Define your generation here. Generation What
عن كتابة صاحب «نوبل الأدب».. إيشيجورو يتذكر فيخلق عالمًا جديدًا
 
 
إيشيجورو الحائز على نوبل الأدب 2017
 

كُتّاب قليلون مَن يكرسون حياتهم لفكرة أو موضوع معين يتخلل كل كتاباتهم، بحيث يكمل كل عمل جديد آخر سابق عليه، مثلما استفاض الروائي الأمريكي أرنست همنجواي في الكتابة عن ثيمة معينة وهي صراع أبطاله مع قوى عاتية، تسحقهم في النهاية، وفضّل الروسي أنطون تشيخوف كتابة قصصه ومسرحياته عن شخصيات متبلدة، تعيش حياة مملة وكئيبة في سهوب روسيا المنعزلة، اختار الإنجليزي من أصل ياباني كازو إيشيجورو (م. 1954)، الكتابة عن أبطال سلبيين، يسترجعون حياتهم التي أهدروها في أدوار منحسرة ضمن منظومة اجتماعية أو سياسية عجزوا عن اختراقها، بما يجعل ثيمتَي الذاكرة والقصور الإنساني هما محور أعماله.

في خطبته الطويلة، التي ألقاها بمناسبة استلامه جائزة نوبل، اعترف إيشيجورو بأن مشوراه مع الأدب كان وليد الصدفة، فقد أراد في بداية حياته أن يصبح عازف روك، ولكن كان ما دفعه للكتابة، هو رغبته الحفاظ على صورة اليابان، التي غادرها طفلًا في الخامسة. فالكتابة تمكنه من الرجوع إلى هذه الصورة وقتما شاء.

هكذا تبلورت روايتيه الأوليين «منظر شاحب من التلال» (1982) و«فنان من العالم الطافي» (1986)، واللتان تمركزتا حول أبطال يسترجعون حياتهم في اليابان المتأثرة بالحرب العالمية الثانية. لكن لم يذع صيت إيشيجورو في عالم الأدب إلا بروايته الثالثة «بقايا اليوم» (1989)التي فازت بجائزة البوكر الأدبية.

ورغم تركيزه في هذه الرواية، على حقبة الحرب العالمية الثانية أيضًا، إلا أنه اختار مكانًا آخر غير اليابان، مختلقًا أجواء إنجليزية بحتة يعيش فيها بطله الذي يسترجع حياته، أيام كان يعمل في خدمة لورد إنجليزي متعاطف مع النازيين، وأحد مهندسي سياسة التسوية مع أدولف هتلر، التي مكنت الرايخ الثالث من التربع على عرش أوروبا.

الذاكرة هي التي تضع السم في العسل

غلاف رواية بقايا اليوم

في «بقايا اليوم» يعالج إيشيجورو فكرة العجز أو الجبن الإنساني من منظور سياسي وشخصي، مستخدمًا وظيفة بطله كخادم (بتلر butler وتعني مُدبِّر المنزل أو كبير الخدم) كمثال لسيكولوجية الخاضع الوفي. فبطل إيشيجورو «مستر ستيفنز» فخور بوظيفته التي ورثها عن أبيه، لأنها وظيفة لها قواعد مهنية. ويشرِف، بانضباط الساموراي، على عشرات الخادمين والطباخين والنادلين الذين يخدمون ضيوف اللورد المهمين أثناء عقده لمؤتمرات سرية لتفادي الحرب المحتومة، ولا يشغل نفسه بمساءلة سياسيات «سيده». حتى حين يأمره الأخير بالاستغناء عن خادمتين يهوديتين، لا يسعه إلا الخضوع لقراره رغم تعاطفه مع الفتاتين. ويعرض إيشيجورو توابع الخضوع التام لمهيمن، سواء كان في صورة اللورد أو في صورة حاكم مستبد، على سلوك الخادم، فيتحول لآلة متجردة من المشاعر، لا تهتم إلا  بإتمام واجباتها المهنية على أكمل وجه لإرضاء «سيدها»، كابتة كل المشاعر المتوهجة، حتى الحب. فالتطبيع السياسي مع الشر يبدأ من تخاذل الفرد مع نفسه، ورفضه تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات الأخلاقية.

