Define your generation here. Generation What
مشاهد من العريش: رحلة البحث عن طعام في مدينة محاصرة
 
 

في ساعة مبكرة من صباح الخميس 22 فبراير الماضي خرج خالد محمد، الشاب الثلاثيني، من منزله وسط مدينة العريش، متوجهًا إلى أسواق المدينة، آملًا في الحصول على بعض الخضروات والسلع الغذائية التي نفدت من المدينة مع بداية العملية الشاملة سيناء 2018، في التاسع من فبراير.

في سوقي «الرفاعي والمحاسنة» وهما السوقان الرئيسيان وسط المدينة، لم يجد  شيئا سوى بعض الخضرة مثل البقدونس والجرجير، عاد إلى منزله بأيادي فارغة على أن يقوم بجولة أخرى قرب الظهيرة؛ على أمل دخول سيارات الخضروات للمدينة، والتي كانت الإشاعات حول دخولها تكثر كل يوم.

الصورة(1) (شوادر الخضروات التابعة للتجار فارغة مغطاة بأكياس النايلون لعدم وجود خضروات منذ بداية العملية العسكرية في شمال سيناء)

مع اقتراب ظهر الخميس، عاود خالد الخروج من منزله الموجود في شارع فرعي بالقرب من وسط العريش، ليجد العشرات من النساء والرجال في انتظار سيارات القوات المسلحة التي تبيع كميات محدودة من اللحوم والدواجن المجمدة والخضروات، وذلك أمام فرع البنك الأهلي القديم.

يقول الشاب لـ«مدى مصر»، إن مدرعة شرطة تأتي غالبًا قبل وصول سيارات السلع الخاصة بالقوات المسلحة وحينها يعلم الجميع أن السيارات على وشك الوصول، ولكن في ذلك اليوم لم تحضر المدرعة وكان عشرات الأشخاص يفترشون الأرض والرصيف، وفجأة ظهرت السيارات من بعيد وجميعهم استعد لحجز مكان في المقدمة ليتمكن من شراء بعض السلع وأهمها الخضروات التي تنفد سريعًا.

ولكن السيارات اجتازت تجمع الأسر وأكملت طريقها إلى ميدان الرفاعي، ما دفع معظم المنتظرين للركض خلف السيارات في شارع 23 يوليو الرئيسي وسط المدينة. يصف الشاب المشهد بأنه «كان عبثيًا إلى أقصى درجة ومرعبًا في ذات الوقت، أصبحنا في العريش نركض خلف السيارات للحصول على الغذاء!».

في ذلك اليوم كان أسبوعان مرا على بداية الحملة العسكرية في شمال سيناء، فرغت فيهم مدن رفح والشيخ زويد والعريش من كافة أنواع الخضروات الرئيسية والدواجن والبقوليات والدقيق، ما نتج عنه أزمة غذاء طاحنة بدأت تجتاح مدن المحافظة، خاصة عاصمتها مدينة العريش التي يقطن بها النسبة الأكبر من سكان محافظة شمال سيناء.

تضمنت الإجراءات الأمنية المصاحبة للحملة العسكرية، إغلاق الطرق الدولية للمحافظة ما نتج عنه منع دخول الخضراوات والسلع الغذائية بشتى أنواعها وكذلك أنابيب الغاز والأدوية والمستلزمات الطبية والدقيق، الذي يعتبر مكونًا أساسيًا داخل منزل كل أسرة سيناوية.

مساء الخميس وقرب الساعة الثامنة، كتب الدكتور حسام الرفاعي، عضو مجلس النواب عن المدينة، منشورًا على صفحته على موقع «فيسبوك» ذكر فيه عبور سيارات خضروات من كمين الميدان غرب العريش.

سكان حي المساعيد أول حي سكني من الاتجاه الغربي للعريش، انتظروا السيارات على الطريق الدولي الساحلي المار بالحي والتقطوا صورًا لها ونشروها على مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة منهم لتأكيد أنها حقيقة وليست إشاعات، وبشرى لأهالي المدينة المنتظرين لأي بارقة أمل بانفراج الأزمة.

كان عددها ثلاث سيارات خضروات  فقط، من المفترض أن تكفي المقيمين في العريش وهم قرابة 180 ألف نسمة حسب تعداد عام 2016، بخلاف من استقر في المدينة مؤخرًا من الأسر الفارة من جحيم الحرب في مدينتي رفح والشيخ زويد؛ والمقدرين بالمئات.

على الرغم من قلة الكمية تفاءل الأهالي واعتقدوا أن الأزمة بدأت في الزوال.

