Define your generation here. Generation What

بخصوص العنف الجنسي في مصر: خواطر الربيع والحرب

على مدار الأسابيع الماضية ظهرت تباعًا نصوص وقطع ميديا وثيقة الصلة بمجريات السياسة الثورية في مصر، تمثّل في مجموعها أو منفردة في ظني بعض أفضل وأهم تطورات الثورة المصرية ونقطة عالية جدًا في نضجها الفكري وحضورها على الساحة المتسعة باستمرار، على عكس ما يبدو طيلة هذه السنوات، على الأخص الأربعة الأخيرة منها:

  1. فيديو إعلان أحمد قنصوة – مضافًا إليه بقية إعلانات ترشح المعارضين الثلاثة ومقابلات مع معارضين آخرين انضموا إلى قائمة المعتقلين؛
  2. بيان من سينما زاوية وآخر من حركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها بخصوص عرض فيلم؛
  3. نص استقالة المرشح اليساري الوحيد، والمنسحب، من الحزب والمركز الذين ساهم في تأسيسهما – جنبًا إلى جنب مع نص الرسالة الشاكية من واقعتي تحرش واغتصاب «مزعومتين» ومع بيانين (أحدهما يمثل الشاكية موقع من متضامنين معها والآخر مجهل) يحتّجان على نتيجة التحقيق، وعدد من التدوينات الناقدة للمفهوم الحقوقي الضيق الخاص بالقانون الإجرائي، وبالذات تدوينة عن تأصيل المشكلة تدعو للبناء على أفضل نتائجها.

في هذا المقال، سأدلي بدلوي في النقاش الذي فتحه المسار الثالث. ولكن من المهم أن أوضح أولًا أن جانبًا كبيرًا في خطورة هذه المسارات أنها لا تنحصر في مجرد نقاش – أيًا تكن حدته واستقطابه من ناحية، وأهميته الفائقة وخصوبته من ناحية أخرى – وإنما تنتقل بقوة من حالة اللافعل والعجز إلى صلب مسائل ما البديل أو العمل، وكيف نقاوم بفعالية، وكيف نعيش معًا أثناء ذلك، متمثلين بأنفسنا القيم التي نحاول تغيير واقعنا في ضوئها.

كما أن أطراف هذه المسارات تكاد تخلو تمامًا من الدولة أو النظام الرسمي أو حتى المجتمع بمعناه الواسع الغامض، وبغياب هذه تغيب بعض الأوهام الكبرى التي حكمت محاولاتنا للتحرر. ففي الحالات الثلاث يخاطب المواطنون مواطنين آخرين، تخاطب قوى من الشعب أخرى: يلجأ عسكري مؤمن بالثورة إلى مواطنيه ورفاقه المدنيين؛ تشتبك مؤسسة ثقافية «مستقلة» مع الفرع المصري من حركة عالمية حول تعريف التطبيع مع إسرائيل وتكتيكات مناهضتها ثقافيًا، دون الردح والتشهير والطنطنة المعتادة؛ وأخيرًا يُخرِج جناحان أصيلان في الثورة موضوع خلافهما العميق القديم إلى النور أخيرًا وينجحان، كل بطريقته، في تقريبه خطوات كثيرة من مكانته الصميمة المفقودة، نضال النساء ضد النظام الأبوي الذكوري، بما في ذلك فرعه اليساري النضالي.

لا يوجد مكان يذهب إليه العنف الجنسي ليختفي. أكرر، لا يوجد

وأزعم أن خلاصات ومآلات كل مسار من الثلاثة تقدم لنا نقطة انطلاق قوية وغير مسبوقة للتعامل، كمواطنين ساعين إلى التغيير الجذري، مع القضايا الثلاث، على الترتيب: (1) السياسة المباشرة والحكم، (2) إزالة آثار العدوان الصهيوني وتصفية الاستعمار، (3) دمج النضال الطبقي والجنوسي وسياسيات الهوية عمومًا وتطوير العمل الحقوقي.

إذن وبعد سبع سنوات: من هنا نبدأ، وليس مما وصلنا إليه في مصر فقط. ففي هذه الأثناء مثلًا نمت حركة المقاطعة العالمية وحققت نجاحات مشهودة، وتطورت النسوية الكردية في الكفاح المسلح، وتمكننا الآن الاستفادة من قدر وافر من تجارب نضالية معاصرة، وكذلك من مستجدات السياسيات الانتخابية في الأمريكتين كما في قارات العالم القديم.

