرات، بالإضافة إلى أن آلية بعض الكاميرات المبكرة اعتمدت مباشرة على آليات الكولت ريفولت».

هذا ما يخبرنا به المصور آدم برومبيري في محاضرة له مع زميله أوليڤر شانارين على اليوتيوب، حيث يحدّثاننا عن جوهرية العلاقة بين تكنولوجيا السلاح والفوتوغراف. آدم مواليد جوهانسبرغ وأوليڤر مواليد لندن، حيث يقيم كليهما الآن، ويعمل الرجلان كفريق واحد منذ التسعينيات.

تتبعتهما فترة على اليوتيوب؛ يقدمان أعمالًا تتميز بصريًا بالبساطة الواقعية، ويدعمها الفريق بخلفيات تاريخية دسمة تكشف عن وعيٍ سياسي ووعيٍ بضرورة وجوده، والبركة في البداية والنهاية لصاحبي كارل النرويجي الذي عرّفني عليهما، في قعدة ممتعة لمتنا في بلكونة بيتي حيث أقضي معظم وقتي.

***

«بلكونة البيت غرفتك الثانية» تقول ستينا، إحدى زميلاتي في السكن. 

السجائر بالطبع هي السبب الأول الذي يدفعني لقضاء أغلب وقتي فيها، بالإضافة إلى أنها بلكونة واسعة يميزها، في مدينة مثل مالمو، علوها النادر الذي يصل للطابق العاشر. من خلال البلكونة، تمكنك مراقبة المدينة كلها، تتمدد من ثلاثة اتجاهات أمامك، بانتظام معمارها وتشابهه وتساوي ارتفاعاتها، واتحادها باتخاذها الأحمر القرميدي لونًا لسقوفها.

أحكي عن البلكونة لأنني اكتب منها الآن، وعلى الطاولة كأس من القهوة بالحليب والكثير من السكر الذي كلما حاولت التخفيف منه وجدتني أفرط في استخدامه، وهذا مثال قد يكون عظيمًا لقدرته على تلخيص جانب هام من حياتي، ولا أعرف حقيقة هل هذا مدعاة للفخر أم للعزاء. اسأل سؤالي وأنا أتمتّع بموسيقى برنس، أهز كتفيّ. موسيقاه التي تفرض شحناتها الكهربائية على جسدي أن يكون طوعًا لها. أنبسط لسماع غنجه، وأردد كلماته معه، وأرسم قصة جديدة في خيالي كلما سمعت أغنيته «دعنا نتجنن.. let’s go crazy» والأهم أنني أرقص أينما كنت، في غرفتي في البلكونة، في العمل، في الحمام، وحتى في الغرفة المعتمة التي تخلو من الأضواء، نعم؛ لكنها لا تخلو من الموسيقى.

جذرية العلاقة بين تكنولوجيا الفوتوغراف والسلاح

في كتابها «حول الفوتوغراف»، تناقش سوزان سونتاغ أخلاقيات العلاقة بين المصور وموضوعاته، متجهة نحو العلاقة بين الفوتوغراف والحرب، في معرض عرضها التاريخي لدورة حياة بعض المصورين الأمريكيين وهوسهم بالتقاط المأساة، محللة ذلك باعتباره نوعًا آخر من الاستعمار، وممارسة السلطة التي تفرضها الكاميرا كسلاح في يد المصوّر.

لم تستند سونتاغ فقط على الترادف اللغوي الذي يجمع هذه التكنولوجيات، (كلمة shoot تعني كلًا من أطلق النار والتقط صورة) بل وعلى انعكاس هذا الترادف في الواقع؛ ومع ذلك تبقى العلاقة بينهما أبعد من اللغة، بل إن اللغة ومجازاتها نتيجة ثانوية للعلاقة الأصيلة التي تربط الفوتوغراف بالسلاح.

يؤكد هذا كتاب «إمبراطوريات وصور»، في سردٍ تاريخيٍ موجز لاستخدامات المستحلب الذي أشار إليه آدم برومبيري في محاضرته سابقًأ، وهو نترات السيليلوز (القطن المتفجر)؛  مادة متفجرة وصلت إلى حالتها الأخيرة بغمس القطن في حمض النكتريت، وعلاقته كمربط فرس في حركة تطور تكنولوجيا الفوتوغراف والسلاح.