غلاف مَن لا عزاء لهم

الذاكرة في أعمال إيشيجورو ليست مترابطة ولا متكاملة، وإنما مبهمة، كلغز يظل ينخزهم كالضمير، تجبرهم على مساءلة مواقفهم المخزية التي تنكشف للبطل والقارئ سواء في هيئة مقتطفات مقتطعة، ما تلبث أن تلقي الضوء على حقيقة مشوهة.

يحافظ إيشيجورو على هذه الثيمة كمحور روايته الرابعة «مَن لا عزاء لهم» (1995)، وتتسم بالحوارات الطويلة للغاية، وتدور حول عازف بيانو مرموق، يزور مدينة في شرق أوروبا، لإحياء حفلة. ولكن منذ وصوله ينهال عليه سكان المدينة، بطلباتهم اللانهائية، مما يعطله عن واجباته نحو عائلته وعن الحفل. بسبب طبيعة الرواية التي تبدو كحلم مبهم، وبسبب المتاهات التي ينغمس فيها البطل، دون أن يصل لغايته، قورنت برواية «القصر» 1926 لفرانز كافكا.

وهي مثل «بقايا اليوم» تستفز القارئ، بسبب سلبية البطل الذي لا تواتيه القدرة على تولي زمام حياته بنفسه. ويستخدم إيشيجورو الذاكرة أو النسيان كموتيف للتخاذل. فالبطل الذي يعاني نوعًا من الزهايمر، تعود له الذاكرة كل حين في شكل ومضات، ليكتشف انتمائه لتلك المدينة الفقيرة وارتباطه بسكانها. ينوه إيشيجورو في الرواية أيضًا، للذاكرة الجماعية، حين يتضح أن البطل يسترجع ذكريات لشخصيات أُخرى يجسدونه في مراحل مختلفة من حياته. ولكن بطل الرواية نفسه بلا هوية لأنه بدون ذاكرة شخصية. وربما يرمي الكاتب لفكرة أن على الشعوب المتحررة من الهيمنة السوفيتية، بعد انهيار الستار الحديدي، تحديد مسارها وهويتها بنفسها.

سلبية الشخصيات سمة أساسية لأبطال إيشجورو، وهو يصورها بتكنيكات كثيرة، كأن يجعل كل شخصياته تتمتع بالأدب الإنجليزي أو أدب الجنتيلمين، فحتى لو كانوا على وشك المبارزة، فلا يوجهون الحديث لبعضهم إلا بما يفرضه الإيتيكيت، أو كأن يتعمد في «مَن لا عزاء لهم» وصف شخصية البطل والتعبير عن محنه، وإخفاقاته، من خلال حوارات مستفيضة بين شخصيات جانبية في الرواية، لا من خلاله هو، بما يجعله كآلة أو كدمية يتحكم فيها الآخرون. هذا الاختيار قد يكون ملائمًا لإبراز طبيعة الشخصية السلبية، إلا أن عدم الالتفات  لتنويع أسلوب السرد من خلق تحليلات سيكولوجية أو وصف أماكن، يجعل المقاربة تبدو، أحيانًا، أحادية البعد.  فرغم أن إيشجورو كاتب غير تقليدي بمعنى أن سرده تتخلله طبقات وعوالم عدة ومعقدة تحفز القارئ على التفكير، إلا أن هذه المغالاة قد تأتي على حساب أن تكون شخصياته من لحم ودم.

ورغم تمتع إيشيجورو بلغة إنجليزية رفيعة وغير معقدة، وعدم استرساله في التركيبات اللغوية الزائدة، يبدو أسلوبه، أحيانًا، جافًا للغاية، وكأنه تقرير يستند إلى وقائع. وهو ينسج قصصه من خلال مقدمات طويلة لاعتماده على عامل التشويق البطيء للغاية، الذي يصل إلى حد الملل أحيانًا، رغم عنصر المفاجأة في النهاية.

