Define your generation here. Generation What

شاعرة أمريكية سوداء في قاهرة الخمسينيات والستينيات هل كانت حقبة مناهضة الاستعمار استثناء في مسيرة التضامن بين العرب والسود؟

لطالما كانت مصر مصدر إلهام للنشطاء والشعراء في الشتات الأفريقي؛ وفّرت لهم في لحظات متفرقة عبر التاريخ ساحة لتحويل أحلامهم إلى واقع. لكنها في الوقت نفسه تمتعت بعلاقات متوترة مع الشعوب السوداء من القارة الأفريقية، خصوصًا بالنظر إلى دورها النشيط في تجارة العبيد العابرة للصحراء الكبرى أثناء الحقبتين المملوكية والعثمانية.

وقد كان الأصل القومي وظروف العمالة والوضع الاجتماعي السمات المميزة لهذا التناقض والتوتر التاريخي، الذي بلغ ذروته في تباين المواقف بالنسبة للسود في مصر، بينما وصفت بعض النساء السودانيات من الطبقة العاملة في القاهرة روايات مروعة عن تعرضهن للتحرش والاعتداءات الجنسية منذ وصولهن إلى مصر. ويتباين مدى تجسد التمييز ضد السود والملونين في مصر (وفي الشرق الأوسط بصفة عامة) بحسب اللحظة السياسية والنوع الاجتماعي وطبقة المهاجرين السود.

ومع ذلك، يبدو أن حقبة مناهضة الاستعمار (الخمسينيات والستينيات) تبرز كاستثناء لهذا النمط، خصوصًا بالنسبة لمصر التي وفّرت فضاءً سياسيًا للأمريكيين الأفارقة السود، ليتطلعوا لفرص التبادل والتضامن المتبادل. ولا يخفى تأثير مصر على العديد من الأمريكيين السود، والذي يبرز واضحًا بين في أعمال الشاعرة الراحلة مايا أنجلو. ففي قصيدتها «من أجلنا، من لا يجرؤون على التجرؤ» تصيغ أنجلو توقها للحلم، فتكتب:

فلأكن من الفراعنة

ولأبِنِ لي هرمًا عاليًا من الحجارة والأسئلة

ولأكن النيل

وقت الشفق

وفهودًا منطلقين

نحو الجفاف البارد البطيء

لقد جسّدت مصر بالنسبة لأنجلو أمال وأحلام العظمة، ليس فقط بسبب مناظرها الطبيعية الخلابة، ولكن نتيجة لقدرة أهلها على حكم أنفسهم، خاصة بعد استقلالهم عن الحكم العسكري البريطاني في 1952. وبشكل متكرر، ستظهر مصر كمرجعية في قصائد أنجلو، كحلم يقظة يتحقق في الواقع. أصبحت مصر عالمًا حيًا، وفيه تمكنت الشاعرة الأمريكية من التعاون مع قيادات مناهضة الاستعمار من غانا وجنوب أفريقيا.

مايا أنجلو

وُلدت أنجلو باسم مارجريت آني جونسون في 4 أبريل 1928، في سانت لويس بولاية ميزوري، لتعيش تحت وطأة قوانين جيم كرو التي فرضت فصلًا إجباريًا على السود، ما أنتج فقرًا متوارثًا بين الأجيال. كانت أنجلو من بين عدد من النساء السود، مثلها مثل زورا نايلي هارستون، اللواتي حاولن فهم طبيعة الشتات الأفريقي في صوره المختلفة.

كما شاركت أنجلو في جماعة أدبية طمحت لإبراز حياة النساء السود تحت الفصل العنصري والقمع الجندري، بكل ما في ذلك من تفاصيل حميمة وآلام وسياسات تمس وجودهن. لكن نمو أنجلو وسط هذه المجموعة من الكاتبات السود تحقق جزئيًا نتيجة للحظة تاريخية محددة شهدت نشوء وتبرعم إمكانيات التمرد القومي والعالمي.

