Define your generation here. Generation What

موسم الهجرة من مصر: تدوينة عن 2013 وموت الإنسان

صيف عام 2014، استقللت الحافلة عائدًا إلى المنزل، جسدًا منهكًا على بعد آلاف الأميال من البلد الذي يشغل فكري ويملك قلبي، الذي ورغم عدم مكوثي فيه سوى بضعة سنين، لكن خضت فيه أهم تجارب حياتي.

مثلي مثل الآلاف من أسر المعتقلين، أستيقظ كل يوم متلهفًا للإفراج عن أخي الأكبر عبد الله، المعتقل منذ جريمة فض ميدان رابعة العدوية.

عادت بي الذاكرة لشهور قبل أغسطس، واللهجة التحريضية الحادة التي سادت مصر آنذاك، كنت أشم رائحة الغضب والدم الذي يغلي في جميع أحياء القاهرة، وهُيئ لي أن البعض كان ينتظر أي فرصةٍ سانحة للانقضاض على غريمه والفتك به. كانت الأجواء تنبئ بأيام غائمة وكئيبة قادمة على هذا البلد.

هُيئ لي أن البعض كان ينتظر أي فرصةٍ سانحة للانقضاض على غريمه والفتك به. تصوير: محمد الشامي

وهذا ما كان، أُعدّت الخطة وحان وقت التنفيذ: صباح يوم 14 أغسطس 2013 هاجمت قوات الأمن المصرية ميداني النهضة ورابعة العدوية اللذين اعتصم بهما أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، بأوامر لفضّهما بـ«قوة غاشمة» دون مراعاة لأي أرواح بريئة يمكن إزهاقُها، في يوم بدا لي كقيامةٍ صغيرة.

«هل هذا كابوس؟»، كنت أسأل نفسي وأنا أشاهد الناس تتساقط على بعد أمتار مني، وأسمع صراخهم وحشرجة أصواتهم وأهمس لنفسي أنه لا يمكن لشيء بهذه البشاعة أن يكون حقيقيًا، لكنه كان. وما كتب بالدم، كما أثبت التاريخ، لا يسهل محوه.

حاولت إنكار الواقع الذي كنت أشاهده بعيني، بقيت في موقع الفض لعدة ساعات، قبل أن أتوجه إلى المستشفى الميداني، أو إلى «مشرحة رابعة العدوية» كما أُطلق عليها آنذاك، وهناك وجدت من الجثث ما لا أستطيع إحصاءه، قبل أن يطلب مني أحد الأطباء إتاحة المساحة التي أقف بها لجثمانِ متظاهرٍ آخر لقى للتو حتفه. هنا، هبطت على صدري كغيمةٍ حقيقةُ أنني أشهد بعيني أبشع مجزرة في تاريخ مصر الحديث.

كان هذا يوم وفاة الانسانية وانتشار الفاشية بالنسبة لي لدى الشعب المصري. تصوير: محمد الشامي

ضاق الخناق، واقتربت قوات الأمن من اقتحام الميدان؛ تشويش تام على التغطية، هاتفية كانت أم تلفزيونية.

فقدت التواصل مع كل من أعرف، وكان كل ما يحدث حولي يخبرني أنه تتحتم علي مغادرة هذا المكان، أو أن ألقى حتفي، فقد كنت واقفًا منذ ساعات على بعد أمتار منهم، وإن كان حظي وافرًا، فمصيري الاعتقال. هرولت خارج رابعة، مخبئًا معداتي، رغم هول الصدمة، محاولاً التماسك من مشهد الإمدادات العسكرية المُتجهة صوب أرض المجزرة، كأن كل هذا الموت لم يكفهم ولم يشف غليلهم.

كأن كل هذا الموت لم يكفهم ولم يشف غليلهم. تصوير: محمد الشامي

كان من أقسى المشاهد التى رأيتها في حياتي مشهد لمصريين يهللون على أنغام أغنية مساندة للجيش ويطالبون قوات الأمن: «خلصونا منهم يا باشا». كان هذا يوم وفاة الانسانية وانتشار الفاشية بالنسبة لي لدى الشعب المصري.

غطيتُ العديد من الأحداث التي تُصنّف بوصفها أحداث عنف أو أحداثًا دموية داخل مصر وخارجها، لكن تظل جريمة فض اعتصام رابعة العدوية الكابوس الأعنف الذي اضطررت لمُعايشته في حياتي. لا أزال حتى هذا اليوم، رغم مرور مئات الأيام وعلى بعد آلاف الأميال من مصر، أسمع صدى زخات الرصاص في رأسي، ويزعجني سماع أصوات سيارات الإسعاف والألعاب الناريّة في مدينة يعلو فيها الصوتان.

لا يزال ويزعجني سماع أصوات سيارات الإسعاف والألعاب الناريّة في مدينة يعلو فيها الصوتان! تصوير: محمد الشامي

لأسابيع عديدة، بعد الهزيمة النفسية المدوية التي عاشتها وانكوت بنيرانها آلاف الأسر المصرية، مثلهم مثلنا، كنا نعد أنفسنا للزيارةِ الأسبوعية التي تحولت من سجن أبو زعبل لليمانِ طرة، وانتهاءً بسجن العقرب شديد الحراسة. في إحدى هذه الزيارات، اتيحت لي الفرصة للتعرف إلى محمود أبو زيد، «شوكان». حكى لي شوكان عن حياته وعن شغفه بالتصوير، وحكيت له بالمثل عني وعن حياتي، وسريعًا ما أصبحنا أخوةً وأكثر. قبل موعد الزيارة كنت أجهّز نفسي لمقابلة اثنين من إخوتي في السجن، لحظة لم تخطر لي حتى في أسوأ خيالاتي.

حكى لي شوكان عن حياته وعن شغفه بالتصوير، وحكيت له بالمثل عني وعن حياتي. تصوير: محمد الشامي

أشهر قليلة وكنت أحزم حقائبي لمغادرة مصر خوفًا من مصيرٍ قد يرميني لمشاركة إخوتي زنزانتهم. أربع سنوات مرّت منذ ذلك اليوم، مئات الأيام الكفيلة بتغيير حياة الانسان، والسفر للكثير من البلدان، إنهاء التعليم الجامعي، خروج عبد الله بعد 11 شهرًا، لكن شوكان لا يزال هناك، معزولًا عن العالم بأسره، يواجه الوحدة ويدفع سنين عمره تكفيرًا عن جرم لم يقترفه.

لو كانت ممارسة شوكان لمهنته ذنبًا، فمن البريء؟ الدولة التي تهمل كل مواطنيها وتحرمهم من أدنى الحقوق الانسانية؟ لمَ تخاف دولة بهذا الحجم من شوكان؟

مرّ عامان كاملان منذ آخر مرة أتيحت لي الفرصة أن أتحدث إلى شوكان. يرنّ صوته المتفائل في رأسي دائمًا «عارف، لمّا اطلع من هنا، هجيلك نسافر ونصور سوا، ده وعد مني ووعد الحر دين عليه».

«حر؟» سألته متهكمًا، وسكتنا.

شوكان في محبسه.. تصوير عبد الله الشامي

تمرّ بي الليالي هنا، وتمرّ السنوات على شوكان ووردته التي تذبل في غياهب ظلم الدولة المصرية. هذا ليس مصير شوكان وحده، هذا مصير عبد الله الفخراني، محمد عادلي، سامحي مصطفى وغيرهم ممن لا تسعفني ذاكرتي لذكرهم.

بعد الرحيل من مصر، قابلت الكثير من الصحفيين الذين تركوا مصر خوفًا من الملاحقة الأمنية، لا أنسى أيًا منهم ولا أنسى قصصهم التي حكوها لي. أذكر جيًدا من حكى لي عن أغنية أعجب بها “أهل الهوى” التي كتبها بيرم التونسي عن المنفى، وكيف أنها تذكره كثيرًا بمصر وتشعل حنينه لها.

لا أعرف كيف وهل سينتهي هذا كلّه، لكننا نعرف أننا مفطورون على الأمل والذاكرة. تصوير: محمد الشامي

بعد أيام قليلة، ذات الصحفي، جرى توقيفه في مطار عاصمةٍ عربية ما، لا أنسى كذلك حديثه عن ضابط غرفة الترحيل الذي دندن «يطولوك يا ليل من اللي فيهم، وانت يا ليل بس اللّي عالم بيهم، فيهم كسير القلب والمتألم، واللي كتم شكواه ولم يتكلم.» وكيف أن هذه الدندنات كانت تداوي جروح إحساسهِ بالاغتراب وبثقل المنفى على صدره. في غرفة الترحيل عاش ليلة من أصعب لياليه، تخللها الكثير من التهديدات بالترحيل إلى مصر. لطف الله به في نهاية الأمر وعاد إلى الدولة التي قدم منها، لكن حتى هذا اليوم يشغله التفكير بما كان يمكن أن يكون لو أنه صعد فعلًا إلى تلك الطائرة تجاه القاهرة.

أنا لا أعرف كيف وهل سينتهي هذا كلّه، لكننا نعرف أننا مفطورون على الأمل والذاكرة، ونعرف أيضًا أننا سنسأل الله دائمًا ألّا نُشفى من كليهما.

اعلان
 
 
محمد الشامي