Define your generation here. Generation What

عن التصوف وعقاقير الهلوسة (1-3): هل يمكن تعريف «الوجد»؟

«لفّ عقلي وخرج عن السيطرة بسبب تلك اللحظة، تكثفت مشاعري وأنا أفكر فيما أختبره، أتفاعل مع القوة التي تتجاوزنا كبشر. كنتُ في حالة فكرت فيها بتلك الطريقة ورحتُ معها، حالة تسببَت في هلاك الأنا، وأخذَتني في رحلة عبر الجنة والجحيم.

أغلقتُ عيني، واندفعتُ إلى ما أعجز عن وصفه إلا بالبُعد الآخر، شعرتُ بوعيي منفصلًا عن المشاعر العادية، لم أرَ في حياتي إلّا مجرد مرحلة صغيرة من مراحل الواقع. حياتي أضحت لا نهائية، عنصرًا صغيرًا في سلسة وجودية انحرفَت عني بنمط كسوري، رأيت الماضي والمستقبل لوعيي متجاوزًا حياتي الحالية، إلى ما وراء الكون.

… أسعدني هذا المفهوم سعادة لا نهائية، شعرتُ كما لو أن الجنة تُرحب بي؛ أخذتُ فكرةً عمّا يحدث بعد الموت».

لم تكن هذه رؤيا صوفية لأحد الأولياء أو البوذيين، ولم تنجم عن ممارسة تأمل أو أداء لطقس ديني، إنما لـ«سايكادول»، وهو اسم مستعار لحساب على موقع «ريديت» للتواصل المعرفي. وبطل الكلمات، كما يحكي في منشوره، شاب تعاطى عقار الـ«إل إس دي»، والذي يصفه الأدباء بأنه «كشفي» و«ملهم»، بينما يطلق عليه الأطباء اسم «عقار الهلوسة»، وهو محظور قانونًا في معظم دول العالم.

تطرح تجربة الأسيد، الـ«إل إس دي» وشقيقه «دي إم تي»، ويُعرّفها أصحابها بالـ«تربّاية»، منذ اختُبرت في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، الفترة التي شهدت ازدهار الهيبيين الذين تعاطوا العقار، تساؤلًا حول إمكانية فهم تجربة المتصوفة والأولياء، ببعدها الروحي والإنساني، عبر استخدام تلك العقاقير.

تصور بصري لـ«تربّاية» الإل إس دي.. جوناثان زِجارا

نحاول هنا مقاربة التجربة الصوفية عبر «تريبّات» الأسيد، وهي المحاولة التي تطرح تحديًا كبيرًا: ألا تنجم أحوال الصوفيين ومقاماتهم إما عن هبة من الله، أو من مجاهدات روحانية؟ هل تحددها حركات الخلايا العصبية في عقولنا التي تتغير بفعل هذه العقاقير؟ ألا يضرب احتقار الجسد ورغباته في جذور التجربة الصوفية؟

ما الذي يعنيه بالأساس الوجد الصوفي؟ هل يمكننا وصفه؟ هل يشبه النرفانا مثلًا لدى البوذيين، وإشراقات الرهبان؟ هل يُشترط فيه الإيمان بعقائد معينة، والمثول لطقوس بذاتها كشرطٍ لازمٍ من شروط المريد لمقاربة «ذوقية» تقربنا من فهم أحوال الصوفيين ومقاماتهم؟

يسألونك عن الروح

لا بد أولًا من فهم كيفية رؤية المتصوفة للروح، لأن تجربة التصوف هي في جوهرها تجربة «روحانية»، تعبّر عن نفسها بـ«عاطفة الحب»، التي أكسبتها الصوفية بُعدًا وجوديًا يتعشّق في الله أو الكائن الأسمى.

يقول الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي إن حياة الجسم الظاهرة هي من آثار حياة الروح، كالنور الذي يظهر في الأرض من الشمس، فإذا مضت الشمس تبعها نورها لتبقى الأرض مظلمة، وكذلك الروح، إذا رحلت عن الجسم إلى عالمها الذي جاءت منه تبعتها الحياة، وبقي الجسم في صورة الجماد في رأي العين، فيُقال «مات فلان»، وتقول الحقيقة «رجع إلى أصله»: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى».

هكذا فهم المتصوفة الطاقة التي تجعلنا نرى ونشم ونتذكر ونفعل ونرغب ونكره.

كما أشار ابن عربي في كتاباته أن الرب سمّى الروح «هباءً»؛ «لا تنقسم، ولا تتجزأ، ولا تتصف بالنقص. هي كالبياض الموجود في كل أبيض بذاته وحقيقته».

لدى خلق الزمان، خلق الرب بحركته الروح المدبرة، ويسميها شيخ العارفين ابن عربي «روح محمد النبي»، ثم صدرت الأرواح عند الحركات، فكان لها وجود في عالم الغيب دون عالم الشهادة.