لم تكن أنجلو شاهدة عيان على هذا السعي والصراع في الولايات المتحدة فقط، لكنها تمكنت من معاينته في القارة الأفريقية أيضًا. وبالتالي أصبح الوقت الذي قضته خارج البلاد جزءًا لا يتجزأ من نموها ككاتبة وشاعرة، وقد لعبت مصر دورًا جوهريًا في هذه المرحلة.

مايا أنجلو في القاهرة

انتقلت أنجلو إلى القاهرة بعد ثلاث سنوات من انعقاد المؤتمر التأسيسي لمنظمة تضامن الشعوب الأفرو-أسيوية في ديسمبر 1957 بمصر. وصلت بصحبة رفيقها في ذلك الوقت، فوسومزي ميك، أحد قادة حركة الحقوق المدنية في جنوب أفريقيا. تواصل الاثنان وارتبطا لكونهما منفيين سياسيين، ولاشتراكهما في صفة «مواطني الدرجة الثانية» المفروضة عليهما. في كتابها «أغنية تتصاعد للسماء» تستدعي أنجلو الذكرى:

رقصتُ للأفريقي الذي أحببته وفقدته في أفريقيا، رقصت للأحكام الفاسدة وللحظ الجيد. في مصر يفترش نور القمر الرمال كثوب من الحرير الأبيض أمام أهراماتها العظيمة. (الفصل السابع)

كانت إقامة أنجلو في مصر شهادة على تلك اللحظة المناهضة للاستعمار، والتي طالبت بالمزيد؛ تلك اللحظة الذي تذوق فيها المضطهدون طعم الحرية وبدأوا في إعادة تشكيل بنية القوى المحيطة بهم. استضافت القاهرة المؤتمر الثاني لمنظمة تضامن الشعوب الأفرو-آسيوية في 1961، بالإضافة للمؤتمر التأسيسي للمرأة الآفرو-أسيوية. وتصدرت النساء العربيات مثل عائشة عبد الرحمن جهود كشف فظائع الاستعمار وتسليط الضوء على القوى المناهضة للاستعمار والمقاومة العالمية.

وفي الوقت ذاته تسببت المشاريع الصناعية الكبرى، مثل سد أسوان، في تهجير مائة ألف من المصريين (السود)، أغلبهم من النوبيين، في صعيد مصر. وجاء تخريب حياة هؤلاء المصريين السود على حساب مشروع بناء الوطن القومي، مؤديًا لتقويض الخطاب السياسي حول التضامن. في المقابل، تجاوزت صلة أنجلو بمصر مجرد الوصف العابر للبيئة المحيطة بها إلى روايات مفصلة عن عملها.

وصفت أنجلو القاهرة عند وصولها في 1960 بتفاصيل سمعية وبصرية، في إحدى ذكرياتها تقول متعجبة:

الباعة الجائلون يحملون بضائعهم في الشارع ليستعرضوها أمام العابرين؛ والشباب يعرضون عصائر الفاكهة الطازجة، وعلى نواصي الشوارع ينحني الرجال فوق عربات الطعام المكشوفة منهمكين في الطهي. وداخل العربة تنعقد روائح البهارات والروث وعوادم البنزين والزهور وعرق الناس فيكاد الهواء المحيط بي يصبح مرئيًا. (قلب امرأة، الفصل الخامس عشر)

كانت مشاعر أنجلو مغمورة بحضور مدينة دائمة التجدد. لكن وصفها للمدينة يفتقد لمشهد يمجّد فيه الناس معجزة أم كلثوم، في أمة لم تخطُ أبعد من عقد من الزمان بعد حكم الاستعمار البريطاني. كانت مصر نقطة التقاء المنشقين، فكما أشارت فيجاي براشاد في كتابها «الأمم الداكنة: تاريخ الشعوب»: «بدت القاهرة في الخمسينيات كمدينة معاندة متأهبة للحرب، مستعدة لمواجهة دول العالم الأول بالخطاب أو البنادق إذا لزم» (الأمم الداكنة: تاريخ الشعوب، صـ51).