سيارات الخضار تسير على الطريق الدولي في طريقها إلى وسط العريش

لاحقًا علم الأهالي أن تلك السيارات قادمة لأحد تجار الخضروات الذي يملك شادرًا في «ميدان العتلاوي» وسط المدينة، تمكن من إدخالها بعد تنسيقات بين الغرفة التجارية والقوات المسلحة.

بعد انتشار خبر دخول السيارات افترش العشرات من النساء والرجال محيط المنطقة الموجود بها شادر التاجر وقضوا ليلتهم على أمل ظهور أي حبة خضار، حسب شهود عيان.

ولكن مرت ساعات الليل ولم يظهر شيئا وحلت ساعات حظر التجوال على المدينة ورحل الجميع إلى منازلهم، والكل يستعد لليوم التالي.

صباح الجمعة، 23 فبراير، خرج  سليمان محمد، الشاب العشريني، من منزله لشراء الخُبز من المخبز القريب وسط العريش، قرب الساعة السادسة صباحًا، وهي عادة دأب عليها منذ بداية الأزمة في اليوم التاسع من ذات الشهر، أن يحضر الخُبز كل يومين تحسبًا لنفاذه هو الآخر من المدينة.

«كان زحامًا شديدًا على غير العادة، لا حديث يعلو في الصف أمام شباك الفرن سوى عن سيارات الخضار، وقعت بعض المشاحنات، فالجميع يريد أن يأخذ حصته من الخُبز ليُسرع إلى الأسواق على أمل توزيع الخضروات التي دخلت الليلة الماضية وحصولهم على كيلوات منها»، هكذا وصف سليمان المشهد أمام فرن الخُبز.

وأضاف: «مع الساعة السابعة صباحًا بدأت الحياة تدُب بشكل متسارع في شوارع المدينة على غير العادة خاصة وأنه يوم جمعة، وبدأ الشارع الرئيسي 23 يوليو يسير فيه الأهالي ذهابًا وايابًا متجهين إلى الأسواق» كان الشاب يلمح الشارع بعينيه وهو ينتظر حصته من الخُبز في شارع فرعي صغير متفرع من شارع 23 يوليو، عند الساعة الثامنة والنصف حصل على الخبُز توجه إلى منزله القريب، ثم عاد إلى سوق ميدان الرفاعي الرئيسي.

بدأت البشرى الليلية بدخول سيارات الخضروات تتحول إلى كابوس في نفوس الأهالي رويدًا رويدًا.

يصف سليمان المشهد وهو في طريقه إلى ميدان الرفاعي، بأنه أشبه بـ «الزَحف»، أسر بالكامل من كل الأطياف تتجه إلى سوق الميدان، منهم من يحمل «شُنط الخضار» وآخرين يسحبون «عربات الخضار المنزلية» الكل يأمل أن يعود إلى منزله محملًا بالخضروات.

ويضيف، في الطريق الكل يسأل من يراه قادمًا من الاتجاه المخالف: هل عثرتم على خضروات؟، هل بدأ التجار بالبيع؟، هل يوجد أي شيء في الأسواق؟. وكانت الإجابات دائمًا: لا يوجد شيء وما زال البحث جاريًا.

في ميدان الرفاعي الرئيسي بوسط العريش الموجود في آخر شارع 23 يوليو، افترش مئات الأفراد ساحة الميدان؛ نساء يحملن على أيديهن أطفالهن وفتيات في مقتبل العمر وشيوخ ورجال وشباب الكل يجلس وسط الميدان وعلى الأرصفة في انتظار ظهور الخضروات التي غابت عن المدينة قرابة 14يومًا.

المشاهد كانت متشابه تمامًا في سوق المحاسنة وميدان العتلاوي.

أهالي العريش ينتظرون في ميدان الرفاعي ظهور الخضروات التي غابت عن المدينة لمدة أسبوعين

استمر الحال حتى ظُهر يوم الجمعة، فرغت الميادين والأسواق من الرجال لأداء الصلاة، وبقيت النساء، وبعد الصلاة عاد الرجال إلى مواقعهم، وحتى عصر يوم الجمعة لم تظهر الخضروات في وسط المدينة ولم يعلم أحد أين اختفت طوال الساعات الماضية.

