Define your generation here. Generation What

عن التصوف وعقاقير الهلوسة (2-3): هل يمكن التخلي عن «الأنا»؟

«أنا الأفعى التي تمنح المعرفة والبهجة والمجد المشرق وتحرك قلوب الرجال بالسكْر. لكي تعبدني عليك شرب الخمر والمخدّرات الغريبة، حيث سأقول لنبيي: كن سكرانًا، كن قوياً، آه يا رجل! الشهوة، استمتع بكل أمور المشاعر والوجد، وانتشِ. لا تخف من أي إله ينكر عليك هذه الأشياء.»

هذا ما قاله في موقع «فيتيرانز توداي»، أليستر كراولي، المشهور بالسحر ومؤسّس حالة الوصول إلى التحقق الكامل عبر المخدرات، والذي كانت لكتابه «القانون» عواقب بعيدة المدى في القرنين العشرين والحادي والعشرين.

بطريقة تُذكرنا بابن عربي في كتابه «فصوص الحكم»، والذي زعم أن النبي محمد هو من أَملاه عليه، يقول كراولي إنه كتب كتابه هذا في مصر، في ثلاثة أيام من العام 1904، مسميًا مؤلِّف الكتاب «إيواس»، ومعرفًا إياه بأنه كان وزيرًا في مصر القديمة.

كان كراولي متمردًا على القيم المسيحية التي تربّى عليها، ولكن بدلًا من أن «يُرَوْحنها»، كما فعل الصوفيون مع الإسلام، أطاح بها، بحسب هيو أوريان من جامعة ولاية أوهايو الأمريكية، الذي يرى أن كراولي أطاح عمدًا بكل القيم الراسخة؛ رفضها سريعًا عندما كبر ليحلَّ السحر محلها.

الفطر.. الطعام السحري

تعتمد عقاقير الهلوسة، الـ«دي إم تي» والـ«إل إس دي»، على استخدام مشتقات الفطر «المشروم»، وتعود فكرة استخدام مشتقات الفطر لأغراض دينية إلى عصور قديمة.

في نفس المقال بموقع «فيتيرانز توداي»، يقول كولن ويلسون، وهو مؤلف كتب مُعمّقَة حول الروحانيات في العصور الوسطى، إن الفن في جميع أنحاء شمال أوروبا التقليدية يُظهر عفاريت وسحرة محاطين بنباتات الفطر، وهو عادة فطر «لايبرتي كاب»، ويُعرف الآن بـ«السيلوسيبين»، وهو الفطر ذاته الذي استخدمه شامانات الأمريكيون الأصليون منذ حوالي أربع آلاف سنة.

وفي رفض للقيم المسيحية، أشار كراولي لهذا التقليد قائلًا إن الدين الحقيقي عليه، بجانب الطقوس التي يُطلق عليها «النبيذ والنساء والأغاني»، استدعاء ديونيسيوس، إله الخمر اليوناني، وأفروديت، إلهة الحب اليونانية.

جدير بالذكر أن الفطر الأيرلندي يسمى بوكين، بمعنى «الإله الصغير»، بحسب ويلسون.

ولكن كراولي يعود ويحذر من كون الاعتياد على الفطر قد يسبب انخفاضًا في إنتاج السيروتونين في الدماغ.

يحدد المقال التأثير النفسي لتلك العقاقير في كونها تُسبب عدم وجود ضبط ذاتي، حيث يمكن لمتعاطيها الجدال من أجل الجدل، سواء كان مؤمنًا بما يقوله أم لا، ويجد نفسه مدفوعًا للحديث عن أشياء يعلم أنها قد تسيء إلى الناس، ويعتقد أن هناك روحًا تصاحبه، وأنه مُنجّم موهوب أو نبيّ.

يقول ويلسون إن العقاقير المخدرة تؤثر على شلِّ العقل المنطقي، ووضع القوى غير الواعية في مقعد القيادة الشخصية، وصحيح أنه قد تصدر عنها اكتشافات جميلة مختلفة، لكنها كثيرًا ما تكون مصحوبة بنوبات ذعر.

الفطر: تجربة الذروة

تجربة العقار لها طقوس وأباء روحيون ومريدون. أحد المريدين كان إبراهام ماسلو، الذي سمى التجربة «تجربة الذروة».

يقول الباحث جويس ميلتون في إشارة لماسلو: «رغم أن مواضيع ماسلو لم تكن دينية، إلا أنه تحدث عن تجارب شبه صوفية أدت إلى رؤى إبداعية دائمة، حيث يتحد الشعور الفردي نفسه مع الكون، بلا أنا، إلى الدرجة التي يكون فيها كليًا مع نفسه. يحدث ذلك عندما يضيع الراقص في الرقصة، ويتحول الكاتب بفعل الكتابة، وتتوحد الأم بالطفل في مشاعر صوفية. ورغم عدم وجود شيء صريح دينيًا [في التجربة] إلا أن ذلك يمكن أن يفهم في سياق علم النفس الديني».