التحرير والثورة كانا على طرف لسان الجميع، ما سمح لأنجلو بمقابلة قوميين وثوار سود من كينيا ورودسيا وسوازيلاند، ولم يكونوا مجرد أفراد عابرين في تلك المساحة، بل كانوا أعضاء بمؤتمر عموم أفريقيا والمؤتمر الوطني الأفريقي، ويميل بعضهم للفكر الماركسي، بينما يطمح آخرون في الحكم. بالتالي لم تكمن تجربة القاهرة، بالنسبة لأنجلو، في مجرد التعرف على الثوريين لتصادُفِ وجودهم معها في نفس الفضاء، لكنها مثّلت فرصة لأن تصقل أنجلو صوت كتابتها الصحفية، وهو ما لم يكن في متناول النساء الأمريكيات السود. [وهنا تجب الإشارة لأن النساء السود في الولايات المتحدة شكلن نسبة 2.5% من العاملين في الصحافة.]

في تلك الفترة، عمل الصحفيون العرب والسود على تحدي الممارسات الإقصائية الكامنة ضمن المجال الصحفي. ولعب ديفيد دو بوا –ابن وليام إدوارد دو بوا- دورًا جوهريًا في دخول أنجلو عالم الصحافة، وكانت ثمرة تقديمها للدكتور زين نجاتي أن حصلت أنجلو على وظيفة محررة المرصد العربي، حيث عملت لعام بإرشاد عبد الحسن، وساعدها إريك نيميس في تعلم تصميم الصفحات، بينما علّمها ديفيد دو بوا كيفية التعرف على القصة الصحفية، وغذّت مصر أخلاقياتها المهنية وأشعلت رغبتها في قراءة المزيد.

أثناء إقامتها في مصر، قرأت أنجلو كتاب جورج بادمور «أفريقيا والسلام العالمي» وكتاب وليام دو بوا «أرواح الناس السود» وكتاب جيمس بالدوين «لا أحد يعرف اسمي». وفيما بعد سيصبح لكتاب بالدوين تأثير فكري وسياسي وشخصي عليها، حيث تكتب:

لمس كتاب بالدوين قلبي. بدا لي ألا أحد يعرف اسمي أنا أيضًا. لقد سُميت بكل الأسماء: مارجريت، ريتي، ريتا، مايا، عسل، كلبة، قحبة، سيدة، فتاة وزوجة. والآن في مصر سيدعونني «محررة مساعدة». وسأكون جديرة بهذا اللقب، حتى وإن اضررت للعمل كالعبيد. ربما ليس كهذا الحد، لكنني مستعدة. (قلب امرأة، الفصل السادس عشر)

هذا الإدراك لا يشير فحسب للتحقير من النساء السود في أمريكا الفصل العنصري، لكنه يكشف أيضًا عن قدرة الأمريكيين الأفارقة على اكتشاف رفاقهم السود في الخارج أيضًا. فما ميّز مصر عن الولايات المتحدة هو إتاحة مصر لمساحة أمام أنجلو لبلوغ قدراتها كمحررة وبالتالي ككاتبة واثقة من نفسها.

ورغم محدودية وقتها في القاهرة، إلا أن الفترة التي قضتها أنجلو في مصر تركت أثرًا سياسيًا. فقد غادرت مصر في 1962، لتقضي عدة سنوات في غانا كمحررة لمجلة «أفريكان ريفيو». وعلى غرار وضعها في المرصد العربي، ساهمت هذه الوظيفة في تعزيز حنكتها السياسية وتحسين ملكتها اللغوية.

مالكولم إكس في القاهرة

caption

caption

لم تكن أنجلو ثورية في الواقع، بل شخصية تقدمية استجابت لدعوة العمل التي أطلقها ثوريون آخرون.