ينتهي الكتاب بسرده أخيرًا إلى جورج إيستمان؛ مصور رحالة من نيويورك ألغى رحلته إلى سانتو دومينكو لثقل حمولته وصعوبة الحفاظ على جودتها: «لا بد أننا قادرون على حمل أقل من عربة يجرّها حصان» لالتقاط صورة، كما كتب لاحقًا في نفس الكتاب، وقد تكون رحلته هذه هي السبب الذي سيقوده في العام 1885، مع شريكه ويليام والكر، لاختراع أول ورقة فوتوغرافية سالبة بطلائها بالقطن المتفجر، ليتحاشى حمولته الثقيلة في سفرياته.

قبلهما بعام، كان المخترع الفرنسي فييليه، متأثرًا بالقطن المتفجر للفوتوغراف، قد أضاف مادة الجلاتين إلى القطن المتفجر، ليستخدم خليطه بعد ذلك في طلاء لوح ورقي ويقسمه إلى رقائق صغيرة عند جفافه.

لفييليه هذا، ولألفريد نوبل الشهير، الذي سيعتمد على القطن المتفجر هو الآخر في اختراعه للديناميت، الفضل الأكبر في جلتنة القطن المتفجر، ما ساعدهما على الوصول إلى بارود بلا دخان، لينتقل البارود إلى مرحلته الجديدة.

كان هنري ريخنباخ يعمل في شركة «كوداك إيستمان»، ووصلها بناء على توصية من رئيسه في الجامعة، حيث كان يعمل كمساعد جامعي، في الوقت الذي احتاج فيه صاحبنا جورج إيستمان لمن يعينه في بحوثه، ليصل ريخنباخ في العام 1889، وعبر نسخ طريقة الفرنسي فييليه ولصقها، مع تغيير في مواده الكيميائية المستخدمة بإضافة الميثانول، وهو مادة سحيقة القدم، استخدمها الفراعنة في تحنيط أمواتهم عبر استخراجها من الخشب المتحلل حراريًا، إلى القطن المتفجر، لينتج السيلولويد في النهاية؛ مادة بلاستيكية شفافة مستقرة نسبيًا يمكن صبُّها على لوح ورقي، ومن ثم تقطيعه بعد جفافه إلى رقائق، منتجًا بذلك أول بكرة فيلم فوتوغرافية آمنة، وكنتيجة لذلك توازى تطور الفوتوغراف مع البارود، لاعتمادهما نفس المواد الكيميائية؛ فكما صار بامكانك يا معلم أخذ مزيد من الصور وفي وقت أسرع، صار بإمكانك أيضًا إطلاق رصاص أكثر وفي وقت أقل.

دعنا نهرب من دراما الفوتوغراف إلى رومانسيته وأنسه؛

لأخبرك أن تصوير الفيلم فوتوغراف، وأعني هنا استخدام تقنيات ما قبل الفوتوغراف الرقمي، يعطيني فرصة أعمق وأصلب لفهم وتحسين لغتي الفوتوغرافية، أكثر مما يفعل الرقمي، حيث تفرض تقنيات الفيلم بطئًا لذيذًا يساعدني على التأني والاختيار بوعي، والألذ من هذا كله هي الفترة الفاصلة بين التقاط الصور وتحميض الفيلم لطباعته، وفيها يُقلى مخي على نار شمعة منتظرًا النتائج. والنتائج غالبًا لا تسر، أعني حتى هذه اللحظة، لكن في غرفتي فيلمين جديدين جاهزين للتحميض وأتوقع منهما شيئًا جديدًا.

الأفلام الثلاثة الأولى التي حمّضتها كانت كارثية، لجهلي العميق، والذي سيضمحل فيلمًا بعد الآخر، بأساسيات بسيطة مثل ثبات مقدار حساسية الفيلم للضوء، والعلاقة الحيوية والمتبادلة بينه وبين فتحة العدسة، وأخيرًا سرعة الغالق.

اعلان
 
 
محمود المنيراوي