وبدوره يقول كراولي: «لا قانون يتخطّى الإرادة. كل رجل وامرأة نجم. كلمة ‘خطيئة’ هي قيد»، تلك العبارات الثلاث التي بشرت بنهاية المسيحية وبمولد فجر عصر جديد.

رئيس وزراء الأسيد

بعد تعاطيه عقار الأسيد، يجلس الكيميائي نيك ساند، والذي سعى لجلب عقار الـ«إل إس دي» للعالم، بحسب جريدة النيويورك تايمز، عاريًا على هيئة نبات اللوتس، أمامه النار تطقطق في الخشب. مستسلمًا للتجربة، يغسله شعور بالسلام والفرح، يشعر نفسه وكأنه ينتقل إلى مناطق بعيدة من الكون.

يقول ساند عن التجربة: «كنت سابحًا في فضاء أسود هائل»، ويضيف في فيلم وثائقي عُرض عام 2015 بعنوان «صناع الشمس المشرقة»: «قلت ماذا أفعل هنا؟ فجأة جاءني صوت عبر جسدي قائلًا: عملك على هذا الكوكب أن تصنع هذا العقار وتحوّل العالم».

تعلق الـ«نيويورك تايمز» أن ساند تلقى التعليمات مثل النبي موسى على الجبل، وتضيف أنه تدرب في مختبر أوسلي ستانلي، ولُقّب في أمريكا بـ«رئيس وزراء الأسيد»، وباتت منتجاته الأكثر شهرة، وعرفت باسم «برتقالة الشمس المشرقة»، وكان لها أثر بارز في أواخر الستينيات، حيث موسيقى الروك وتجمعات الهيبيين.

ربما لا ندهش أن ساند، الذي قضى جزءًا كبيرًا من حياته هاربًا من الملاحقات القضائية في أمريكا، كانت له هوية أخرى؛ انتمى ساند لحركة السانياسيين، حيث تتلمذ على يد المعلم الصوفي الهندي أوشو، وارتدى الزيّ البرتقالي، لون الحركة السانياسية التابعة لأوشو، مع قلادة من الخرز الخشبي، واختارت له تلك الطائفة اسم «برافاسي» بدلًا من نيك ساند.

رسم تخيلي لراهب سانياسي هندي

انضم نيك ساند/ برافاسي إلى أوشو في عام 1981، وانتقل الجميع إلى ولاية أوريجون الهندية مع معلمهم، ولحقهم برافاسي وعائلته، وعملوا في مزرعة لعدة سنوات.

عاد برافاسي إلى كندا، وصنع الأسيد، وضبطته الشرطة في عام 1998 بكمية كبيرة من الأسيد تكفي سكان كندا مرتين، بحسب وصف النيويورك تايمز. ثم أُعيد إلى كاليفورنيا للخدمة في السجن لثلاث سنوات، ولم تقتصر نشاطاته في السجن على تكوين مجموعات اليوجا والتأمل وحسب، ولكنه تمكن من جلب الـ«إل إس دي» إلى الزنزانة عن طريق زوجته، ثم أُطلق سراحه في عام 2005 لينتقل إلى الإكوادور.

في وثائقي «صناع الشمس المشرقة» الذي عُرض عام 2015، يقول ساند/ برافاسي إنه لم يندم على ما فعله: «إذا كان بإمكاننا تغيير الجميع في العالم، حينها ربما يكون لدينا عالم جديد من الحب والسلام».

«سمادهي» زائف ومختصر

يقارن أوشو، المعلم الهندي، بين تجربة تعاطي عقار الـ«إس إس دي»، وبين حالة السمادهي، وهي تجربة إشراقية في التصوف الهندي.

في عام 1970، وفي شقته في مومباي، وصف أوشو لزائر أمريكي عقار الـ«إل إس دي»، قائلًا عنه إنه يشبه نوعًا من «السمادهي المختصر والزائف». وأضاف إن المخدرات تسمح للّاوعي بإسقاط التجارب السابقة التي يريد إسقاطها، ولكن التأمل طريق أطول وأصعب من العقاقير للوصول إلى السمادهي، أو الحالة الصوفية.

وتأتي المكافأة الكبرى في شكل أصيل وخبرة دائمة (أو «مقام» بلغة الصوفيين)، بدلًا من من «الدماغ العالية»، فيما تمكننا تسميته بـ«تجربة المتجاوز» أو «عبادة الباري» أو بـ«السُكْر الذي يدوم لساعات»، ثم تعقبه توبة، أي صحو إلى الحالة العادية.