كانت على صداقة مع مالكوم إكس، والذي حثها على الانخراط في منظمة الوحدة الأفرو-أمريكية، وتواجد في لوس أنجلوس أثناء عصيان واتس عام 1965. وأصبحت عضوة بمؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية مع نهاية الستينيات، استجابةً لطلب د. مارتن لوثر كينج. كانت أنجلو ناشطة في الحركة المطالبة بحرية أنجيلا ديفيس، والتي ضمت مجموعة متنوعة عرقيًا وأجيالًا مختلفة من أبرز النشطاء الشيوعيين وغير الشيوعيين. والحقيقة أن قربها من هؤلاء الأشخاص ومشاركتها في حركة الحقوق المدنية كانا نتيجة للقائها بالعديد من الثوريين الشجعان في مصر وغانا.

ولسوء الحظ، أدت وفاة قادة حركة مناهضة الاستعمار والحقوق المدنية، والإطاحة بهم، إلى علاقات فاترة وأكثر توترًا بين مصر والمنتمين للشتات الأفريقي. جرى الانقلاب على كوامي نكروما في 1966، واغتيل مالكوم إكس في 1965، وقُتل مارتن لوثر كينج في 1968، ثم توفي جمال عبد الناصر في 1970. ولم يكن هؤلاء الزعماء الأصوات الوحيدة الداعية للتغيير الاجتماعي أو الحركات الجماهيرية، لكن رحيلهم مثّل علامة فارقة تفصل بين حركات التضامن بين العرب والسود. فبدون تحالفات أو صلات رسمية، قد تصبح العنصرية ضد السود أكثر حدة ووضوحًا.

إن إرث الشتات الأفريقي في مصر متعدد الصور والطبقات، بتاريخ تجاوزت فيه الأممية مجرد الشعارات لتصبح رؤية توجيهية. وخلال حقبة مناهضة الاستعمار أصبحت النساء السود جزءًا من مجموعة أصوات تسعى لفهم ملامح التحرير والقوى الثورية، وكان الفضاء والرؤية اللازمين للحرية هو ما اكتسبته أنجلو وغيرها من مصر.

ومنذ اندلاع الثورات العربية في 2011، تشير تقارير مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين لتعرض اللاجئين من منطقة جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى للتمييز في التعليم والسكن العمل. هذا التمييز ضد السود ليس نتيجة وضعهم كلاجئين فقط، لكن يمثل جزءًا من الفجوة بين الحركات المضادة للأنظمة السلطوية وبين الحركات الساعية ضد العنصرية.

ما أعنيه بذلك هو أن هناك الكثير من المكاسب التي قد يحصل عليها ثوريو الربيع العربي إذا ما أصبحوا على اتصال بالمنخرطين في حركة «حياة السود مهمة.. Black Lives Matter» أو إذا ما عمل أولئك المشتغلون بمقاومة إمبريالية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على مناهضة العنصرية ضد السود كذلك. لقد أقرت حركة «احتلّوا» بهذه الصلة بين الشارع الأمريكي وبين ميدان التحرير، ولم يكن لذلك غير أثر محدود في رفع الإجحاف الواقع على المهاجرين واللاجئين السود في الشرق الأوسط.

وتكشف لنا مخاوف المنتمين للشتات المصري والأفريقي، فيما يتعلق بالأزمة المالية العالمية والسكن والبطش الذي ترعاه الحكومات، أن أوجه الشبه بينهم تفوق أوجه الاختلاف. في حالة الربيع العربي، تتمثل بذور الرجعية الكامنة في الثورة المضادة، بينما صعود اليمين المتطرف في الولايات المتحدة هو من يواجه الجهود المناهضة للعنصرية هناك.

وبعيدًا عن مبالغات التمجيد، يبدو أن حقبة مناهضة الاستعمار كانت لحظة قصيرة في التاريخ، تمكّن فيها اليساريون العرب والسود من الالتقاء في مصر، وفق شروطهم الخاصة، ليخططوا لمستقبل أفضل. ما يثبت لنا أن بوسع الشعوب أن تتجرأ على الحلم وأن تزهر عند تحقق التعاون والتنسيق على المدى الأوسع، غير أن الفوز في مثل هذا النضال غير ممكن بدون فضاء سياسي رحب.

اعلان
 
 
إِدنا بونهوم