Define your generation here. Generation What
الرسالة الأولى من «رسائل إلى شاعر شاب» أو كيف يمكن الحديث عن العمل الفني؟
 
 
لشاعر النمساوي «ماريا ريلكه» (1875 – 1926)
 

في حديث رائق مع صديق، تساءلنا عما يعتبره كل منا «كتبًا مقدسة» في مكتبته، بالمعنى الأدبي. واتفقنا على أن تلك الكتب هي التي (أ) نستمر في العودة إليها مرارًا حتى بعد قراءتها عدة مرات، (ب) وتظل قادرة على القيام بحوار مع قارئها والتفاعل معه، (ج) برغم مرور الزمن عليها وعلينا هي تلك التي تستحق هذا اللقب. كانت مجموعة «رسائل إلى شاعر شاب» أول نص رشحته خلال حديثنا ينطبق عليه تلك المواصفات.

لا أتذكر كيف أو متى تعرفت على هذا النص أو مؤلفه الشاعر النمساوي «ماريا ريلكه»، لكني ربما قرأتُ له اقتباسًا على السوشيال ميديا. أنا ارتاب أساسًا من المنصات الافتراضية عمومًا، ومن الاقتباسات بالأخص لكن دفعني الفضول كفاية لكي أدعبس وراءه. وخلال قراءتي الأولى لنصوصه، كان يصيبني شعور بأني «اتكيّفت»، فكوّنت قناعة أن الشعر الجيد مثل الكيف الجيد.

أما بالنسبة للشاعر النمساوي «ماريا ريلكه» (1875 – 1926)، فهو يُعتبر اليوم أحد أهم شعراء القرن العشرين واشتهر باستخدامه تعبيرات باطنية، وصور مُستوحاة من الطبيعة وتناول آلام الحياة، وتحدياتها وأحزانها بحساسية وبصيرة جعلت قصائده قادرة على توليد نقاشات مع قرائها بعد مرور حوالي قرن على صدورها. وقد قضى ريلكه حياته متنقلًا بين ألمانيا، وفرنسا التي مكث فيها فترة، كما سافر إلى روسيا مرتين، والتقى خلال إحدى المرات تولستوي الذي أثّر فيه كثيرًا، وتجول في أوروبا بين إيطاليا وفيينا وأسبانيا وتونس ومصر. أما زيارته لمصر، فلا يٌعرف الكثير عنها لغياب أي وثائق تؤرخ لهذه الرحلة.

«رسائل إلى شاعر شاب» هي إذًا مراسلات امتدت بين 1902 و 1908، تبادلها الشاعر ماريا ريلكه مع «فرانز كابوس»، وهو طالب بالكلية «العسكرية الثريسية» القابعة في شمال شرق النمسا آنذاك. بعد وفاة ريلكه بثلاث سنوات في 1929، جمّع كابوس مجموعة الرسائل، وكتب لها مقدمة صغيرة، ونشرها بعنوان «رسائل إلى شاعر شاب». يحكي كابوس حكاية تلك المراسلات في مقدمة كتابه إذ يقول أنه في خريف 1902، وبينما كان يقرأ كتاب شعر لريلكه في ساحة الكلية، اقترب منه «بارسون هوريجاك» وكان الأخير قسيسًا للأكاديمية آنذاك، وتصفّح الكتاب، ثم صاح «أصبح تلميذنا ماريا ريلكه شاعرًا إذًا». كان ريلكه بالفعل تلميذًا في الأكاديمية من عقد مضى وحفز هذا التعليق كابوس على التواصل معه، فأمسك بقلم وبدأ في صياغة رسالته الأولى؛ عازمًا على إرسال نماذج من قصائده إليه يطلب فيها رأيه، ويشاركه صراعه الداخلي وتردده بين مهنة العسكرية التي تنتظره، ورغبته في كتابة الشعر.

في بداية تعرفي على المجموعة، تساءلت عن فحوى الرسائل التي كتبها كابوس التي حفّزت ريلكه على تلك الإجابات، إلا أني اكتشفت سريعًا عدم أهمية ذلك إذ كان لريلكه تقليد في المراسلات الأدبية بينه وبين أصدقاءه امتد أبعد من هذه المجموعة وكان يستخدمها باعتبارها وجوه مختلفة لذاته، ومرآة يستطيع من خلالها الكشف عن نفسه الخجولة بطبيعتها أمام العالم.