الروح حركة عصبية؟

اقترح بعض العلماء تعريف الروح بوصفها «نشاط الأعصاب المرتبط بعملية الإدراك»، وحاججوا من يتمسّك بتأبّي العقل على إحاطة العلم به، بأن المادة أيضًا أثبتت أنها تنطوي على تحديات مشابهة، خاصة لدى دراسة العناصر فائقة الصغر مثل الجزيئات والإلكترونات والكويركات، حيث يسود الشك وانعدام اليقين.

ولكن ماذا لو أعدنا تعريف «الروح»، متخليين عن المفهوم اللاهوتي لها باعتبارها «الجزء الخالد في كينونة الإنسان أو الحيوان»، وحاولنا تبني مفهوم أكثر عصرية، لنقول إن المجموع الكلي للجوهر العصبي، الاتصالات العصبية، التشابك، وتدفق الناقلات العصبية، هي ما تجعلك أنت؟

بحسب هذه الرؤية، تخدّر عقاقير الهلوسة/ الكشف، الـ«إل إس دي» أو الـ«دي إم تي»، الدوائر العصبية المتعلقة بالإحساس بأنا والهوية، لتتحرك الخلايا العصبية في دائرة أوسع من المخ، في مناطق لم تتحرك فيها من قبل، وهو ما يحرر صاحبها من وجهة نظره الدوجمائية، فيتفهم التعددية، ويغرق في أمواج المحبة والسلام؛ ينتشي ويقع في حالة بصرية تختلف عن الإدراك البصري العادي.

هل نملك كلمات لوصف الوجد؟

يحاول أستاذ الفلسفة يوسف سلامة، في دراسة له بمجلة «جامعة دمشق»، تفسير الخبرة الدينية وفقًا للفينومينولوجيا، وهي فلسفة ظاهراتية تتخذ من الاستجابة الحدسية للظاهرة نقطة انطلاق، فيتساءل: هل من الممكن العثور على لغة مناسبة لوصف الخبرة الدينية المتعلقة بأهم تجربة دينية، وهي تجربة الله أو الكائن المتعالي؟

التحدي الأبرز والأكثر جوهرية في وصف التجربة الصوفية، بطابعها العاطفي المتعلق بالخبرة الدينية، أن تكون «ذات جدارة أبستمولوجية»، أي معرفية: هل يمكننا تعريف هذا الوجد الصوفي، ومعرفته؟

بحسب ما استعرضه يوسف سلامة في مقاله، فقد لاحظ المفكر الأمريكي وليام ألستون أننا لا نمتلك مفردات متطورة بصورة ملائمة لنستخدمها في «وصف الكيفية الفينومينولوجية للخبرة الصوفية». كما يشكّك الصوفيون أنفسهم في إمكانية فهم التجربة الصوفية إلا لدى من عايشها، فيقول محمد عبد الجبار النفري، صاحب «المواقف والمخاطبات»: «كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة»، ويقول: «هذا هو حالك وأنت تكتب فكيف حالك وأنت لا تكتب؟»، ويقول الإمام الحلاج: «من ذاق عرف».

يقول ألستون إن الله هو الموضوع المباشر للإدراك الصوفي، ويحدّد أكثر مكمن عجزنا عن وصف التجربة الصوفية بقوله: «لا نستطيع بناء أي تضايف بسيط بين الشروط المثيرة أو المنبهة للإدراك الصوفي، وبين أنواع من الخبرة التي قد تظهر تحت شروط كهذه».

يصعب وصف الخبرة الصوفية، مقارنة بالخبرة الجمالية العادية، مثل أن يدير أحدنا وجهه نحو النسيم، حيث يتيسر لنا وصف تجربة كهذه، لأنه «من السهل أن نعيد خلق الشروط المثيرة أو المنبهة لمثل هذا النوع من الخبرة».

ولكن في النهاية لا ينبغي أن يمنعنا عجزنا عن إيجاد مفردات ملائمة من محاولة وصف الخبرة الصوفية بشكل معرفي.

المتصوفة أنفسهم، أصحاب العلم الباطن، يقسّمون الأمور لظاهر وباطن، فللإسلام مثلًا بنظرهم ظاهر وباطن؛ الظاهر متعلق بالجوارح، أي بالحواس، والباطن بالقلب.

ولكن غيرهم، بحسب سلامة، يرى أن الخبرة الصوفية «حالة للوعي الخالص أو للشعور الخالص: خالص بمعنى أنه ليس الوعي بأي مضمون تجريبي، إذ ليس له من مضمون سوى ذاته».