أهالي حي الضاحية أمام احدى شوادر الخضار يوم الجمعة 23فبراير

شاب من المتطوعين في  العمل المجتمعي داخل المحافظة، كشف لـ «مدى مصر» لماذا اختفت الخضروات من أسواق المدينة الرئيسية؟، قائلًا: «كان من المفترض أن تفرغ حمولة السيارات في مخازن التاجر مالكها، على أن تعبأ في أكياس لتسهيل بيعها وإعطاء كل مواطن كميات محددة، ولكنهم فوجئوا بحضور أفراد مديرية التموين ومصادرة السيارات وحمولتها ونقلها إلى مخازن المديرية وأخبروا التاجر والمنتظرين أن المديرية هي من ستتولى بيع وتوزيع الخضروات».

خلال ساعات النهار يوم الجمعة كانت شبكات الاتصال مفصولة عن المدينة، قبل أن تعود في المساء، ويعَلم الجميع أن تجار في مناطق الضاحية شرق العريش والمساعيد غربها حصلوا على بعض أجولة الخضروات وباعوها بأسعار مرتفعة ومتفاوتة دون رقابة.

سيدة تسكن في منطقة الضاحية، قالت لـ «مدى مصر»، «إن أسعار الخضروات كانت متفاوتة والكميات كانت محدودة. بعض التجار استغل الأزمة وباع الخضروات بأسعار مرتفعة. تراوح الكيلو من الطماطم أو البطاطس  بين 10 و 15 جنيهًا، والفلفل بـ 15 جنيهًا. وعندما هدد بعض الأهالي التجار بالإبلاغ عنهم في مديرية التموين، ردوا عليهم: خلّوا التموين ينفعكوا ويديكوا خضار».

وأضافت، أن بعض التجار وضع بعض الخضراوات مختلفة الأنواع في كيس وصل ثمنه إلى 100 جنيه.

خليط من حبات الخضار يبيعها بعض التجار بأسعار مرتفعة استغلالًا للأزمة في العريش

عاد معظم أهالي العريش إلى منازلهم بأيادي فارغة؛ لم يستطيعوا شراء الخضروات التي سمعوا بدخولها لمدينتهم ولكنهم لم يروها.

يوم السبت التالي، كان محافظ شمال سيناء اللواء السيد عبدالفتاح حرحور، يعقد مؤتمرًا صحفيًا في القاهرة يؤكد فيه وجود كميات كبيرة من السلع الغذائية داخل المحافظة.

وفي لقاء مع قناة «إكسترا نيوز»، قال اللواء المحافظ إن «القوات المسلحة تقدم التأمين الإداري للمواطن في سيناء من مأكل ومشرب، وده شيء يحسب لها، في كثير من المنافذ مفتوحة متوفر فيها لحوم ودواجن وسلع غذائية بأسعار مخفضة وكميات من الخضار».

وأضاف: «أن هناك مخزونًا استراتيجيًا كبيرًا من السلع التموينية والسلع الغذائية داخل المحافظة يكفي لمدد طويلة».

كذلك أكد وزير التموين والتجارة الداخلية، علي المصيلحي، على توافر السلع الغذائية في شمال سيناء، مشددًا على أن الوزارة تحرص على توفير السلع الأساسية بأسعار مخفضة، واصفًا الإحتياطي الإستراتيجي من الغذاء داخل شمال سيناء بأنه الأعلى على مستوى المحافظات.

مساء السبت ، كتب الدكتور حسام الرفاعي، مرة أخرى على صفحته الشخصية «7سيارات زبادي وألبان وأجبان في طريقهم للعريش الآن..».

لم يتفاءل أهالي العريش بمنشور الرفاعي، لأنهم كانوا يتوقعون حدوث نفس الشيء الذي حدث مع سيارات الخضروات.

تمثل منتجات الألبان والزبادي أهمية أساسية داخل المنازل، خاصة التي يوجد بها أطفال صغار، ومَثل نفادها من المدينة أزمة حقيقية بعد أن توقف دخولها لشركات التوزيع منذ 9 فبراير بداية العملية العسكرية.

لم ينتظر الأهالي توزيع الألبان والزبادي على المتاجر، وتوجهوا إلى شركة الجملة التي استقبلتها.

الزحام الشديد من المواطنين سيطر على المشهد أمام شركة الجملة القريبة من مسجد النصر وسط العريش، يتزاحم الجميع على أمل أن يحصل على عدد من أكواب الزبادي وبعض اللبن قبل نفاد الكميات، ما اضطر مسؤولو الشركة لبيع علبتي زبادي فقط لكل فرد حتى تكفي الكمية أكبر عدد ممكن، حسب أهالي حصلوا عليها.

البعض وصف ما حدث مع سيارات الخضار والزبادي يومي الجمعة والسبت، بـ «حرب الخضار والزبادي في العريش».