أوشو، المعلم الهندي الصوفي، في السبعينيات

يعقب كاتب المقال في «أوشو نيوز» بأنه يتوجب عليه الانحناء وشكر كل «تريبات» الأسيد؛ لقد فتحَت أمامه أبواب الإدراك، وإن كان بطريقة كيميائية: «بالنسبة لي، وأظن أنه بالنسبة للكثيرين، قد ثبت أنها نقطة انطلاق إلى التأمل والتصوف الروحاني».

ويقول موضحًا «أحوال» و«مقامات» الأسيد: «حقيقية كانت أم متخيلة، فتجربتي الأولى مع الأسيد رائعة، إنها مؤقتة [مثلها مثل «أحوال» الصوفيين]، تقذفك بعيدًا عن المواقف التي كنت تعرفها من قبل. لقد استفدت منها في تعليمي ومهنتي كصحفي [على غرار «مقامات» الصوفيين]».

ويضيف كاتب المقال: «لم أكن أريد للتريباية أن تنتهي، ولكن بالطبع لا خيار لديّ. كان هذا جزءًا من الاتفاق».

بعد أيام طويلة عاد الإدراك الذاتي، ولكن الرحلة تطلبَت منه ترك الأسيد والذهاب إلى الشرق، حيث التصوف والتأمل والبوذية، وما وجده عند أوشو كان تجربة تشبه الحالة المزاجية العالية التي تمنحها المخدرات. يقول عن نفسه: «تنتابني أحيانًا رؤى مماثلة لتلك التي جاءت لبرافاسي، من تحول العالم عبر التأمل بدلًا من المخدرات، وتحويله إلى مكان أكثر محبة وسلامًا».

للوصول إلى «أحوال» و«مقامات» الصوفيين، استخدم أوشو المخدرات، مفضلًا نوعًا يُسمى في الهند بـ«سوما»، مكونًا من النيتروجين والأكسجين. يقول: «استخدمت الكيمياء. أردت أن أرى إذا كان ممكنًا أن أرى المرتفعات التي رآها بوذا ويسوع ولاوتزو.. وأعتقد أن هذا ما حدث».

ولكن أوشو عاد في نهاية حياته وقال: «فهمي الخاص هو أن الـ’إل إس دي’ يعطي لمحة عن السمادهي، ثم يجب أن تُمحى كل هذه الآثار السيئة لما بعد التعاطي، لأنه مادة كيميائية، وتحت سيطرتنا. الآثار السيئة هي المشكلة، لذا يجب أن تُمحى ويجب أن يصنع ‘إل إس دي’ آخر».

 ماذا إذا اختفت «الأنا»؟

ربط الصوفيون بين الجسد الترابي الفاني وبين الأنا والذكريات والطموح والرغبة في السلطة وامتلاكها والضعف أمام شهوات الدنيا وملذاتها.

ربطوا بين فقدان الأنا (يقول متصوف: «لا أنا إلا أنا»)، والتوحد مع الطبيعة (يقول البسطامي: «سبحاني ما أعظم شأني») والذوبان في «المتعالي» (يقول البسطامي: «لا إله إلا الله، لا أنت إلا أنت، لا أنا إلا أنا»)، وبين أن يتحقق المرء في كينونة خيّرة خالقة أكبر منه (يقول البسطامي: «لا إله إلا أنا فاعبدوني»، ويقول الباري في حديث قدسي: «يا عبدي أطعني أجعلك ربانيًا تقول للشيء كن فيكون»).

وفي تجربة قد تكون مشابهة لتجربة انسحاق الأنا هذه، اختبر علماء نفس مادة السيلوسيبين الكامنة في عقار الأسيد على 15 شخصًا، ووضعوا عقولهم تحت جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، ووجدوا أن المادة تُحدث انخفاضًا في النشاط المألوف لدوائر في الدماغ تحافظ على الشعور بالذات، فخمنوا أن تلك المناطق، النشطة في الأحوال العادية، هي المسؤولة عن تجارب الماضي التي تشكل الأنا والشخصية.

تتغير الشبكات العصبية تحت تأثير السيلوسيبين، وتخلق نظامًا وروابط جديدة خاصة بها، تجعل الأفراد يفقدون الشعور بالأنا، وأكثر تواصلًا مع البيئة المحيطة؛ يرون الأصوات ويسمعون الألوان، فيما يعطي شرعية للسؤال الجوهري للمقال: هل تشبه تريبات الأسيد تلك الفيوضات الربانية العلوية لدى الصوفيين؟

اعلان
 
 
أحمد شهاب الدين