هل يختلف إله الصوفيين عن غيرهم؟

في كتاب «مدارات الصوفية»، يقول المفكر الصوفي العراقي هادي العلوي، إن المتصوف يتذاهن مع السماء مباشرة، ويصل إليها بلا وسيط، ويؤول الوحي من جبريل باعتباره رمزًا يُفسَّر ويُؤوَّل ولكن لا يُجسَّد، ويُسقط المتصوفة السلطة الدينية بينهم وبين السماء.

ولاحظ هادي العلوي أن المتصوفة استخدموا كلمة «الباري» بدلًا من «الله» أو «الخالق»، مفسّرًا هذا بأنه ينمّ عن اتجاه لإعطاء إله المتصوفة اسمًا خاصًا ومختلفًا، ليُقرّبه من مفهوم المطلق الذي تدور حوله الأشياء، ويكون هو مرجعها من غير أن يتميّز عنها أو ينفصل.

ويسير العلوي خطوة أخرى ليجد أنه يمكن تشبيه إله الصوفيين المسلمين بآلهة التاويين، أكثر مما يمكن تشبيهه بآلهة «المتدينين»، فيقول: «التصور الصوفي للخالق يختلف عن التصور الديني، فالحق لا يوجد في جهة ولا يحويه مكان، لكن التاويين والصوفيين اعتادوا في تأملهم على التوجه إلى السماء، بما يشير إلى اعتراف ضمني بإله الأديان.»

ويستعرض يوسف سلامة تجربة أخرى يطلق عليها «خبرة التوهم»، ويقصد بها «فاعلية الخيال القادرة على إنتاج خبرات متوهمة قائمة فيما وراء الحياة بل وفيما بعد الموت»، ويستشهد هنا بالصوفي الحارث المحاسبي: «الصورة الأساسية للإبداع الصوفي عند المحاسبي هي قدرة المخيلة على توهم خبرات يمر بها المؤمن يوم القيامة تبتدئ بالاستعداد لدخول الجنة وتنتهي بمعاينة الحق ذاته».

ويلفت نظرنا هنا الغموض المنتشر في عموم أدب الصوفية وتعاليمهم؛ ما الذي يعنيه «التوهم»؟ هل يعني أن نتخيل أنفسنا في يوم القيامة، نعيش انفعالات خيالنا ذاتها إلى الدرجة التي تصبح فيها حقيقية، ثم نقابل الحق ذاته بعد ذلك في النهاية؟

ربما تعمّد الصوفيون عدم الإفصاح عن تجاربهم بشكل دقيق، إما خوفًا من سوء التفسير لمن لم يختبر «توهماتهم»، وإما للقمع الذي عانوه من أهل الظاهر والرسوم، أي الفقهاء.

أحوال ومقامات

يُقسّم المتصوفة درجة المريد وتنقلّه بين المراتب الروحانية بـ«الحالات» و«المقامات»، والحال هو المعنى الإنساني الذي يختبره المتصوف كهبة من الله، إما لأنه من طبيعة المتصوف ذاته، أو أنه عارض يأتي ويزول، أما «المقام» فهو ما يسعى إليه المريد، ويحاول الوصول إليه باجتهاده وتقربه، وهو هنا ثابت.

يقول المتصوفة في أدبياتهم، بحسب يوسف سلامة، أن الحال «معنى يرد على القلب من غير تعمد منه، ولا اجتلاب، ولا اكتساب لهم من طرب أو حزن أو بسط أو قبض أو شوق أو انزعاج أو هيبة أو احتياج».

والمقام: «ما يتحقق به العبد بمنزلته من الآداب مما يتوصل إليه بنوع تبصر، ويتحقق به بضرب تطلب ومقاساة تكلف».

ويقولون في الفرق بين الأول والآخر: «الأحوال مواهب والمقامات مكاسب، الأحوال تأتي من غير الوجود، والمقامات ببذل المجهود».

«التوهم» واختبار «المتعالي»، وعبادة «الباري»، و«الوعي الخاص»، في أحداث مُتخيَّلة ومُعتقَدة لما بعد الموت، كل هذا يكون مصحوبًا بـ«أحوال» و«مقامات»، ولا ينفصل عنها، مثل الالتزام بمقامات الصدق والصبر والرحمة.

وبينما نحن نقارب تلك الأحوال والمقامات بعيون علماء الأعصاب، تثار أسئلة أخرى: هل لاختبار «المتعالي» أثر مادي ملموس في الخلايا العصبية؟ هل هناك طريق آخر، مثل عقاقير الهلوسة، كما سنبين لاحقًا في الجزأين التاليين، قد يثير الأثر ذاته على تلك الخلايا، أي تُقلب الآية، ويكون الأثر هو ما يسبق التجربة الصوفية؟ هل يمكن هذا؟

اعلان
 
 
أحمد شهاب الدين