مع بداية الأسبوع الماضي كانت العملية العسكرية دخلت في أسبوعها الثالث، ومع استمرار إغلاق الطرق ومنع دخول أي شيء، بدأت أزمات أخرى بالمواد الغذائية تظهر جليًا داخل العريش، مع نفاد منتجات اللحوم والدواجن المجمدة من بعض المحال المخصصة لبيعها، وكذلك اختفاء بعض البقوليات مثل العدس والفول إلى جانب المكرونات.

صاحب محل شهير لبيع المنتجات الغذائية المجمدة في شارع 23 يوليو، قال لـ «مدى مصر»، إن ما فعلته مديرية التموين مع سيارات الخضار التي دخلت المدينة من مصادرتها وبيعها عن طريقها، جعل جميع التجار يتخوفون من المغامرة بطلب بضائع تحسبًا من مصادرة «التموين» لها.

وأضاف: «إحنا بضاعتنا غالية مش رخيصة، لو التموين أخدها هتبقى خسارة جامدة لينا ومش هَينة».

دفع ذلك المئات من الأهالي للوقوف في طوابير طويلة أمام سيارات منافذ القوات المسلحة، التي لا تكفي سوى العشرات فقط غالبًا لمحدودية الكميات التي تبيعها مقارنة بالأعداد التي تنتظر أمامها، ولا تعطي سوى كيلو واحد فقط من الخضار للشخص أيًا كان نوعه.

وبدأت قوات الأمن المسؤولة عن تأمين وتنظيم البيع في تلك المنافذ إطلاق الرصاص في الهواء في محاولة منها للسيطرة على التدافع وتنظيم صفوف الأهالي، وهو الإجراء الذي لم تكن تتبعه في الأسبوع الأول والثاني للأزمة داخل المدينة.

العشرات من أهالي العريش يقفون أمام المنافذ الغذائية المتحركة للقوات المسلحة

أدت كل الظروف السابقة لظهور بعض الخضروات التي تزرع محليًا بشكل محدود في مجرى وادي العريش في أسواق المدينة، ولكنها غير مكتملة النضوج، وكان أكثرها الطماطم الخضراء والبصل الأخضر الصغير، في محاولة من المزارعين لسد العجز في الأسواق، ورغم عدم اكتمال نضوجها، لكنها اختفت من الأسواق بعد ساعات من عرضها.

كذلك تحول بعض شوادر الخضار في سوق ميدان الرفاعي لبيع علب «البسكويت» في محاولة من التجار للحصول على دخل بعد غياب الخضروات عن المدينة، فيما وجد الأهالي في علب البسكويت فرصة لسد رمق أطفالهم الصغار من الجوع في ظل غياب منتجات الألبان والزبادي، واشترى بعضهم كميات منها تحسبًا للأسوأ، فظهر حول كل شادر العشرات من الأهالي، وتراوحت أسعار علبة البسكويت بين  10 و15 جنيهًا.

وبالنسبة لأصحاب مزارع الدواجن كان الوضع استثنائيًا أيضًا، بعد أن اضطروا إلى بيع الدواجن قبل اكتمال نموها تخوفًا من موتها، بسبب إغلاق الطريق الدولي وتوقف دخول الأعلاف، ففي الأقفاص داخل محلات الفرارجية تظهر الدواجن الصغيرة غير مكتملة النمو، التي يتراوح حجمها ما بين 500 جرام و800 جرام، وأن كانت لم تلق راوجًا كبيرة رغم قلتها بسبب ارتفاع أسعارها والذي وصل إلى 33 جنيهًا للكيلو، فضلًا عن عدم صلاحيتها لصغر حجمها.

الحال لا يختلف بالنسبة للأسماك، فسوق السمك الرئيسي وسط العريش مغلق تمامًا منذ بداية العملية العسكرية بسبب منع قوات حرس الحدود الصيادين من الصيد، وأن كان بعض التجار أخرجوا الأسماك المملحة «الفسيخ» في غير موعدها، والتي عادة ما تظهر مع انتصاف شهر رمضان، ولكن الأزمة اضطرت التجار لعرضها للبيع بسبب توقف الدخل المادي اليومي.

أصحاب مخابز العيش الخاصة لم ينجوا من الأزمة وأغلقوا مخابزهم بعد أن انقطعت إمدادات الغاز الطبيعي عن المدينة.

خارج الأسواق وعلى أرصفة الشوارع، يسير الأهالي وكل نظرهم على الأكياس التي يحملها الآخرون، إذا وجدوا من يحمل الخضروات التي لم يعد لها وجود في الأسواق مثل الطماطم والبطاطس والجزر والخيار والبصل والكوسة، يتم إيقافه وسؤاله من أين أحضرها؟ ومن التاجر الذي يبيعها؟ وفي أي سوق؟.