لغة الرسائل الأصلية هي الألمانية، أما النص المُترجم التالي، فهو الرسالة الأولى ترجمتها عن الإنجليزية، ومع علمي بصدور ترجمة سابقة للمجموعة بأكملها عام 1997 على يد الناقد المغربي أحمد المديني ترجمها عن الفرنسية، إلا أن تعذّر حصولي على النسخة، وقناعتي إن «اللي بيحب نص بيترجمه»، وأن النص الواحد يحتمل عدة ترجمات بطبيعة الحال، هو ما دفعني لترجمة هذه الرسالة، التي تتناول مدى قدرة النقد على الحكم على العمل الفني، وضرورة الكتابة من عدمها بالأساس، والحياة اليومية وثرائها، وما يجعل العمل الفني جيد.

ريلكه

باريس

17 فبراير 1903

سيدي العزيز،

وصلتْ رسالتك منذ عدة أيام. أريد شكرك على الثقة العظيمة التي استودعتني إياها. هذا كل ما أستطيع فعله. لا أستطيع مناقشة أبياتك، إذ أن أي محاولة للنقد ستكون غريبة عليّ. لا شئ يبتعد عن عمل فني مثل كلمات النقد، إذ دائمًا ما تفضي إلى سوء فهم تتفاوت حظوظه. الأشياء ليست ملموسة وقابلة للتصريح كما تجعلنا الناس عادة أن نصدق؛ معظم التجارب غير قابلة للتصريح وتحدث في فضاء لم تدخله كلمة من قبل، وأكثر من أي شئ آخر، لا يمكن الحديث عن الأعمال الفنية، تلك الكينونات الغامضة والتي توجد حياتها بجانب حياتنا الصغيرة العابرة.

بهذه الملاحظة كمقدمة، دعني أقول لك أن أبياتك ليس لها أسلوب خاص بها مع أن بها بدايات صامتة ومختبئة لشئ شخصي. أشعر بذلك بوضوح بالذات في القصيدة الأخيرة «روحي». هناك، شئ مِنكّ يحاول أن يصير كلمة ونغمة. وفي القصيدة الجميلة «إلى ليوباردي»، ربما يلوح نوع من أنواع اللطف مع هذا الرمز المتوحد والعظيم. ومع ذلك، القصائد ليست بعد شيئًا ما في ذاتها، ليست بعد شيئًا مستقلًا، حتى «إلى ليوباردي» وتلك الأخيرة. رسالتك اللطيفة التي رافقتهم ساعدتني في إيضاح أخطاء عدة شعرت بها خلال قرائتي لأبياتك، مع أنني غير قادر على تسميتهم بدقة.

تتساءل إن كانت أبياتك صالحة على الإطلاق. تسألني أنا؟

لقد سألت آخرين قبل ذلك. ترسلهم إلى مجلات. تقارنهم بقصائد أخرى وتنفعل عندما يرفض بعض من المُحررين أعمالك. الآن (وبما أنك صرحت برغبتك في نصيحتي) أتوسل إليك أن تتوقف عن فعل ذلك. أنت تنظر إلى الخارج، وذلك هو أكثر شئ يجب عليك تجنبه في الوقت الحاضر. لا أحد يستطيع نصيحتك أو مساعدتك، لا أحد. شئ واحد يتوجب عليك فعله. ابحث بداخلك. اكتشف السبب الذي يأمرك بالكتابة؛ انظر إذ كان قد مد جذوره في عمق أعماق قلبك؛ اعترف لنفسك إن كان سيتوجب عليك أن تموت إن حُرِمَت عليك الكتابة. أكثر من أي شئ، أسأل نفسك في أكثر ساعة ساكنة من ليلتك: هل يجب عليّ أن أكتب؟

أوغل بداخلك من أجل إجابة عميقة. وإن صدحت الإجابة بالإيجاب، إن واجهت هذا السؤال المهيب بـ «يجب عليّ» قوية وواضحة، إذّا ابن حياتك وفقًا لهذه الحاجة: حياتك بأكملها – حتى في أكثر لحظاتها تواضعًا وفتورًا – يجب أن تصبح دليلًا وشاهدةً على هذا التوجه. إذًا، اقترب من الطبيعة. ومن ثم، وكأن لا أحد قد حاول فيما قبل، حاول قول ما تراه وتشعر به وتحبه وتخسره. لا تكتب قصائد حب؛ تجنب هذه الأنماط التي قد تكون عادية وسطحية أكثر من اللازم: هن أصعب ما يمكن التعامل معه، وتتطلب قوة عظيمة مكتملة النضوج لخلق شئ شخصي، حيث تقاليد جيدة، بل عظيمة توجد بوفرة.