الفانتازيا الواقعية كذاكرة جديدة

ومن ناحية أخرى يمتاز أدب إيشيجورو بأسلوب الفانتازيا الواقعية، خالقًا عوالم موازية، تمكنه من إبراز ثيمات عجز وقصور الإنسان. مثلًا في روايته الأشهر «لا تدعني أذهب أبدًا» 1995، وهي رواية عن ثلاثة أيتام يترعرعون في مدرسة داخلية بريف إنجلترا، ما يلبث أن يكتشف القارئ، في  الوقت نفسه الذي يكتشف فيه الأبطال حقيقتهم، أنهم مستنسخون، بغرض أن يتبرعوا لأعضائهم البشرية للبشر «الحقيقيين»، حتى «يكملون»، وهو المصطلح الذي يستخدمه القائمين على رعايتهم.

في هذه الرواية، يعالج إيشيجورو القضية الأبدية للإنسان، وهي عجزه عن إيجاد مخرج من فنائه المحتم. فالأطفال يتلقون تربية تركز فقط على تنمية مواهبهم، كي يتأكد المعلمون البشر أنهم يمتلكون روحًا. ولا يختلط المستنسخون بالبشر الحقيقيين إلا بعد بلوغهم المراهقة. لذلك تكتسب عوامل الصداقة والجنس والحب مفاهيم مرهونة بالوقت، لأنهم لم يولدوا كي يكونوا علاقات إنسانية عادية، وإنما كي يتبرعوا بأعضائهم.

وكمعظم أبطال إيشيجورو يتقبل أبطاله أدوارهم بلا مقاومة حقيقية، كما يتقبل خروف الانسياق إلى سكين الذبح أو كما يتقبل البشر فكرة الموت ككل. وتعبر الذاكرة غير المطلقة عن قصور الإدراك البشري في تفهم حتمية فنائه، وعدم أهميته في منظومة العالم الممتدة منذ آلاف السنوات. وتفتح الرواية مجالًا واسعًا لمناقشة إلى أي مدى الإنسان قادر على تخطي الحدود المادية والمعنوية لحياته. إلى أي مدى بإمكانه تخطي الحواجز الاجتماعية، أو القواعد المرتبطة بالشريحة التي ولد فيها، أو الحدود الجيوغرافية التي لا يقدر على تجاوزها.

أما في عمله الأخير «العملاق المدفون» 2015، فيختلق إيشيجورو عالمًا متخيلًا، في حقبة بعد الميلاد، إثر حكم الملك أرثر، أحد أهم الرموز الميثولوجية في بريطانيا. فيرسم عالمًا مليئًا بالكائنات الخرافية، منها تنين ينفث بنفسه سحابة من النسيان على البشر، تجعلهم غير قادرين على تذكر ماضيهم.

هذه المرة البطلان زوجان عجوزان يخيل لهما أنه كان لهما ابن، فيقرران البحث عنه والترحال في الأراضي المجاورة غير الآمنة، آملان أن تعود لهما الذاكرة باسترداد ابنهما. كذلك يعالج في الرواية قضية النسيان في العلاقات الإنسانية. فالزوجة يملأها الخوف إذا عادت لهما الذاكرة، أن يكتشف زوجها حادثًا مؤلمًا أو كريهًا ويهجرها بسببه، رغم وعوده لها أنه لن يدع الماضي يفرض على الواقع أية ظلال، وإنما سيساعدهما في أن يثبتا حبهما وولائهما لبعض «العملاق المدفون» روايتي المفضلة لإيشيجورو، لأن السرد فيها اقتصر على الأحداث المهمة، دون المقدمات الطويلة أو الانشغال بمسارات جانبية. وقد صاغ عالمه الخرافي دون إسرافات خيالية، وكأنه عثر على وصفة التوازن بين التشويق والبنية والسرد والرسالة العميقة.