يوم الثلاثاء الماضي، سمحت سلطات الأمن بدخول سيارات محملة بالخضراوات إلى مدينة العريش، أرسلها بعض أبناء سيناء من رجال الأعمال المقيمين في القاهرة على أن توزع بشكل مجاني على الأهالي.

في بداية الأمر لم يكن سكان العريش يعلمون أنها ستكون مجانية معتقدين أنها ستوزع على التجار في الأسواق بشكل طبيعي.

مساء الثلاثاء اقتحمت سيارة نقل ثقيل وسط العريش، استقبلها الأهالي وساروا خلفها في شارع 23 يوليو على أمل أن الأسواق سوف تمتلئ بالخضروات خلال ساعات، وصلت السيارة لميدان الرفاعي فتجمع حولها المئات من أهالي المدينة وبدأت بتوزيع أكياس الخضار المعبأة وبدأ العدد يزيد والمشاحنات بين الناس تزداد، ما دفع السائق بالرحيل من المكان بالسيارة التي لم تظهر مرة أخرى.

شاب من المدينة وثق مشهد دخول السيارة وتجمع الأهالي حولها ونشر الفيديوهات على حسابه الشخصي على موقع «فيسبوك».

على حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعى، استنكر «العرايشية» ما حدث وفكرة إرسال القوافل وتوزيعها المجاني للبضائع، خاصة وأن الأسر قادرة على شراء احتياجاتها من مالها الخاص دون مساعدة من أحد، واعتبر بعضهم أن ذلك يحمل إهانة لهم، متسائلين إذا كانت سلطات الأمن سمحت بدخول تلك السيارات فلماذا لا تسمح بدخول سيارات الخضار التابعة للتجار بشكل طبيعي ويتم بيع الخضروات في الأسواق، مع اخذ الاحتياطات الامنية اللازمة؟

في مناطق الزهور والمساعيد والريسة تمكن بعض التجار من الحصول على بعض الخضراوات وباعوها في شوادرهم الخاصة، في ظل طوابير عليها بالعشرات من الأهالي.

اثنان من تجار الخضروات في سوقي الرفاعي والمحاسنة وسط العريش قالا لـ «مدى مصر»، إن أحدًا لا يعلم أين تدخل سيارات الخضار وكيف يتم البيع منها للتجار، مؤكدين أنهم تواصلوا مع مديرية التموين ولم يتوصلوا إلى شيء.

السيارة حولها الأهالي في ميدان الرفاعي

حالة الغضب التي انتابت الأهالي دفعت حسام الرفاعي عضو مجلس النواب لكتابة منشور على صفحته الشخصية يؤكد فيه: «لم يقصد أحد أهانتكم. هم سارعوا بنجدة أهلهم وناسهم بتوفير السلع الضرورية».

ومنشور آخر ذكر فيه «لا توزيع مجاني لأي سلع ونعمل جاهدون لدخول كل السلع..وتوفير منظومة محترمة وآدمية وعادلة ومنصفة لبيع السلع ومراقبة الأسواق».

يوم الأربعاء ظهرًا، في ميدان الرفاعي منذ الساعة التاسعة صباحًا انتظر الأهالي سيارات منافذ القوات المسلحة التي أصبحت هي المنفذ الوحيد للغذاء في المدينة، بعد الظهر حضرت السيارات والتف حولها الجميع والعدد كل دقيقة يزداد.

على مرمى البصر كانت توجد كومة من القمامة عبارة عن مخلفات الأسواق والمخابز الموجودة في المنطقة، وسطها يجلس رجل تبدو عليه ملامح قلة الحيلة وعلى وجهه التجاعيد التي تظهر مع مرور السنين، يحمل في يده كيسًا شفافًا وينبش عن أي شيء يصلح للأكل ليضعه ف،يه وجد رغيف عيش وبعض المخبوزات تذوق منها قطعة ووضع الباقي في كيسه.

من بعيد كانت إحدى السيدات تأتي مهرولة إلى سيارات الجيش الغذائية، وقفات الاستراحة القصيرة خلال سيرها تشير إلى تقدمها في السن، وجدت الطابور طويلًا وقفت بعض الوقت، لم تحتمل كثيرًا؛ رجعت إلى الرصيف وجلست، وضعت كفها على جبهتها ونظرت إلى الأرض مرددة: «افرجها علينا يا رب، افرجها علينا يا رب.. هونها علينا يا كريم»

اعلان