إذًا، انفد بجلدك من هذه المواضيع العامة، واكتب عما تقدمه لك حياتك اليومية أو صِف أحزانك ورغباتك، الأفكار التي تعبر برأسك وإيمانك بجمال ما. صِفّ هؤلاء بإخلاص صامت ومتواضع صادر من القلب. وعندما تعبر عن نفسك، استخدم الأشياء التي حولك، صور من أحلامك والأشياء التي تتذكرها. إن بدت حياتك اليومية فقيرة، لا تلمها، لُمْ نفسك؛ اعترف لنفسك أنك لست بشاعر كفاية لتستدعي ثراءها، لأنه للمبدع لا وجود للفقر، ولا للمكان العادي الفقير. وحتى إن وجدت نفسك في نوع ما من السجن، جدرانه لا تسمح بنفاد أي من أصوات العالم – ألن تظل تملك طفولتك، تلك الجوهرة التي لا تقدر بثمن، تلك الخزنة من الذكريات؟

وجه انتباهك إليها. حاول أن تنتشل المشاعر الغارقة لهذا الماضي الضخم؛ ستضحى شخصيتك أقوى، وستتسع وحدتك، وتصبح مكان تستطيع فيه أن تعيش في التجلي، حيث يمر ضجيج الآخرين بعيدًا في الأفق. وإذ، من هذا التوغل في الداخل، من هذا الانغمار في عالمك، تأتي قصائد، إذًا لن تفكر في سؤال أي أحد إن كانوا جيدين من عدمه. ولن تحاول إثارة اهتمام المجلات بتلك الأعمال: إذ ستراهم كممتلكاتك العزيزة الطبيعية، وقطعة من حياتك وصوت منها. العمل الفني جيد إن نبع من الضرورة. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع الشخص الحكم بها عليه.

إذًا، سيدي العزيز، لا أستطيع منحك أي نصيحة إلا هذه: أن تبحث بداخل نفسك وأن ترى مدى عمق المكان الذي تتدفق منه حياتك، وعند منبعه ستجد الإجابة لسؤال إن كان يجب عليك أن تخلِق أم لا. اقبل بتلك الإجابة، كما مُنحت إليك بدون محاولة تأويلها. ربما ستكتشف أنك مدعو لتكون فنان. إذًا، خذ هذا المصير على عاتقك وتحمله، بأعبائه وعظمته، بدون أن تتساءل أبدًا عن أي جائزة يمكن أن تأتي من الخارج. فالمبدع يجب أن يكون عالَم من أجل نفسه، ويجب أن يجد كل شئ في نفسه وفي الطبيعة، التي يكرس حياته كلها لها.

لكن بعد هذا التعمق في داخلك وفي وحدتك، ربما سيتوجب عليك التخلي عن أن تصبح شاعرًا ( مثلما قلتُ، إذا كان المرء، يشعر أنه يستطيع العيش بدون كتابة، إذًا يتوجب عليه ألا يكتب إطلاقًا). ومع ذلك، حتى حينها، هذا البحث الذاتي الذي أطلبه منك لن يكون من أجل لا شئ. لا تزل حياتك ستجد مساراتها من هناك، وأن يكونوا جيدين وغنية وشاسعة، هذا ما أتمناه لك، أكثر مما أستطيع قوله.

ماذا أستطيع أيضًا قوله لك؟ يبدو لي أن كل شئ له مقداره المناسب؛ وأخيرًا أريد إضافة قطعة أخرى من النصيحة: أن تستمر في النضوج، بصمت وجدية خلال كل تطورك؛ الذي لن يمكنك تعطيله بشكل أعنف، أكثر من نظرك بالخارج، وانتظارك لإجابات خارجية لأسئلة، فقط شعورك الحميمي، في ساعته الأكثر سكونًا، قد يستطيع إجابتها.

كان من سروري إيجاد في رسالتك اسم البروفيسور «بارسون هوريجاك»، عندي تقدير عظيم لهذا الرجل اللطيف العليم وامتنان استمر خلال السنوات. هل لو سمحت أبلغته بحقيقة شعوري، من اللطف جدًا منه أن يظل يفكر فيّ، وأنا ممتن لذلك.

القصيدة التي استودعتني ثقتك إياها، أعيدها إليك. وأشكرك مرة أخرى على تساؤلاتك وثقتك الصادقة، والتي من خلال إجابتي لها بقدر ما استطعت من أمانة، حاولت أن أجعل من نفسي مُستَحق أكثر بقليل، كغريب، مما أنا عليه فعليًا.

تفضل بقبول فائق الاحترام،

رانيير ماريا ريلكه.

اعلان
 
 
أحمد السروجي