ومن الجلي تمامًا كيف تتواشج القضايا الثلاث وتُسلِمنا إلى بعضها البعض بما يجعلها تتكامل كأركان أساسية لحركة تغيير. وقد تعمدت صوغ القضية رقم 2 بلغة عبد الناصر رغم أنه، أو لأنه، في تقدير وتحليل كثيرين وأنا منهم، مسؤول أساسي عن العدوان وتوغل الاستعمار وعن ترسيخ شكل الحكم الذي يزداد كارثية منذ 1952. ولا يحتاج الأمر إلى أي خيال وربط مجازي لكل من يعرف وقائع ما دار في يونيو 1967 وما قبلها لكي يرى جوهر الكارثة باعتباره استعراضًا ذكوريًا هائلًا بين الرجلين الذين تنازعا على الحكم، تسبب من قبل الهزيمة ومن بعدها في تبديد فرصة تحرر وتقدم كبرى لشعب بل لشعوب. لكن هذا الاستعراض هو في النهاية، وحتى على الجانب الآخر منه – الجانب المنتصر – يشير إلى جوهر أعمق، هو الطبيعة الذكورية للأنظمة العسكرية، وفكرة الجيش أو القوة المسلحة عمومًا، والطريق الذي تأخذنا فيه ونوعية القيم والأفكار والثقافة التي تنتشر في المجتمع بسبب دورها المركزي.

فتحت الثورة المصرية باب الفرصة من جديد، جزئيًا لأنها أطلقت كل القوى المقموعة إلى الساحة، بمثل ما أطلقت القوى المضادة لها

فتحت الثورة المصرية باب الفرصة من جديد، وهو في تقديري أبعد ما يكون عن الانغلاق، جزئيًا لأنها أطلقت كل القوى المقموعة إلى الساحة، بمثل ما أطلقت القوى المضادة لها. وليس أدل على هذه الاستمرارية من النتاجات الثلاثة أعلاه، ولعل كل منها في مجاله هو الأنضج بمراحل حتى الآن: 1- خطاب الأجنحة الوطنية والديموقراطية من القوى العسكرية؛ 2- السياسيات الثقافية غير الرسمية؛ 3- التقاطع اليساري النسوي الحقوقي.

«ليس من حق أحد أن ييتِّم شعبًا.» هكذا وصفت لطيفة الزيات الوضع ببلاغة غير عادية عند موت عبد الناصر. وقد وُصفت استقالة خالد علي من قِبل بعض الغاضبين بخسارة ناجمة عن طعنة من رفيقات نسويات يحققن أهداف الدولة العسكرية البوليسية. هذا التوصيف وهذه الاستقالة يضعاننا أمام تحدٍّ تنظيمي نضالي قديم وحاسم: كيف نُسقط في آنٍ معًا الحكم والمعارضة القائمين على الأشخاص، والقابلين للقتل والإضعاف البالغ باغتيال هؤلاء الأشخاص ماديًا أو معنويًا أو تحييدهم؟

***

ما يلي هو أطروحات منفصلة متصلة على خلفية اتهامات وشكاوى التحرش والاعتداء والاستغلال والقسر وسوء السلوك الجنسي. وهي أشكال أوضحت لنا الوقائع والحملات هنا وفي الخارج حاجتها إلى مزيد ومزيد من التحديد والتوعية وتبني ومأسسة مفاهيم وممارسات مرتبطة بذلك.

كانت هذه الأطروحات هي الجزء الثاني من نص تشاركته مع أصدقاء وصديقات. لكني مضطر مؤقتًا إلى حذف الجزء الأول الشخصي، وهو عبارة عن قصص، مجهَّلة الأسماء والهويات بالطبع، لعدم تأكدي من أخلاقية وحكمة إتاحتها للجميع الآن، قصص من الماضي غير البعيد كنت أنا فيها المدعى عليه أو المدعي، في نطاقات محدودة بحيث أن المرسل إليهم لم يكونوا على علم بها.

ما من خروج حقيقي مما نحن فيه على المستوى الجنسي، من هذا العك الجنسي، سوى بأشياء يستحيل أن تخلو من العك أيضًا

ولا أرى أي مسار للخروج لا يشمل تَشارُك كلٍّ منا مثل هذه القصص بطريقة ما، بل، وبطريقة جلسات المصالحة والمصارحة ربما، تَواجُه أطرافها يومًا بين غيرهم من رفاق محاولة الخروج. وكان الغرض من التشارك الأصلي، مثل الآن، هو هذا السعي إلى الخروج، مضافًا إليه التنفيس عن الغضب والصدمة، ولكن أيضًا الحيرة والحزن ونقد الذات.

وغني عن الذكر أن القصص نفسها كانت انتقائية، إذ لا مجال ليسرد المرء قصة حياته الجنسية، كما أن الأطروحات أدناه لا تمثل رؤية شاملة، وإنما مجرد أفكار وخواطر أثارتها الأحداث والنقاشات والتجارب، رأيتها أولى من غيرها بالتشارك، ربما لخصوصيتها وإشكاليتها وبالتالي احتياجها للنقاش والتجريب. وأخيرًا فليس الهدف منها على الإطلاق التعليق على القضية موضوع الجدل أو التلميح لها ولا أخذها كمثال، ولا على واقعة بعينها من اتهامات موجة #أنا_أيضًا المصرية، ولا إجابة سؤال ماذا نفعل عندما تتهم امرأة رجلًا. موضوع هذه الأطروحات هو العنف الجنسي، ولكن بمعنى أوسع وأعقد من التحرش والاغتصاب والعنف المنزلي والإتجار بالبشر وجرائم الشرف.

(1)

لا يوجد مكان يذهب إليه العنف الجنسي ليختفي. أكرر، لا يوجد. سيوجد العنف الجنسي والجنوسي بالقدر نفسه حتى بشكل لا جنسي، حيث لا جنس، أو حيث الجنس «الآمن». إذا أنكرنا وجوده واستمررنا في التعامل معه بسطحية أو آلية أو بشكل نظري سيظل ينفجر بأشكال لا تخطر لنا ببال. حماية أنفسنا من الأذى المعروف مثل التحرش والاستغلال والاعتداء ليست سوى الخط الأول للدفاع عن أنفسنا والنجاة بها من القهر والقمع. وهذا العنف الجنسي الذي يجب الاعتراف به كاملًا، ونشارك فيه ونغذّيه رغم أنوفنا، يشمل مجرد امتلاكنا أجسامًا يتعرض لها الآخرون، لبست أم تعرت، بما ظهر وبما خفي منها، طالما أننا في هذا السياق بالغ التعقيد من التوترات الطبقية والثقافية والجنوسية والتاريخ الثقيل من علاقات القوى، وهو ما أضفى على أجسادنا معاني وأدوارًا لا نملك إلغاءها أو التبرؤ منها. وطالما أننا لا نستطيع إلغاء الجنس فلا يمكننا إلغاء هذا العنف. يمكننا فقط التعامل معه ومحاولة تدارك كل هذا الخراب.

(2)

عدم ارتكاب الأخطاء لا يساوي النسوية أو اللا-ذكورية، بل العكس أحيانًا. ومشكلة الانضباط النسوي وفرضه هو أنهما يسمحان ببقاء الأشياء تحت السطح مخافة ارتكاب الخطأ والوقوع في يد العدالة النسوية وسوء السمعة عمومًا. في مجال الخطاب كما في مجال الفعل، يسمح عدم الانضباط باكتشاف التعقيدات والمجال، والتعامل مع ما كان سيستحيل رصده من الأساس في حالة الانضباط داخل حيز الأمان. التزام الأدب السياسي يسمح ببقاء وتطور الرجعية السياسية.

(3)

ما من خروج حقيقي مما نحن فيه على المستوى الجنسي، من هذا العك الجنسي، سوى بأشياء يستحيل أن تخلو من العك أيضًا. طريق الخروج ليس سلسًا وواضحًا وجاهزًا ومنضبطًا كما يتوهم ويوهمنا النسويون والنسويات. مجرد مطالبة الرجال بعدم التحرش والتمييز، كنوع من التحلي بالأخلاق الحميدة وانفتاح الأفق والجنتلة أو تجنب العقاب، لا يكفي.

(4)

يجب على الذكور الذين يزعمون اختلافهم، وحتى إشعار آخر على الأقل، التوقف عن أدنى فعل قد يلتبس أو يؤدي إلى سوء ظن أو عدم راحة، أي، حرفيًا، غض البصر وعدم أخذ أي مبادرات في هذه المرحلة البائسة في الظاهر من العلاقات الجنسية (وغير البائسة حقًا أو كليًا، لحسن الحظ)، وهذا جزئيًا في سبيل التصدي لأحد جذور كل هذا البؤس والعنف: تقسيم الأدوار الذي جعل الذكور صيادين وطالبين والإناث فرائس ومطلوبات. إن مجرد هذا التقسيم كفيل بجعل الأنثى مع الوقت تشعر في باطنها باستمرار، ومهما بلغت رهافة حس العروض وإبداء الإعجاب، بأنها بضاعة. ومجرد حصر دورها في الرفض أو التجاوب أو الإغراء أو الدلال أو الدعوة المموهة أو النبض القابل للجس عنصر فاعل في تغذية نظرة الذكر وأوهامه.

(5)

تدليلًا على أنه لا طريق يخلو من العك: يرى صديق أن الاقتراح رقم 4 هو في الحقيقة حلم الذكور. وعندما أعدت بالصدفة مشاهدة الفيلم القصير «أريد هذا الرجل» فهمت مقصده حقًا. على الأخص في ضوء معرفتي بتوفيق الحكيم (الفرانكفوني مثل صديقي، ولكن اليميني التنويري على عكسه).

(6)

ليس من المعقول ولا من الثوري أن نتوقع كذكور من النساء على طول الخط احتجاجًا لا غبار عليه، مستقيًما، عميقًا، يتوافق مع تعريفاتنا للتكتيك والتقدمية. وسيحدث أحيانًا أن يؤخذ أحدنا بذنب غيره. ليس هناك معنى للإصرار على استثناء أنفسنا وتجنيبها وضعها في خانة ذكورية الرجال. قد يصب غضب امرأة متأخرًا وبالجملة ممن أذوها وتركتهم يذهبون في سلام في رجل لم يصدر منه واحد على مليون من أذى الذكوريين الحقيقيين. وبالمثل لا يمكننا عندما تندلع ثورة شريفة أن نتوقع من الفقراء ألا يستغلوا الفرصة بلصوصية ودون شرف ثوري. هذا مثال آخر على حتمية الخروج من العك بالعك.

(7)

هناك بين الاستغلال والاعتداء السافر وبين البراءة الناصعة مجال هائل من المناطق الرمادية، وهو ما يُقابَل مؤخرًا بإنكار عنيد ومشمئز من مناهضي التحرش، ويُستغل برخْص من المحافظين والذكوريين والمتحرشين. وهي مناطق لا يمكن تصور علاقة واحدة عابرة أو طويلة قامت بين شخصين أو أكثر من دونها. هذه هي المناطق التي يجب على كل الذكور المختلفين الآن ألا يقربوها وأن يتركوا المبادرة فيها تمامًا للإناث، أيًا تكن في هذا نفسه مخاطرة ذكورية أخرى ما كما يخشى صديقي، لأسباب وجيهة منها أن الذكور أيضًا موضوعون في المعادلة الحالية تحت ضغط ذكوري دائم. يتخذ هذا الضغط شكلا اقتصاديًا غير حر بأي معنى ويختص فيه طرف بالعرض والآخر بالطلب.

(8)

يحمل التضامن النسائي-النسائي المزعوم بعض الملامح غير النسوية بالمرة، تجرِّد الأخريات، المتضامَن معهن ادعاءً، من الفاعلية والمسؤولية والاختيار، بحجة حمايتهن، وبتطبيق نظريات أو خبرات شخصية عليهن بتعسف، بل ويجري ذلك عبر وساطة الذكور المتضامَن ضدهم أحيانًا، لا مباشرة بين الأنثى والأخرى، وبما يمثل مجرد أذى بديل أحيانًا ويعيد إنتاج قيم الذكور (مثلًا: المرأة الجدعة لا تأكل في طبق أكلت فيه صديقتها.)

(9)

العيبان الأساسيان الكبيران في نسوية بعض الذكور المختلفين هما هذان: (أ) أنهم ليسوا نشطاء نسويين أو جنوسيين، (ب) أنهم ليسوا نساء. العيب الأول قابل للتدارك. العيب الثاني غير قابل للإصلاح للأسف. ليس لأنهم ولدوا ذكورًا وإنما لأنهم مثل الجميع تمت جندرتهم. فك هذه الجندرة ممكن مثل فك الاستعمار، لكنه جهد جماعي ودائم وكبير، كما أنهم ربما لن يتخلصوا بشكل كامل أبدًا لا من جندرتهم ولا من بقايا ذكوريتهم مائة بالمائة (وبالمثل: طبقيتنا، عنصريتنا)، مهما حاولوا، غير أنهم لابد أن يظلوا يحاولون بشتى الطرق. لكن الفرص تضعف مع وجود رفيقات سيئات ورفاق سيئين، حيث ما يقال ويُفعل وما لا يُفعل هو بالأساس ليس معاداة الذكورية، وإنما معاداة الجنس والذكور والذات، وإعادة إنتاج للقهر والقمع وآليات الذنب وكل القيم المحافظة، وحيث لا يتواصل طرح الأسئلة على أنفسهم بشكل جماعي وبخصوصية وضعهم في العالم الثالث والعربي والمسلم. الصدمة والارتباك اللذان نعبر عنهما حاليًا، نحن الذكور المختلفون، قد يتخذان في أسوأ الحالات طابع الإنكار أو المسكنة، لكن من الضروري التمسك بأفضل ما فيهما: صدمة العثور على أعماق وأشكال غير مكتشفة أو معترف بها سابقًا من ذكوريتنا، والوعي المفاجئ بـ(حتمية) تغير شروط اللعبة.

(10)

وجود ادعاءات كاذبة بالتحرش أو الاعتداء لا يعني سوى أنها في النهاية نسبة ضئيلة للغاية من مجمل الانتهاكات. كنت في وقت قد بدأت أراجع موقفي السابق الذي بدا لي بعد تجربة شخصية غبيًا وميكانيكيًا: إذا اتهمت امرأة رجلًا بكذا فهي صادقة. لا أرغب الآن في هذه المراجعة العقيمة. وسط كل مائة رجل متهم بالتحرش أو الاعتداء هناك ربما واحد مظلوم، لا مفر من ذلك ولا بأس به. وهناك في المقابل ملايين يبقون آمنين، ظلمًا، من الاتهام. كما تدفع المرأة الميراث التاريخي لنوعها، فليس من العدل أو العقل ألا يدفعه ذكر، أو غني، أو أبيض. لن يُعفى أحد من كل هذا العبث والعشوائية والفوضى إلا عندما تتحقق عدالة شاملة.

(11)

في مقابلة أخيرة مع ناشطة كويرية فلسطينية وبعد أن فصّلت رأيي، شبهت الأمر بالفرق بين معاداة الصهيونية ومعاداة اليهود، وقلت إن هناك نسوية متطرفة. استوقفها التعبير الأخير وبدا أنها لم تبلعه. لكنني لاحقًا انتبهت إلى خطأ مثير: لماذا استخدمت كلمة توقفت منذ زمن طويل وبوعي عن استخدامها، على الأخص سلبًا، وهي «التطرف»، هذه الكلمة الغبية والمساء استخدامها بأشكال رجعية؟ كانت المشكلة أنني لا أجد وصفًا بديلًا ذكيًا ومُرضيًا ودقيقًا لنوع النسوية المقصود، النسوية الآتية من اليسار والجذري منه أحيانًا ولكن المنخرطة إما في الدفاع عن الذكور أو في الهجوم الضاري المفتوح على كل تعبير جنسي يتصادف أنه غير مرغوب فيه من هذه المرأة أو تلك في هذه اللحظة أو تلك، أو غير نقي 100٪ أو غير خالٍ من كل ظلال السلطة والاستهبال. (لا أستخدم مصطلح «النسوية السلبية تجاه الجنس»، لأنني لست «إيجابيًا تجاه الجنس»، لست متصالحًا ببساطة مع صناعة البورنو مثلًا وقائلًا بتمكينها للنساء.)

(12)

نحن أذكياء جدًا جدًا في تطبيع الحلول التقليدية والمحافظة وتبنيها والاستسلام لها، أي تحت لافتات ذكية وتقدمية ونسوية. أنا شخصيًا ناقشت مؤخرًا أربع صديقات على حدة في إعادة نظر نحو الزواج، وكيف أنه قبل الزفاف وبعده ربما يؤدي في مصر وظيفة سياسية خطيرة ليس هذا مجال شرحها. لكننا في المقابل لا نذهب في أي اتجاه آخر. يلفِّق كل منا لنفسه ومؤقتًا حلًا محفوفًا بالمزالق، مجرد تنويعة على المتاح المسموح، مفتقدًا الجماعة التي تقوِّمه ولا تنبذه عندما يخطئ وهي تقِيم هذه الثورة الغائبة، هذا الربيع الجنسي العربي المتأخر، هذا الاقتحام للمتعة الذي تركناه لداعش والتجار، ليصبح الجنس مرتبطًا ليس فقط بالعيب والحرام وإنما أيضًا بالخطر والجريمة والخوف، بعد أن سمحنا بسرقة ثورة الستينيات والسبعينيات الجنسية وصارت الآن تستخدم من قبل عتاة التحرش والاستغلال الجنسي والمدافعين والمدافعات عنهم (في قضيتي بولانسكي ووينشتاين مثلًا): «ما حدث في السبعينيات يبقى في السبعينيات»، «كان ذلك عصر الإفراط»، «كنا في حرية جنسية ولا تحاسبونا بمعايير زمنكم المحافظ»، «لم يكن اغتصابًا بالضبط».

(13)

العنف الجنسي وثيق الصلة بعنف اللغة، العنف الكامن فيها من ناحية، واللاحق بها من ناحية أخرى، لأسباب تتعلق في حالتنا بشروط الوسيط الذي تدور عليه أغلب حملاتنا ونقاشاتنا ومعاركنا، كما تتعلق، في تقديري، بأزمة رهيبة وفريدة تمر بها اللغة العربية، وهي أزمة تزداد فوضوية ولا تجد في الوقت نفسه الاعتراف اللائق بها. ليس الخلاف الغاضب الذي دار من الجهتين حول استخدام مصطلح ملتبس وغير مستقر هو «سلوك مشين» إلا نقطة في بحر هذا العنف اللغوي. وليس هناك أي معنى أو جدوى لفك الارتباط العضوي بين الأيديولوجيا والعنف اللغوي، ولا لمحاولة تطوير الأولى دون الاعتراف بالثاني وتطوير اللغة بالموازاة، ولا لحل سوء التواصل دون المزيد والمزيد من التواصل. ولا يتعلق هذا فقط بفجيعة العنف الجنسي وإنما باستعادة الثقة المفقودة بشكل فادح بين الثوريين، وهو نزيف مستمر في سياق توليفة خطرة من الإحساس بالهزيمة واللافعل والصمت والنميمة والنقاش المعيوب، في شروط وبوسائط مناوئة – على الأقل جزئيًا – لاحتياجاتنا.

(14)

اشتملت يوتوبيا الخمسة عشر يومًا، مهما تكن قابلة للنقد ومتخيَّلة، على تعايش سلمي نادر بين الثائرين والثائرات، أخذ يُضرب تزامنًا مع تنحية مبارك وضرب حركة الشارع من الداخل، بل وقبل ذلك، فأُطلقت شائعات الجنس الجماعي داخل الخيام، وأجريت كشوف العذرية، وهوجمت مسيرة يوم المرأة من قِبَل مدنيين، وبدأت موجة مرعبة من الاعتداء الجنسي الجماعي اقترنت بالمظاهرات. مع وصول خبر سقوط الرئيس تحلّق شباب في صينية الميدان وهم يهتفون متقافزين بابتهاج صبياني «هنتجوز! هنتجوز!» وقال لي شاب متدين منهم بدهشة، ولكن بتأكيد على روح اللحظة ودون ندم، أنه تبادل الأحضان مع «بنات» لأول مرة في حياته من فرط الفرحة. إذا لم يكن كل هذا وغيره دليلًا على أن الثورة هي أيضًا، ويجب أن تكون، ولا معنى لها بغير أن تكون، ثورة جنسية، فهي ليست ثورتنا.

اعلان