من الأجزاء الكاشفة في الرواية، عن مفهوم الذاكرة عند ايشيجورو، هي عندما يصل الزوجان إلى بحيرة عميقة، ويتوجب عليهما الإجابة عن سؤال يسأله لهما عامل المعدية، كل على حدا، متعلق بالذكرى المفضلة مع شريك الحياة. وإذا اختلفا لن يجتمعا على البر الآخر الذي يمثل الحياة بعد الموت. تجسد هنا الذاكرة نوع من الفردوس يتلاقى فيه الأحباء بعيدًا عن فظاعة هذا العالم.

القصص القصيرة عند ايشيجورو

مجموعته القصصية «نكترون»

تختلف قصص إيشيجورو كليًا عن رواياته، فرغم أن أبطالها، مثل بقية أبطال إيشيجورو، منحسرون نفسيًا، ومحصورون في أدوارهم الدنيوية، غير قادرين على تحدي مصيرهم، لفقرهم أو عجزهم أو لزواجهم التعيس، إلا أن الكاتب يصممها شخصيات راضية بما وكِّل إليها، وقادرة على خلق نطفة من الحرية في مربع حبسهم الاجتماعي، كما فعل في مجموعته القصصية «نكترون»  (وتعني قطع موسيقية مستلهمة من الليل) (2009) التي تحوي خمس قصص، تبلغ كل منها نحو ستين صفحة، وتدور عن مغامرات عازفين أو محبين للموسيقى في ليلة معينة.

في هذه القصص، تمثل الذاكرة دور خزانة أو صندوق أسود، فكل بطل يخفي بماضيه حادث مؤلم، مؤثر على حاضره. و يعد الليل هو المخرج المؤقت الوحيد، كأغنية تضفي البهجة على سامعها، قبل أن يذوي صداها بداخله.

تتخلل المجموعة روح دعابة وخفة سردية، وانتقال سلس بين الأحداث، وتدور حول لقاءات ليلية لشخصيات تتفاوت مواقعهم من الهرم الاجتماعي، لكن يجمعهم ولع بالموسيقى من أغنياء ومشاهير ذوي نفوذ إلى عازفين حانات فقراء. مثلًا في أحد القصص، يقضي عازف بوق فقير ليلة بصحبة سيدة غنية في فندق، بعدما خضعا لعملية تجميل جراحية، ملثمان وجهيهما من أثر العملية. يتعاونان على سرقة جائزة موسيقية لعازف يرونه غير جدير بنيلها، ويواسيان بعضهما لانهيار زواج كل منهما. تمتاز القصة بأسلوب شيق، وتتخللها مواقف مضحكة وإنسانية. تحوى المجموعة أيضًا، قصة ملحن فقير يتسبب دون قصد في انهيار زواج عازفيْن، بعد أن أشار عليهما بفندق رديء السمعة.

ذاكرة الشعوب .. ذاكرة الفرد

إيشجورو يُلقي خطبة تسلمه لجائزة نوبل في الأدب

في خطبة تسلمه جائزة نوبل، تطرّق إيشيجورو لقضايا متعلقة بفقدان الذاكرة (الأمنيزيا) عند الشعوب، منها هل تمتلك الشعوب ذاكرة لها، وكيف يوفق المرء بين تذكر بشاعة الحروب والمجازر، وبين ضرورة النسيان، كي تخرج الشعوب من دائرة الحروب الانتقامية.

يبدو إيشيجورو وهو يسترجع في خطبة استلام نوبل قدومه إلى إنجلترا، وترعرعه في مدينة صغيرة بالريف، ثم دراسته وبدايته في الكتابة كأحد أبطاله. ولكنه غير نادم على ماضيه الذي مازال يؤثر بقوة على حاضره. وكأبطاله يعلن أيضًا عن عجزه التعامل مع الأوضاع السياسية المعاصرة المشينة، قائلًا إنه كان يعيش في فقاعة ما لبثت أن فرقعت، إثر هيمنة اليمين المتطرف في الغرب، وتواتر العمليات الإرهابية البشعة، مشيرًا إلى دور الأدب في هدم الستارات الحديدية الجديدة، لأنه فن يعبر عن مشاعر البشر في لحظة معينة من حياتهم، حين يقول: «هذا ما أشعر به أنا؟ ماذا عنك أنت؟».

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد